وجهة المستثمرين لا تتزعزع: الإمارات تتصدّى بالأرقام
07:57 - 28 مايو 2026
فيما كانت أصوات الصواريخ تدوي في سماء المنطقة، كانت دفاتر الصفقات في الإمارات تُسجّل أرقاماً استثنائية. منذ بداية الحرب، وقّعت أبوظبي شراكة استثمارية بقيمة 30 مليار دولار بين "أدنوك" و"العماد القابضة" مع "بلاك روك" و"جلوبال إنفراستركشر بارتنرز" و"تماسيك القابضة" في مشاريع بنية تحتية.
وأبرمت "تعزيز" الإماراتية اتفاقات بقيمة 29 مليار دولار مع شركات محلية وعالمية لبيع المواد الكيماوية.
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعلنت "مبادلة للطاقة" مشاركتها في أكبر مشروع غاز مسال أميركي بقيمة 13 مليار دولار. شرقاً، وقّعت الإمارات 24 اتفاقية مع الصين شملت الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار والأمن، وضخت استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار في الهند، وأبرمت 4 اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة مع الإكوادور واليابان وكوريا الجنوبية وأذربيجان.
محلياً، أعلنت "أدنوك" عن خطة استثمارية بـ55 مليار دولار في 5 سنوات، وأنجزت 50 بالمئة من مشروع خط أنابيب "غرب-شرق 1" لمضاعفة صادرات النفط عبر ميناء الفجيرة بعيداً عن مضيق هرمز، فيما تضخ أبوظبي 17 مليار دولار في مشاريع النقل والبنية التحتية والترفيه، وتخصص دبي 15 مليار دولار لتوسعة المترو و5 مليارات دولار لطيران الإمارات. النهج واضح: تقدم، نمو، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع.
وسط هذا المشهد، خرج ألدو جارباجناتي، الرئيس التنفيذي لـ"Emicapital Group"، في حديث خاص إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على "سكاي نيوز عربية"، ليقدم شهادة نادرة من قلب غرف إدارة الثروات، ويكشف كيف يتعاطى كبار المستثمرين والمكاتب العائلية مع المخاطر الجيوسياسية التي أحاطت بالمنطقة خلال الأشهر الماضية.
"لا شيء تغيّر".. صدمة عابرة واستراتيجيات ثابتة
يفتتح جارباجناتي تحليله بمقارنة زمنية دقيقة، مشيراً إلى أن "الوضع في الواقع كان مختلفاً قبل الحرب"، فخلال العشرين سنة الماضية، كانت المنطقة تعيش "وضعاً منتعشاً جداً"، حيث العائلات تأتي والاستثمار يتنامى، خصوصاً مع خط أبوظبي الذي أفرز "العديد من الفرص الاستثمارية والرأسمالية". وعندما "تغيرت الأمور بسبب الأزمة مع إيران.
غير أن جارباجناتي يكشف النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام بعد مرور ثلاثة أشهر على بداية الأزمة بقوله: "يمكننا أن نقول أنه بعد ثلاثة أشهر نرى مؤشرات تظهر بأنه لا شيء تغيّر". ويعترف بوجود "صدمة لبعض العائلات خاصة فيما يتعلق بقلق البعض وتوترهم بسبب الوضع الذي ظهر وقلق بشأن مصير الاستثمار"، لكنه سرعان ما يستدرك: "أساساً كل الاستثمار والمستثمرين الذين أتوا من الخارج أدركوا بأن هذا الوضع هو ليس غلطة الإمارات العربية المتحدة، ولذلك هم فقط ينتظرون دون أن يغيّروا استراتيجياتهم".
رسالة الثقة القصوى: لا تغيير في السلوك الاستثماري
ثم يأتي التصريح الأكثر حسماً من الرئيس التنفيذي لـ"Emicapital Group": "سأقلق أكثر لو رأيت تغييراً في استراتيجيات وسلوك وشعور العمليات، لكن هذا لم يحدث". ويكشف عن أن "أحدث المؤشرات وخصوصاً في قطاع العقار تظهر بأنه بالنسبة إلينا ونحن نعرف ما يحدث لدى الأفراد وكبار المستثمرين هم متعافون ويقدّرون هذا الصمود وسرعة التعافي للسلطات وطريقة التعاطي مع الأزمة".
ويكتسب هذا التقييم وزناً إضافياً بالنظر إلى أن جارباجناتي كشف خلال المقابلة عن العمل على منصة استثمارية جديدة في أبوظبي قائمة على الاستثمار الأجنبي المباشر بقيمة 2.1 مليار دولار، وتركّز على القطاع الخاص، إلى جانب التحضير لمشروع قرض خاص بقيمة مليار دولار لدعم مشاريع العقار في أبوظبي، مع توقع أن تتراوح نسبة التمويل الأجنبي بين 75 بالمئة و80 بالمئة.
