كيف حوّلت إيران مضيق هرمز إلى سلاح لابتزاز العالم؟
12:34 - 22 أبريل 2026لا توجد منطقة في العالم تنتج النفط والغاز أكثر من دول الخليج العربي، إذ يُنقل معظم هذا الإنتاج عبر ناقلات تمر من خلال مضيق هرمز.
ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات ضد إيران في أواخر فبراير، شهدت حركة الملاحة في هذا الممر البحري توقفا شبه كامل، ما تسبب في موجة تضخم عالمية، وأدى إلى اضطرابات واسعة في عدد من القطاعات، من إنتاج الأسمدة في الهند إلى الصناعة في كوريا الجنوبية وحتى قطاع الطيران في أوروبا، بحسب تقرير لوكالة بلومبرغ نيوز العالمية.
ومع بقاء أكثر من 200 ناقلة نفط كبيرة عالقة داخل الخليج العربي، اضطرت دول المنطقة إلى وقف مؤقت لمعظم إنتاجها النفطي، بسبب عدم توفر سعة تخزين للإمدادات الجديدة.
وحتى إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق لإعادة فتح المضيق، فلا يوجد ما يضمن عودة حرية الملاحة بشكل كامل. وفي خطوة وصفها العالم بإنها عملية ابتزاز ومخالفة للقوانين الدولية ألمحت الحكومة الإيرانية إلى أنها تعتزم استخدام سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز مستقبلاً.
وكان الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لأدنوك ومجموعة شركاتها، قد وجّه رسائل حاسمة بشأن التداعيات الاقتصادية الكارثية لاستمرار إغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أن الاقتصاد العالمي لا يحتمل مزيداً من عدم اليقين.
وأكد الجابر قائلا: "لا يجوز استخدام مضيق هرمز كأداة للتهديد.. إنه ممر مائي عالمي، ويجب أن يعود إلى العالم كما كان تماماً."، مشددا على ضرورة "تسمية الأشياء بأسمائها"، واصفاً فرض رسوم مقابل المرور الآمن بأنه "عملية ابتزاز".
كيف أثرت الحرب مع إيران على الشحن عبر مضيق هرمز؟
بعد اندلاع الحرب في أواخر فبراير، حذّرت إيران من أنها ستستهدف أي سفن تدخل المضيق من دون إذن مسبق منها، في إرهاب سافر لحركة الملاحة والشحن البحري، الأمر الذي أدى إلى انخفاض متوسط عدد السفن العابرة يومياً إلى أقل من 10 سفن، مقارنة بنحو 135 سفينة يومياً قبل اندلاع الصراع.
وسمحت طهران لبعض السفن، بما فيها الناقلات التي تحمل نفطها، بالعبور عبر ممر ملاحي قريب من سواحلها، وأحياناً بعد طلب رسوم ابتزازية وصلت إلى مليوني دولار.
ونتيجة لذلك، تراجعت شحنات النفط من بقية الدول المصدرة في المنطقة بأكثر من 95 بالمئة بحلول منتصف مارس، بينما انخفضت صادرات النفط الإيرانية بشكل طفيف فقط مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وفق بيانات شركة كبلر المتخصصة في تتبع شحنات الطاقة.
وأعلنت الأطراف المتحاربة وقف إطلاق النار في أوائل أبريل، إلا أن مالكي السفن أكدوا أن الوضع في المضيق لم يتغير، حيث أبلغت إيران حركة الملاحة بأن عبور الممر البحري لا يزال يتطلب موافقتها.
كما تراجعت حركة العبور التي وافقت عليها إيران بشدة بعد أن فرضت الولايات المتحدة حصاراً على السفن الإيرانية التي تستخدم المضيق بدءاً من 13 أبريل.
وأعلنت إيران إعادة فتح المضيق في 17 أبريل، لكنها عادت وأغلقته بعد ساعات، عقب رفض واشنطن تخفيف الحظر المفروض على الشحن البحري.
متى يمكن إعادة فتح مضيق هرمز؟
يعتمد ذلك على مدى سرعة توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق طويل الأمد ينهي الصراع ويزيل التهديدات التي تواجه السفن التجارية.
