كيف أثّر هوس الاستعانة بالـ AI على صناعة التجميل في العالم؟
15:39 - 25 مايو 2026
شهدت عيادات التجميل في السنوات الأخيرة، تحولاً لافتاً في طبيعة طلبات الراغبين بإجراء عمليات تجميلية، فبعدما كان المرضى يلجأون إلى صور المشاهير كمرجع للنتائج التي يطمحون إليها، بات الأطباء اليوم يواجهون ظاهرة مغايرة تماماً، تتمثل في إحضار المرضى صوراً لأنفسهم بمواصفات جمالية خارقة غير قالبة للتطبيق على أرض الواقع.
ويعود هذا التحوّل إلى اعتماد هؤلاء على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي تتيح للأفراد تعديل صورهم ومنح ملامحهم مواصفات جمالية مثالية يصعب تحقيقها جراحياً، وهو الأمر الذي بات يسبب ارباكاً كبيراً وغير مسبوق لجرّاحي التجميل حول العالم.
فجوة بين التوقعات والواقع
وبحسب تقرير أعده موقع "بزنس إنسايدر"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن الفجوة بين الواقع الذي يدركه أطباء التجميل، والصورة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي باتت تمثل تحدياً متزايداً أمام جراحي التجميل، حيث أن الصور المُعدّلة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تمنح الأفراد سقف توقعات يفوق ما يمكن تحقيقه علمياً، فهذه التطبيقات لا تراعي طبيعة الجسم البشرية أو بنية الوجه أو التوازن الجمالي، أو الاختلافات العرقية والبيولوجية بين الأشخاص.
ويشير المختصون إلى أن الصور المُولّدة بالذكاء الاصطناعي لعمليات تجميل الأنف أو نحت الجسم أو غيرها من الإجراءات التجميلية، غالباً ما تقدم مظهراً أقرب إلى الشخصيات الرقمية أو الدمى، ومن هنا فإن دور جرّاح التجميل لم يعد يقتصر على تنفيذ الإجراءات الطبية التجميلية فحسب، بل أصبح يشمل أيضاً إعادة ضبط توقعات المرضى وشرح الحدود الواقعية والآمنة لما يمكن تحقيقه جراحياً، وهو ما قد يخيّب توقعات بعض المرضى.
ما هي البرامج المستخدمة؟
ووفقاً لتقرير "بزنس إنسايدر"، فإن بعض الراغبين بإجراء عمليات تجميلية يستخدمون برامج مثل ChatGPT أو Nano Banana، فيما يستخدم آخرون تطبيقاتٍ مُتخصصة، وفلاتر ينتجها الذكاء الاصطناعي، حيث تقول طبيبة الأمراض الجلدية التجميلية الدكتورة راشيل ويستباي، إن التوقعات "غير الواقعية" كانت أمراً شائعاً في مجال التجميل، ولكن ما يحصل هذا العام هو مختلف تماماً، فبعض المرضى باتوا يحضّرون صوراً لهم تبدو وكأنها كرتونية، مشيرة إلى أن إحدى السيدات جلبت لها صورة بشفاه ممتلئة بشكل مبالغ فيه وعيون كبيرةٍ تُشبه عيون الدمى.
وشددت ويستباي، على أنه حتى الساعة لا توجد عملية جراحية يمكن إجراؤها لتكبير حجم العين، ولكن حتى لو حصل ذلك في المستقبل، فإن الأفراد الذين سيخضعون لهذه العملية قد يظهرون وكأنهم أشخاص كرتونية.
الاصرار على المستحيل
أما الدكتور Sachin Shridharani، جرّاح التجميل في مانهاتن، فيقول إن إحدى السيدات زارته بطلبات، بدت بعيدة تماماً عن الواقع، وكأنها تبحث عن "آلة زمن جراحية" تعيدها لتبدو مثل حفيدتها التي تصغرها بأربعين عاماً، مشيراً إلى أنه شرح لتلك السيدة أنه لا يمكن للطب إعادة خلق مظهرها في شبابها، ولكنها أصرت على رأيها.
