كيف تؤثر حرب إيران على الاقتصاد الهندي؟
11:22 - 13 مارس 2026
تواجه الهند اختباراً اقتصادياً وجيوسياسياً معقداً مع اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، إذ تكشف التطورات الأخيرة مدى هشاشة توازناتها الاقتصادية التي قامت خلال السنوات الماضية على معادلة نادرة تجمع بين نمو قوي وتضخم منخفض.
تكشف تداعيات الصراع عن عمق ارتباط الاقتصاد الهندي بالمنطقة، سواء عبر إمدادات الطاقة الحيوية أو عبر شبكة العلاقات التجارية والمالية الواسعة مع دول المنطقة، ما يجعل أي اضطراب في هذه الجغرافيا الحساسة عاملاً مباشراً في إعادة رسم حسابات نيودلهي الاقتصادية.
تضع هذه التحولات الحكومة الهندية أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على زخم النمو الذي جعلها أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في العالم، وفي الوقت نفسه احتواء ضغوط التضخم ومخاطر تعطل سلاسل الإمداد والطاقة، وهي معادلة معقدة تزداد صعوبة مع استمرار التوترات الإقليمية.
ويشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، إلى أن:
- الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران كشفت عن ضعف الهند على جبهات متعددة.
- يهدد ذلك المزيج المثالي الذي تتمتع به أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في العالم، والمتمثل في النمو القوي والتضخم المنخفض.
- كما تشكل الحرب تحدياً ملحاً للسياسة الخارجية بالنسبة لنيودلهي، التي سعت سابقاً إلى الحفاظ على علاقات وثيقة مع الدول الثلاث المتحاربة كجزء من التزامها بـ "الاستقلال الاستراتيجي".
تعتمد الهند على دول الخليج ليس فقط في مجال النفط والغاز، بل في كل شيء بدءًا من رحلات الطيران وحتى الأسمدة.
ويعمل ما يقرب من 10 ملايين هندي في دول مجلس التعاون الخليجي الست، ويرسلون إلى بلادهم ما يزيد عن 51 مليار دولار أمريكي سنوياً كتحويلات مالية، في حين يُعد مجلس التعاون الخليجي أكبر تكتل تجاري للهند ومصدرًا رئيسيًا للاستثمار الأجنبي.
يقول المحللون إن الحرب الإيرانية تهدد الآن ما وصفه محافظ البنك المركزي الهندي سانغاي مالهوترا في نهاية العام الماضي بأنه "فترة ذهبية نادرة" من النمو القوي والتضخم المنخفض.
قد يؤدي استمرار الصراع في المنطقة إلى تعطيل إمدادات الطاقة إلى الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، مع توسيع عجزها التجاري ورفع الأسعار المحلية.
قد يُهدد ذلك النمو المرتفع للهند، الذي توقعه صندوق النقد الدولي قبل النزاع بنسبة 6.4 بالمئة هذا العام. كما قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم من 2.75 بالمئة المسجلة في يناير.
تداعيات الحرب
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي، أنور القاسم، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- تداعيات الحرب في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز تمتد بشكل مباشر إلى الاقتصاد الهندي الذي يرتبط بالمنطقة بعلاقات مالية وتجارية عميقة.
- تسعة ملايين هندي يعيشون في دول الخليج، ما يجعلهم أكبر تجمع للعمالة الهندية في الخارج.. تحويلات هؤلاء المالية تمثل تدفقاً مالياً يمثل ركيزة مهمة لدعم الأسر الهندية واستقرار العملة الوطنية.
- تأثر الهند في هذه الأزمة يأتي في ظل تأثر سلاسل إمدادات الطاقة، التي تعتمد عليها البلاد بشكل كبير، خاصة تلك القادمة من دول الخليج وإيران عبر مضيق هرمز الذي أدى إغلاقه إلى تعطل جزء كبير من الإمدادات.
- الهند تستورد نحو 90 بالمئة من احتياجاتها من النفط الخام، ونحو 50 بالمئة من احتياجاتها من الغاز.
- الجزء الأكبر من هذه الواردات يأتي من هذه المنطقة الحيوية التي تمثل ركيزة أساسية لأمنها الاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي.
كما يلفت القاسم إلى أن الاقتصاد الهندي، رغم كونه اقتصاداً زراعياً ومصدراً مهماً للغذاء، يعتمد بشكل كبير على استيراد الأسمدة، والتي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار نتيجة الحرب، ما يضيف أعباء جديدة على قطاع التصدير الزراعي ويرفع تكاليف الإنتاج.
ويؤكد أن هذه التطورات ستنعكس في نهاية المطاف على ارتفاع معدلات التضخم داخل الهند، وهو ما قد يدفع البنك المركزي إلى إيقاف خطط خفض أسعار الفائدة، مع احتمال تعرض الروبية الهندية لضغوط وتراجع في قيمتها.
ويختتم القاسم حديثه بالقول إن معدل النمو الاقتصادي في الهند سيبقى مرهوناً بمدة استمرار الحرب؛ إذ إن إطالة أمد الصراع ستعمّق الضغوط على الطاقة والتجارة والتضخم، وبالتالي قد تؤدي إلى تباطؤ واضح في وتيرة النمو خلال الفترة المقبلة.
