الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة القيمة في الاقتصاد العالمي
10:31 - 05 يونيو 2026
لطالما كان النفط رمزاً للقوة الاقتصادية وأحد أهم الموارد الاستراتيجية في العالم، ولكن التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي بدأت تُعيد رسم خريطة القيمة في الاقتصاد العالمي. فمع التوسع المتسارع في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، برزت رقائق الذاكرة كمورد استراتيجي جديد تتزايد أهميته يوماً بعد يوم، إلى درجة دفعت الشركات المنتجة لرقائق الذاكرة إلى تحقيق قيم سوقية تتجاوز عمالقة قطاع النفط.
وبحسب تقرير أعدته صحيفة "وول ستريت جورنال"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن القيمة السوقية لأكبر ثلاث شركات مصنعة لرقائق الذاكرة في العالم أي سامسونغ إلكترونيكس، وإس كيه هاينكس، ومايكرون تكنولوجي، تبلغ أكثر من تريليون دولار لكل منها، وهذا يجعلها أعلى بنحو 22 بالمئة من القيمة السوقية المجمعة لأكبر ثلاث شركات نفط في العالم، من ضمنها شركة أرامكو السعودية التي تقارب قيمتها بمفردها 1.8 تريليون دولار.
ولا تقتصر موجة الصعود التي تشهدها صناعة الرقائق، على الشركات التي تُصنّع رقائق الذاكرة فقط، بل امتدت لتشمل قطاعات أخرى في الصناعة، فعلى سبيل المثال، ارتفعت القيمة السوقية لشركة سانديسك المتخصصة في تصنيع ذواكر الفلاش بنحو ثلاثة أضعاف منذ مارس الماضي، لتصبح اليوم قريبة من القيمة السوقية لشركة بتروتشاينا، أكبر منتج للنفط في آسيا.
رقائق الذاكرة تكسر القواعد
ورغم الارتفاعات القياسية التي حققتها أسهم شركات رقائق الذاكرة، فإن هذا الصعود قد يبدو للوهلة الأولى مبالغاً فيه، بالنظر إلى الطبيعة الدورية لهذه الصناعة، التي لطالما عُرفت بتقلبات حادة بين فترات الازدهار والانكماش. إلا أن الطفرة الحالية تختلف عن الدورات السابقة، إذ أدى الانتشار المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التحولات الأخيرة في نماذج الأعمال، إلى دفع الطلب على رقائق الذاكرة إلى مستويات تفوق بكثير القدرات الإنتاجية المتاحة حالياً، حيث تسبب هذا الاختلال بين العرض والطلب في رفع الأسعار وتحسين هوامش الربح بصورة غير مسبوقة.
وبناءً على توقعات الأرباح المستقبلية، يرى عدد من المحللين أن التقييمات الحالية لشركات رقائق الذاكرة لا تزال مبررة، في حين يرى البعض الآخر أن الشركات التي تجاوزت قيمتها السوقية حاجز التريليون دولار حالياً، تبدو أقل قيمة عند مقارنتها مع آفاق نمو أرباحها خلال السنوات المقبلة.
تحوّل جوهري في الأعمال
وبحسب تقرير "وول ستريت جورنال" الذي اطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فقد بدأت شركات تصنيع رقائق الذاكرة في استثمار قوتها المتزايدة، لدفع العملاء نحو إبرام عقود توريد طويلة الأجل، في خطوة قد تُحدث تحولاً جوهرياً في نموذج أعمال القطاع، حيث من المتوقع أن تسهم هذه العقود، إذا ما توسع الاعتماد عليها، في توفير قدر أكبر من الاستقرار في الطلب والأسعار على حد سواء.