فوائد الذكاء الاصطناعي
ورغم أن استخدام الأفراد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور مثالية يثير قلق صناعة التجميل، إلا أن الكثير من جرّاحي التجميل وأطباء الجلد، باتوا يرون في هذه التكنولوجيا أداة طبية متطورة تحمل فوائد واسعة داخل العيادات، خصوصاً مع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كمساعدين رقميين لتحليل تناسق الوجه وتقييم جودة البشرة ورصد علامات التقدم في العمر وغيرها من المهام.
كما أن أن بعض أطباء التجميل بدأوا باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، لتقديم تصورات متعددة للنتائج الممكنة للعملية، وذلك بعد تقييم بنية الوجه والجسم لكل مريض، فعلى سبيل المثال، يمكن للطبيب تحميل صورة لمريضة تخضع لعملية ترميم بعد سرطان الثدي، ثم توجيه الذكاء الاصطناعي لإنشاء محاكاة حية تُظهر الشكل المتوقع مع عدد غرسات السيليكون المطلوبة، الأمر الذي يمنح المرضى فهماً أكثر دقة للإجراءات الممكنة وحدودها الطبية والجمالية.
هكذا تبدلت معايير الجمال
ويقول رئيس مجلس إدارة مستشفى STMC الدكتور فادي هاشم، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن التجميل كان في السابق محصوراً في رغبة المريض بمحاكاة ملامح نجم سينمائي، أو عارض أزياء شهير، وكانت تلك الطلبات ورغم صعوبتها، تظل تحت سقف المقارنة البشرية، أي أن المريض يقارن نفسه بشخص بشري آخر يمتلك أنسجة وعظاماً وجينات حقيقية، ولكن اليوم انتقلنا من مرحلة المحاكاة البشرية إلى مرحلة المحاكاة البرمجية، حيث يأتي المريض إلى العيادة مُطالباً الأطباء بتحويله إلى نسخة افتراضية لا تمت بصلة لقوانين الطبيعة أو البيولوجيا البشرية.
هكذا تخدعنا الخوارزميات
ويضيف الدكتور هاشم، إن السبب وراء هذا الإرباك غير المسبوق لقطاع جراحة التجميل، يكمن في البنية التقنية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فهذه البرامج والخوارزميات وعند تعديلها لصور المستخدمين، تقوم بعملية تطهير كاملة للملامح، فتزيل المسام وتتلاعب بمسافات العظام وتكبّر العيون وتمنح الجلد بريقاً زجاجياً، لافتاً إلى أن المشكلة الكبرى تكمن في أن هذه الخوارزميات تعمل في فضاء افتراضي، خاضع لخيارات برمجية لا تعرف معنى الأوعية الدموية أو التروية الوريدية أو الحدود البيولوجية الآمنة، في حين أن الطبيب وعندما ينظر إلى الصور المُعدّلة بالذكاء الاصطناعي، لا يرى جمالاً بل يرى تشوهاً وظيفياً خطيراً.
ويشرح الدكتور هاشم، أن محاولة تكبير العيون جراحياً بما يماثل الصور المُعدّلة عبر الذكاء الاصطناعي، هي خيال علمي يهدد سلامة البصر ووظيفة الأجفان، كما أن نحت الجسم من دون مراعاة توزيع الأعضاء الداخلية والدهون الحشوية يُشكّل مخاطرة طبية خطيرة، أما السعي للحصول على فك حاد، ومبالغ فيه على غرار النماذج الرقمية، فقد يؤدي إلى الإخلال بالتوازن الطبيعي للوجه وتشويه الملامح بدل تحسينها.
