لماذا تتصاعد مخاوف الأسواق من تطورات الذكاء الاصطناعي؟
13:57 - 25 فبراير 2026
تتصاعد مخاوف الأسواق من تطورات الذكاء الاصطناعي مع دخول العالم مرحلةً غير مسبوقة من التحول التكنولوجي السريع.
تتزامن وعودُ الربحية المرتفعة مع هواجس إعادة تشكيل قواعد المنافسة ونماذج الأعمال. فبينما تراهن شريحة واسعة من المستثمرين على قفزةٍ في الإنتاجية وهوامش الأرباح، تتزايد في المقابل التساؤلات حول كلفة هذا التحول، وسرعة انعكاسه على النتائج المالية، وهوية الرابحين والخاسرين في سباق لا يزال في بداياته.
تحت عنوان (هل سيؤدي مستقبل الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الأرباح أم مجرد زيادة المنافسة؟) يشير تقرير لصحيفة التايمز إلى أن الميزة التنافسية الناتجة عن التبني المبكر للذكاء الاصطناعي قد تسهم في زيادة هوامش الربح للشركات الكبرى بنسبة الربع، لكن هذا الازدهار الاقتصادي لن يدوم إلى الأبد.
- بدأ المستثمرون فجأةً يشعرون بالقلق من أن الذكاء الاصطناعي قد لا يكون نعمةً للعديد من الشركات كما كان يُعتقد على نطاق واسع.
- شهدت أسواق الأسهم موجات من الذعر، حيث انتاب المستثمرين قلقٌ بشأن ما إذا كان هذا القطاع أو ذاك سيتضرر من ثورة الذكاء الاصطناعي. وتعرضت شركات البرمجيات وشركات البيانات ومديرو الثروات ووسطاء التأمين لانتقادات حادة.
- تعافت معظم الأسهم جزئيًا، ويتفق خبراء سوق الأسهم عمومًا على أن عمليات البيع كانت مبالغًا فيها.
- لا شك أن بعض الشركات ستعاني من المنافسة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، لكن الإجماع هو أن هذه التقنية ستكون مفيدة جدًا للأعمال التجارية بشكل عام. ستزداد الإنتاجية، وربما بشكل كبير، مما سيعزز أرباح الشركات وأسعار أسهمها.
فيما لا يرى الجميع أن هذا أمر جيد. يُعدّ ديكس هانتر-توريك، المدير التنفيذي السابق في غوغل، من بين الذين يحذرون من أن العالم يتجه نحو كارثة . وقد كتب مؤخراً: "النتيجة الأكثر ترجيحاً هي اقتصاد تتضخم فيه أرباح الشركات مع انخفاض تكاليف العمالة، بينما تتضاءل حصة العمال من الناتج".
ضحايا مبكرين
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الأسواق بدأت بالفعل تشهد "ضحايا مبكرين" لثورة الذكاء الاصطناعي، خاصة في قطاعات مثل البرمجيات والخدمات المالية والوساطة.
- تواجه بعض الشركات ضغوطًا متزايدة نتيجة التحول السريع نحو اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي.
- هذه التحولات تؤثر حالياً بشكل سلبي على أداء بعض الشركات.
ويشير في هذا السياق إلى الضغوط التي واجهتها أسهم شركة IBM مؤخراً، إلى جانب حالة ضعف ملحوظة في أسهم عدد من شركات البرمجيات، وهو ما يعكس مخاوف المستثمرين من تأثير الذكاء الاصطناعي على نماذج الأعمال التقليدية.
ويضيف يرق أن الذكاء الاصطناعي يشكل في الوقت نفسه عامل ضغط على سوق العمل، إذ يؤدي إلى تقليص الحاجة إلى بعض الوظائف نتيجة زيادة الاعتماد على الأتمتة والتقنيات الذكية، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل العمالة في عدد من القطاعات.
لكنه يشير إلى أن هذه المخاوف قد تكون مبالغاً فيها في المرحلة الحالية، موضحاً أن التأثيرات الإيجابية للذكاء الاصطناعي ستظهر بشكل أوضح على المدى الطويل، حيث سيسهم في رفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة التشغيلية وزيادة القدرة التنافسية للشركات التي تنجح في دمج هذه التقنيات ضمن عملياتها.
ويؤكد أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى وقت حتى يؤتي ثماره، إلا أن الآفاق المستقبلية تبقى إيجابية، مع توقعات بتحسن الربحية ونمو الأداء لدى الشركات التي تستفيد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يعزز فرص النمو والتنافسية في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
قطاع البرمجيات
تحت عنوان "اضطرابات الذكاء الاصطناعي تضع مستثمري البرمجيات في حالة ترقب"، يشير تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، إلى أن "الأسواق تدرس ما إذا كان اللاعبون الحاليون سيتكيفون أم سيتم تهميشهم بواسطة وكلاء الذكاء الاصطناعي؟".