وتُظهر المؤشرات الأولية أن إبرام عقود طويلة الأجل لتوريد الرقائق، بدأ يكتسب زخماً متزايداً في السوق، إذ أعلنت شركة مايكرون في تقرير أرباحها الصادر في مارس عن توقيع أول عقد توريد يمتد لخمس سنوات. كما كشفت شركة سانديسك في نتائجها الأخيرة عن إبرام خمسة عقود طويلة الأجل مع عملاء رئيسيين، وهي عقود تكفي لتغطية أكثر من ثلث طاقتها الإنتاجية المتوقعة خلال السنة المالية المقبلة.
إنتاج الرقائق محجوز مسبقاً
ويعزز هذا التوجه الإنفاق الضخم الذي يقوده كبار المستثمرين في الذكاء الاصطناعي، ما يعني أن جزءاً متزايداً من إنتاج رقائق الذاكرة في السنوات المقبلة، سيكون محجوزاً مسبقاً عبر عقود متعددة السنوات وبشروط تسعير أكثر استقراراً، الأمر الذي قد يخفف من الطبيعة المتقلبة التي اشتهرت بها صناعة الرقائق.
ويُقدّر تيم أركوري، المحلل في يو بي إس، أن هذه العقود ستغطي ما يصل إلى 30 بالمئة من إجمالي شحنات ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) العام المقبل، متوقعاً أن تكون شركات مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون، قد ضمنت بالفعل الحصول على نحو ثلثي الإنتاج العالمي من هذه الذواكر خلال السنوات المقبلة.
النفط الجديد
ويرى تقرير "وول ستريت جورنال" أن رقائق الذاكرة قد تكون النفط الجديد للاقتصاد العالمي، في ظل الدور المتنامي الذي تؤديه في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتوفير القدرة الحاسوبية اللازمة لها.
ويشير التقرير إلى أنه رغم الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها أسهم شركات الرقائق خلال الفترة الأخيرة، إلا أن المستثمرين لم يتعرضوا بعد لأسعار مبالغ فيها، حيث يتوقع محللو وول ستريت أن تتجاوز أرباح السهم الواحد لشركة مايكرون 60 دولاراً خلال السنة المالية المنتهية في أغسطس 2026، على أن ترتفع إلى نحو 106 دولارات في السنة المالية التالية، وفق تقديرات شركة "فيزيبل ألفا". علماً أن الأرباح المعدلة لسهم مايكرون قفزت من 1.56 دولار في الربع المنتهي في فبراير 2025، إلى 12.20 دولاراً، في الربع المنتهي في فبراير 2026.
وبناءً على هذه التوقعات، فإن القيمة السوقية الحالية لمايكرون، التي تتجاوز تريليون دولار بقليل، لا تعكس بالكامل إمكانات نمو أرباحها المستقبلية، إذ يتم حالياً تداول سهمها عند أقل من 10 أضعاف الأرباح المتوقعة للأرباع الأربعة المقبلة. فيما لا تبتعد شركة سانديسك كثيراً عن هذه التقييمات، إذ يبلغ مضاعف أرباحها المستقبلية نحو 10.5 مرات.
ما هي رقائق الذاكرة ولماذا تشبيهها بالنفط؟
ويقول مهندس الاتصالات حسن الدسوقي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن جميع أجهزة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها الشركات والمصانع وحتى الأفراد، تستند في عملها إلى رقائق الذاكرة، فبدون هذه الرقائق لن يتمكن أي نظام أو آلة ذكية من العمل أو تنفيذ الأوامر، وبالتالي فإن وصف رقائق الذاكرة بنفط العصر الرقمي، مرده إلى التشابه الوظيفي التام بينهما، فكما يُحرّك النفط المصانع ووسائل النقل والاقتصادات، أصبحت رقائق الذاكرة ايضاً المُشغّل الرئيسي لبنية الاقتصاد العالمي الحديث الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
ويشرح الدسوقي أن رقائق الذاكرة هي مساحة تخزين داخل الأجهزة، تقوم بحفظ المعلومات التي يحتاجها نظام الذكاء الاصطناعي أثناء عمله، فعندما يبدأ الجهاز بتنفيذ مهمة، يستعين بهذه الرقائق للوصول الفوري إلى البيانات والمعلومات، مما يجعل الأداء أسرع وأكثر سلاسة، حيث يمكن تشبيه دور هذه الرقائق بذاكرة الإنسان قصيرة المدى، التي تحتفظ بالمعلومات التي نستخدمها في اللحظة نفسها، ثم تتخلص منها عندما لا تعود هناك حاجة إليها.