"الدرع العسكري".. ركيزة الثقة التي ما زال الجميع يتحدث عنها
في تحليله لعوامل الصمود، يضع جارباجناتي إصبعه على عنصر حاسم كان له الوقع الأكبر في نفوس المستثمرين: "أكبر ركن من هذا السلوك هو ذلك الدرع العسكري الذي كان قوياً للغاية والناس ما يزالون يتحدثون عنه". هذا العامل، وفق تعبيره، "كان أساسياً" في الحفاظ على الثقة ومنع أي موجة إلغاء للخطط الاستثمارية.
ويضيف: "رأينا كذلك زيادة في المبيعات التي كانت تزيد بنحو 30 بالمئة خصوصاً في قطاع العقار، وكان هناك إحصاءات رسمية من وزارة الاقتصاد، وهذه الأشياء لم تكن متوقعة، وبطبيعة الحال لم يُلغَ أي شيء، لم يكن هناك ذلك الخوف الذي يجعل الناس يلغون أشياء وخططاً، بذلك هذا يعني أن الكل ينظر إلى هذا الاتجاه".
جيشان من المستثمرين: "مال العملات المشفرة" و"المال القديم"
يفرّق جارباجناتي بين فئتين من أصحاب الثروات في كيفية تعاطيهم مع الظروف الراهنة، موضحاً أن “هناك اختلاف بين أصحاب الثروات، فالشخص الذي يبلغ 25 عاماً وتمكّن من تحقيق ثروة كبيرة، مثلاً من العملات المشفرة، يتصرف في هذا الوضع بشكل يختلف عن أصحاب المال القديم”. ويضيف أن ما يلاحظه حالياً هو حالة من الانتظار لدى بعض المستثمرين، دون تغيّر في الاستراتيجيات أو في مستوى الثقة، مشيراً إلى أن “البلد ما تزال لديها الثقة وما تزال لديها ما يسمى بالـمرونة الكافية ، بما يسمح ببقاء هذه الأموال لدى أصحاب الثروات العالية”.
مستثمر الأصول مقابل مستثمر نمط الحياة
ثم يشير جارباجناتي إلى ضرورة التمييز بين أنماط مختلفة من المستثمرين، موضحاً:
"علينا أن نميّز هنا بين المستثمرين المهتمين فقط باستثمار الأصول سواء في العقار أو السيولة دون التحرك من البلد، لديهم موقف معين وهذا لم يتغير لأنهم ليسوا هنا ولا يعيشون عبر عمليتهم هنا ويحبون بيئة الاستثمار، ويستثمرون في مفهوم الإمارات منذ وقت طويل".
أما الفئة الثانية فهم، بحسب جارباجناتي، الأشخاص الذين يرسلون أبناءهم إلى المدارس في الإمارات ويجلبون عائلاتهم للإقامة فيها، إضافة إلى وجود مكاتب عائلية لهم داخل الدولة، وهؤلاء “لهم موقف مختلف عن الآخرين”. وفي سياق حديثه عن طبيعة تطلعات هذه الفئة، يوضح أن “الثقة التي كانت لديهم في السابق كانت مبنية على العوامل التي نعرفها مثل نمط العيش والفرص الاستثمارية والضرائب نوعاً ما والسلوك الضريبي”.
الضرائب ليست الحافز الأساسي.. الأمن ونمط العيش أولاً
في مراجعةٍ للأفكار النمطية السائدة، يضع جارباجناتي النقاط على الحروف فيما يتعلق بالحوافز الحقيقية لجذب المستثمرين قائلاً: "السياسة الضريبية ليست المحرك الأساسي لقدوم المستثمرين إلى هنا، فهم يمتثلون للأنظمة الضريبية في شتى أسواق العالم منذ أمد بعيد. ما يشكل أولوية حقيقية لديهم هو الأمان، ونمط الحياة الرفيع، وآفاق الفرص الاستثمارية الواعدة."
ويلقي الضوء على ميزة تنافسية استثنائية تختزل جوهر بيئة الأعمال الإماراتية، شارحاً: "يدرك المستثمرون أن هناك تقارباً نادراً بين عقلية مجتمع الأعمال، والقطاع الخاص، والفرص الاستثمارية ذات الهوامش التنافسية الدقيقة. بإمكانك عقد لقاءات مباشرة مع مستثمرين استراتيجيين، أو مع نخبة من المؤسسات هنا دون أي تعقيدات بيروقراطية، لتحصل على إجابات واضحة ومباشرة." ويصف هذه المنظومة الفريدة بأنها "المقاربة المباشرة القائمة على مرونة الوصول إلى صناع القرار، والميزة الراسخة التي يتمتع بها المستثمرون المخضرمون الذين طالما عُرفوا بانكشافهم السياسي وتحوطهم الذكي."