ويضيف التقرير:
- يتوقع معظم المحللين والمديرين التنفيذيين في مجال البرمجيات وجود رابحين وخاسرين واضحين في مجال الذكاء الاصطناعي.
- لكن قلة من المستثمرين يبديون الرغبة في البحث بين هذه الخسائر عن فرص استثمارية مغرية .
- يعكس هذا الحذر حالةً من عدم اليقين العميق بشأن ما يمكن توقعه من تحول هيكلي جذري في عالم التكنولوجيا، على غرار التحول الذي شهدناه مؤخراً مع الانتقال إلى الحوسبة السحابية.
معظم المديرين التنفيذيين في مجال البرمجيات، مثل ماكديرموت من شركة ServiceNow، يستهينون علنًا بهذا التهديد. لكن بعضهم مستعد للاعتراف سرًا بأن الذكاء الاصطناعي قد يُحدث تغييرًا جذريًا أكبر بكثير من أي شيء سبقه، وفق التقرير.
مخاوف الأسواق
من جانبه، يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من جامعه سان هوزه الحكومية بكاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- مخاوف الأسواق من التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي تتزايد؛ لأن العالم يقف أمام موجة تكنولوجية تختلف جذرياً عن الموجات السابقة.
- كل ثورة تقنية - من الإنترنت إلى الهواتف الذكية - كانت تمنح الشركات وقتاً كافياً لإعادة ترتيب استراتيجياتها والتكيف التدريجي، بينما يحدث التغيير اليوم بوتيرة غير مسبوقة مدفوعاً بالقفزات الكبيرة في قدرات النماذج والتنافس العالمي على البنية التحتية وضخ استثمارات ضخمة خلال فترات قصيرة.
- هذا التسارع يجعل تقييم شركات التكنولوجيا أكثر تعقيداً ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق.
ثلاثة عوامل
ويؤكد بانافع أن الأسواق تخشى ثلاثة عوامل رئيسية:
- أولاً، عدم وضوح العائد على الاستثمار، إذ تنفق شركات التكنولوجيا مبالغ ضخمة على مراكز البيانات والرقائق المتقدمة والبنية التحتية للطاقة، لكن السؤال الأساسي هو ما إذا كان الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي سيكون مستداماً أم أن موجة الحماس الحالية قد تتراجع.
- العامل الثاني يتمثل في خطر "الاستبدال الداخلي"، حيث يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تقلل الحاجة إلى بعض البرمجيات التقليدية، وهو ما قد يضغط على إيرادات قطاعات كاملة مثل البرمجيات الأفقية وخدمات الدعم التقني.
- العامل الثالث يرتبط بالمخاطر التنظيمية؛ ذلك أن الحكومات حول العالم بدأت تضع أطرًا قانونية قد تفرض قيوداً أو تكاليف إضافية على الشركات العاملة في هذا القطاع.
وفي المقابل، يشير بانافع إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لزيادة الأرباح، موضحاً أن الشركات التي تمتلك بنية تحتية سحابية وقدرات حوسبة متقدمة تستطيع بيع خدمات الذكاء الاصطناعي وفق نموذج "الذكاء الاصطناعي كخدمة"، وهو نموذج يحقق هوامش ربح مرتفعة.
ويضيف أن دمج القدرات الذكية في المنتجات الحالية يسمح برفع الأسعار أو تقديم باقات متميزة ذات قيمة أعلى. كما يؤكد أن الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تخفض تكاليف التشغيل في مجالات مثل خدمة العملاء وتطوير البرمجيات وإدارة العمليات، وهو ما يحسن الربحية حتى دون تحقيق نمو كبير في الإيرادات.
ويتابع موضحاً أن الذكاء الاصطناعي يزيد المنافسة بصورة غير مسبوقة، إذ أصبحت أدوات كانت تتطلب فرقاً كبيرة وخبرات متخصصة متاحة عبر واجهات سهلة الاستخدام، وهو ما يخفض حواجز الدخول إلى السوق ويمكن الشركات الناشئة من منافسة الشركات الكبرى. كما يشير إلى أن بعض المؤسسات بدأت تطوير حلول داخلية اعتماداً على نماذج مفتوحة المصدر، الأمر الذي قد يقلل اعتمادها على مزودي البرمجيات التقليديين.
ويؤكد أن هناك مفارقة واضحة، إذ إن الذكاء الاصطناعي يخلق قيمة اقتصادية هائلة لكنه في الوقت نفسه يعيد توزيع هذه القيمة بين اللاعبين في السوق، مشيراً إلى أن شركات البنية التحتية والرقائق والحوسبة السحابية قد تحقق نمواً قوياً، بينما قد تواجه شركات أخرى ضغوطاً تنافسية متزايدة. ويوضح أن الأسواق لا تخشى الذكاء الاصطناعي بحد ذاته بقدر ما تخشى عدم وضوح هوية الفائزين في سباق لا يزال في مراحله الأولى.