تطبيقات لا تخضع لقواعد الطب
ويكشف الدكتور هاشم أن هذا الواقع فرض على جراحي التجميل همّاً إضافياً، وهو تحوّلهم من جراحين في غرف العمليات إلى اخصائيي علم نفس واجتماع على طاولات الاستشارة، حيث بات جزءٌ مهمٌ من وقتهم يضيع على إقناع المريض بخفض سقف توقعاته إلى أرض الواقع، مشدداً على أن دور طبيب التجميل هو الترميم والتحسين وليس خلق دمى بلاستيكية.
ويعتبر هاشم أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي المخصصة لتحسين الصور، لا تعمل بمنطق الطب أو البيولوجيا البشرية، بل بمنطق إنتاج صورة مثالية قادرة على جذب الانتباه بصرياً، وهو أمر تدركه حتى منصات الذكاء الاصطناعي نفسها مثل ChatGPT و Gemini، إذ أنها غالباً ما تُرفق إجاباتها المتعلقة بالمسائل الطبية بتنبيهات واضحة، تؤكد أن المعلومات المقدّمة لا تُغني عن استشارة الطبيب أو المختص.
فوائد الـ AI في التجميل
ويشدد هاشم على أنه لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي في عالم التجميل كعامل سلبي، لأن هذه التكنولوجيا تملك أيضاً استخدامات إيجابية مهمة داخل القطاع الطبي التجميلي، فالعديد من الأطباء باتوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لمحاكاة النتائج المحتملة قبل العمليات، وشرح الخيارات العلاجية للمرضى بشكل أوضح، وتحليل تناسق الوجه والبشرة بدقة أكبر، مما يساهم في تقليل الأخطاء الطبية وتحديد العلاجات الأكثر ملاءمة لكل حالة على حدة.
فرق بين الـ AI التجاري والطبي
من جهته يقول الخبير التكنولوجي هشام الناطور، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن المشكلة الأساسية لا تكمن في الذكاء الاصطناعي، بل في طريقة عمل النماذج التوليدية، التي تُستخدم حالياً على نطاق واسع في تعديل الصور والتي يمكن وصفها بالتجارية والاستهلاكية، وهذه النماذج لا تأخذ في الاعتبار بنية العظام أو توزيع العضلات أو حساسية الأعصاب أو حتى حدود الجلد ومرونته، حيث أن كل همها هو إنتاج صورة تبدو جذابة بصرياً ولكنها في الواقع غير قابلة للتطبيق الجراحي، وذلك بعكس الذكاء الاصطناعي الطبي التخصصي الذي يعمل اعتماداً على ببيانات تشريحية حقيقية.
ويشرح الناطور أن الذكاء الاصطناعي التجاري والاستهلاكي الذي يستخدمه عموم الناس عبر الهواتف ومنصات التواصل، هو غير الذكاء الاصطناعي الطبي التخصصي الذي يُستخدم داخل العيادات ويخضع لسيطرة الطبيب، إذ أن الفجوة هائلة بين النموذجين، فعلى عكس الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي، يقوم الذكاء الاصطناعي الطبي بمسح ثلاثي الأبعاد لبنية عظام المريض الحقيقية، ويحلل كثافة الجلد ويتنبأ بالنتائج، بناءً على بيانات دقيقة متاحة له من قبل الطبيب المعالج، لتكون النتيجة التي يصدرها أقرب ما يكون إلى الواقع الطبي وأكثر قابلية للتطبيق جراحياً.
وبحسب الناطور فإن الذكاء الاصطناعي هو أداة تشخيصية وتحليلية فائقة الذكاء، عندما تُغذّى بالبيانات الطبية الصحيحة، في حين أن تطبيقات تعديل الصور، جرى تدريبها على ملايين الصور الرقمية عبر الإنترنت، ووظيفتها الوحيدة هي تحسين مظهر البكسلات، للوصول إلى أنماط هندسية متناظرة وصافية بأعلى درجة ممكنة، وهو ما يُعرف تقنياً بـ "التنعيم الإحصائي".