وبحسب الدسوقي فإنه كلما ازدادت قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطورت، كلما ارتفعت الحاجة إلى رقائق للذاكرة أسرع، ولهذا السبب ومع التطور السريع الذي تحققه تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، أصبح الطلب على رقائق الذاكرة في تزايد متسارع، حيث أن أي تأخير في تسليمها ينعكس مباشرة على أداء الأنظمة وقدرتها على معالجة البيانات في الوقت الفعلي، ما قد يؤدي إلى تباطؤ في تطوير التطبيقات الذكية ويعطّل بعض المشاريع.
الطاقة وحدها لا تكفي
ويرى الدسوقي أن رقائق الذاكرة لا يمكن أن تحل محل النفط، ولكن ما سيحصل هو أنها ستتشارك معه في الأهمية الاستراتيجية، فما يحدث فعلياً هو أن الاقتصاد العالمي يضيف ركيزة جديدة إلى بنيته، بحيث لم تعد الطاقة وحدها هي المورد الذي يحدد القدرة على النمو والإنتاج، بل باتت القدرة الحاسوبية أيضاً عاملاً أساسياً في خلق القيمة الاقتصادية وتعزيز التنافسية.
الإنتاج يخذل الطلب
من جهته يقول المحلل الاقتصادي جوزيف فرح، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الأسواق بدأت تنظر إلى رقائق الذاكرة باعتبارها عنق الزجاجة الحقيقي في ثورة الذكاء الاصطناعي، حيث أن الطلب المرتفع على هذا النوع من الرقائق لا يقابله توسع مماثل في الإنتاج، وفي الوقت نفسه، فإن إنشاء طاقات إنتاجية جديدة في هذا القطاع ليس بالأمر السهل، فمصانع أشباه الموصلات الحديثة تحتاج إلى استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات، كما أن تشغيلها يتطلب سنوات من العمل والخبرات الهندسية المعقدة، وهذا يعني أن زيادة الإنتاج لا يمكن لها مواكبة ارتفاع الطلب بالسرعة نفسها، وهو ما يفسر الارتفاعات التي تحققها أسهم الشركات المُصنعة لرقائق الذاكرة.
من يسيطر على السوق؟
وبحسب فرح فإنه وعلى عكس النفط الذي يتم إنتاجه في عشرات الدول، ومن قبل عدد كبير من الشركات، فإن الجزء الأكبر من صناعة رقائق الذاكرة يتركز في عدد محدود جداً من المنتجين، وفي مقدمتهم شركات كورية جنوبية وأميركية، مثل سامسونغ وSK Hynix ومايكرون، إذ أنه وفي ظل صعوبة دخول منافسين جدد إلى هذا القطاع بسبب التعقيدات التقنية، تبدو هذه الشركات في موقع يسمح لها بالسيطرة على السوق في السنوات المقبلة.
عقود لسنوات طويلة
ويرى فرح أن رقائق الذاكرة تحولت من منتج يمكن استبداله بسهولة إلى مكوّن استراتيجي يصعب الاستغناء عنه، لأن قيمتها لم تعد مرتبطة فقط بما تنتجه من عائدات، بل بالدور الذي تؤديه في تمكين الذكاء الاصطناعي من العمل والتطور، ومن هنا فإن الشركات باتت تنظر إلى تأمين إمدادات مستقرة من هذه الرقائق ضرورة تشغيلية لا تقل أهمية عن تأمين الطاقة، ولذلك هي لجأت إلى أسلوب العقود طويلة الأجل التي تمتد لسنوات.