مسار التجارة الهندية إلى أوروبا
وبحسب تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية، إلى أنه:
نادراً ما تربط الهند سياستها الخارجية بشريك أو تحالف واحد. لكن الحرب غالباً ما تفرض خيارات.
إن تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يجبر نيودلهي الآن على إعادة تقييم ممرين تجاريين رئيسيين كانت تعمل على تطويرهما بهدوء لخفض تكاليف ووقت النقل إلى أوروبا - أحد أكبر شركائها التجاريين، والذي أبرمت معه مؤخراً "أكبر صفقة تجارية على الإطلاق".
أحد الطرق يمتد شمالاً. الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب - وهو مشروع مصمم لتسهيل نقل البضائع الهندية إلى روسيا وأوروبا وآسيا الوسطى عبر ميناء تشابهار الإيراني.
ويمتد مشروع آخر غرباً. وهو الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والذي سيربط الهند بأوروبا.
اختبار صعب
يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- التصعيد العسكري في الشرق الأوسط يضع الاقتصاد الهندي أمام اختبار صعب قد يهدد بإنهاء فترته الذهبية التي اتسمت خلال السنوات الأخيرة بنمو قوي ومستويات تضخم منخفضة.
- الصدمة الأولى والأعنف جاءت عبر بوابة الطاقة، حيث تعتمد الهند على استيراد الغالبية العظمى من احتياجاتها النفطية، بينما يمر نحو نصف هذه الواردات عبر مضيق هرمز الذي تحول إلى نقطة اختناق خطيرة للتجارة العالمية.
- أسعار النفط الخام قفزت بشكل حاد متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل في بعض الفترات، مع تحذيرات من إمكانية وصولها إلى مستويات قياسية جديدة إذا استمر إغلاق المضيق.
ويشير إلى أن هذا الوضع يضع نيودلهي في موقف بالغ الصعوبة، خاصة مع نقص إمدادات الغاز الطبيعي المسال وغاز الطهي اللذين تعتمد عليهما قطاعات حيوية مثل الزراعة لإنتاج الأسمدة، إضافة إلى توليد الكهرباء.
ويبيّن سعيد أن الارتفاع المفاجئ في فاتورة استيراد الطاقة يضغط بشدة على مؤشرات الاقتصاد الكلي في الهند؛ إذ يؤدي إلى اتساع عجز الحساب الجاري مع كل ارتفاع في أسعار النفط. ونتيجة لذلك، تتعرض الروبية الهندية لضغوط كبيرة أمام الدولار، ما يرفع بدوره تكلفة استيراد السلع الأخرى ويغذي موجة من التضخم المستورد.
ويضيف أن الحكومة قد تلجأ إلى خفض الضرائب المحلية على الوقود لتخفيف الأعباء عن المستهلكين، إلا أن تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة غالباً ما يتسرب إلى أسعار السلع الأساسية وتكاليف النقل. وفي المقابل، يجد البنك المركزي الهندي نفسه أمام معادلة صعبة بين الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة لدعم النمو المتوقع أن يتباطأ، وبين التدخل لاحتواء تراجع العملة وكبح التضخم، ما يفتح الباب أمام خطر الركود التضخمي إذا طال أمد الأزمة.
ويلفت سعيد إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على سوق الطاقة فقط، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية التي تعرضت لاضطرابات كبيرة نتيجة تحويل مسارات السفن وارتفاع أقساط التأمين البحري أو إلغائها في بعض الحالات. ويوضح أن ذلك يخلق تحديات كبيرة للمصدرين الهنود الذين يرسلون بضائع مثل الأرز البسمتي والمنسوجات والمجوهرات والمحاصيل الزراعية إلى أسواق الخليج، كما يرفع تكلفة مدخلات الإنتاج للصناعة المحلية.
كما يشير إلى أن قطاع الطيران يواجه ضغوطاً إضافية بسبب إغلاق بعض المجالات الجوية في منطقة الصراع، ما يجبر شركات الطيران على اتخاذ مسارات أطول وأكثر استهلاكاً للوقود، الأمر الذي يزيد من الخسائر التشغيلية ويؤدي إلى إلغاء عدد كبير من الرحلات الداخلية والدولية.
وفي ظل هذه التحديات، يشير سعيد إلى أن:
- الهند تحاول الحفاظ على توازن دبلوماسي معقد لضمان أمنها الطاقوي، من خلال البحث عن مصادر بديلة للطاقة في أفريقيا والخليج، والاستفادة من خصومات النفط الروسي، إضافة إلى استخدام جزء من احتياطياتها الاستراتيجية من النفط.
- كما أن الأزمة قد تؤثر في استثمارات هندية استراتيجية مثل ميناء تشابهار الإيراني الذي يمثل منفذاً مهماً لنيودلهي نحو آسيا الوسطى.
ويختتم سعيد حديثه بالتأكيد على أن قدرة الاقتصاد الهندي على تجاوز هذه الأزمة ستعتمد بشكل أساسي على مدة استمرار الصراع، موضحاً أنه إذا انتهت الأزمة سريعاً فقد تتمكن الهند من امتصاص الصدمة عبر تدخلات حكومية مدروسة، أما إذا استمرت لفترة طويلة فقد يضطر الاقتصاد الهندي إلى التكيف مع واقع اقتصادي جديد يعيد تشكيل خريطة مورديه وعلاقاته التجارية بتكلفة مرتفعة.