العقار يواصل زخمه.. ومنصة جديدة بـ2.1 مليار دولار
يكشف جارباجناتي عن مشروع جديد تعمل عليه "Emicapital Group" قائلاً: "نحن نعمل على منصة جديدة ستُطلق في أبوظبي قريباً، وهي قائمة على الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 2 مليار و100 مليون دولار وتركّز على القطاع الخاص".
ويضيف: "هذا المشروع بدأ منذ عام ونحن بدأنا به منذ وقت، من أجل أن يكون هناك تشريعات لازمة وتكون هذه المنصة كما هو مطلوب ولم نتوقف". ويؤكد: "موقفنا في إيمي كابيتال Emicapital لم يتغير".
صندوق ائتماني بمليار دولار لدعم المطورين
أما المشروع الثاني الذي كشف عنه فهو "قرض خاص بمليار لدعم مشاريع العقار في أبوظبي"، مشيراً إلى أن "رأس مال الصندوق أو هذا المشروع هو تقريباً بالكامل من خارج البلاد أو مشاريع استثمارات خارجية". ويكشف النسبة تحديداً: "نحن ننظر إلى 75 بالمئة من هذا المبلغ إلى 80 بالمئة يأتي من الخارج لأن هذه المنصة مصممة لدعم المستثمرين الأجانب، وهي مصممة لدعم مفهوم أن نرد على الثغرات الموجودة في القطاع المالي محلياً".
ويشير جارباجناتي إلى أن القطاع العقاري يواصل زخمه، موضحاً أن العائلات باتت تدير أصولها واستثماراتها من خلال البحث عن مداخل متعددة لاستكشاف دول وقطاعات جديدة، وفي مقدمتها العقار. ويضيف أن هذا التوجه يرتبط بضرورة توافر الاستقرار الحكومي والأمن في نمط العيش، باعتبارهما عنصرين أساسيين في معادلة القرار الاستثماري، إلى جانب السعي إلى الدخول في أي قطاع ضمن بيئة استثمارية ذات مخاطر دنيا.
أبوظبي.. ساحة المطورين الجديدة
يلفت جارباجناتي إلى جانب من ديناميكيات القطاع العقاري في أبوظبي، مشيراً إلى أنه يتوقع أن يتجه عدد أكبر من المطورين إلى العاصمة الإماراتية خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى الفارق في عدد المطورين بين أبوظبي ودبي.. كما يشير إلى وجود مشاريع عقارية متعددة، من بينها مشاريع في جزيرة الفاهيد، وهو ما يسهم في جذب المطورين جدد، لا سيما أولئك من الشمال، والذين يعولون على البنوك التي قد لا تكون متاحة أو داعمة بشكل كامل في جميع الحالات، إلى جانب وجود مشاريع ذات طابع عائلي داخل هذا القطاع.
الاستثمار بالقدوة.. لغة الإقناع في عالم الثروات
يكشف الرئيس التنفيذي لـ"Emicapital Group" عن مقاربة استثمارية تقوم على ما يتجاوز عرض الأرقام المالية، مؤكداً أن بناء الثقة في الأسواق يتطلب “العمل بالقدوة” كمدخل أساسي لاستقطاب رؤوس الأموال. ويوضح أن العلاقة مع المستثمرين تتسم بطابع شبكي غير تقليدي، يقوم على التواصل المستمر وتبادل الرؤى بين أطراف تمتلك خبرات استثمارية متفاوتة، بما يعزز القدرة على الإقناع وتوجيه القرارات الاستثمارية.
ويؤكد جارباجناتي أن الاستراتيجية الاستثمارية للمجموعة تركز على الاستثمار الأجنبي وتطوير مشاريع تنطلق من أبوظبي قبل التوسع إلى باقي الإمارات، مع اعتماد نموذج منظم يسهّل دخول المطورين إلى القطاع العقاري. كما يشير إلى تبني “خطوات ذكية” لرصد ديناميكيات السوق وفهم آليات إدارة الأصول وتقييم العوائق التشغيلية، معتبراً أن هذا النهج التحليلي يشكّل عنصراً محورياً في تعزيز جاذبية الاستثمار الأجنبي في السوق الإماراتية.