ومن المتوقع أن يتزايد الضغط على الطرفين للتوصل إلى اتفاق مع استمرار الأضرار الاقتصادية، إلا أن مدى استعداد كل منهما لتحمل مزيد من الاضطرابات لا يزال غير واضح.
ولا يُرجّح أن يؤدي أي اتفاق سلام إلى عودة فورية لحركة الملاحة الطبيعية في المضيق. فشركات الشحن لن تخاطر بإرسال ناقلات جديدة إلى الخليج العربي ما لم تكن متأكدة من أن إعادة فتح المضيق ستكون دائمة وآمنة، وقد تفضّل إخراج السفن العالقة حالياً بدلاً من إدخال أخرى جديدة قد تعلق إذا أُغلق المضيق مرة أخرى.
وفي تأكيد على نهجها الإرهابي، أشارت إيران إلى أنها زرعت ألغام بحرية في المسارات الأكثر استخداماً داخل المضيق، وهي خطوة تتطلب عمليات إزالة قد تستغرق أسابيع. كما أن عمليات التشويش الواسعة على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، التي جعلت الملاحة أكثر صعوبة وخطورة، ستحتاج إلى معالجة قبل استئناف الحركة بشكل آمن.
وحتى بعد إزالة هذه العقبات، قد تتردد بعض شركات الشحن في الإبحار عبر المضيق من دون مرافقة عسكرية تضمن سلامتها.
ولا يمتلك الأسطول البحري الأميركي عدداً كافياً من السفن لحماية أكثر من 100 ناقلة في الوقت نفسه، فيما يرى مسؤولون دفاعيون غربيون أن إعادة فتح المضيق تتطلب تحالفاً عسكرياً متعدد الجنسيات، الأمر الذي يستدعي إقناع دول حليفة بالمشاركة في تأمين الممر المائي.
وقد لا تتمكن هذه العملية من استيعاب نفس عدد السفن التي تمر عادة في الظروف الطبيعية، إذ إن ازدحام الممر قد يزيد من المخاطر الأمنية، مثل عدم قدرة السفن الحربية على التعامل مع تهديد محتمل بسبب وجود سفن تجارية في مسارها.
وقد يستغرق الأمر عدة أسابيع لتخفيف التكدس على جانبي المضيق، نظراً للعدد الكبير من السفن العالقة حالياً داخل الخليج.
ماذا تعني الحرب على المدى الطويل لمسار هرمز؟
يتجاوز حجم الاضطراب الناتج عن هذه الحرب ما حدث خلال أزمتي النفط في عامي 1973 و1979. فقد أدركت شركات الشحن وشركات التأمين والعملاء مدى سهولة تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، ومدى صعوبة إعادة تشغيله بشكل طبيعي.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل، أكد مسؤولون إيرانيون أنهم لن يتخلوا عن سيطرتهم على المضيق، وأشاروا إلى نيتهم الاستفادة اقتصادياً من هذا النفوذ حتى بعد انتهاء الحرب، بحسب ما ورد في تقرير وكالة بلومبرغ نيوز.
ويجري حالياً بحث مشروع قانون في البرلمان الإيراني يكرّس السيادة الإيرانية على المضيق ضمن القانون الوطني، وينص على فرض رسوم عبور على السفن المارة، رغم مخالفته السافرة للقوانين والأعراف الدولية، بحسب تقارير إعلامية إيرانية محلية.
وإذا لم ينجح أي اتفاق طويل الأمد في إزالة التهديد الذي تواجهه الملاحة التجارية في هرمز، فقد تتغير اقتصاديات هذا الممر التجاري الحيوي لسنوات قادمة.
فقد ترى بعض شركات الشحن أن المرور عبر المضيق يشكل مخاطرة مرتفعة للغاية، بينما قد تؤدي ارتفاع تكاليف التأمين إلى تراجع تنافسية التجارة عبر الخليج مقارنة بمناطق أخرى.
ما أهمية مضيق هرمز؟
يقع مضيق هرمز بين إيران من الشمال والإمارات وسلطنة عمان من الجنوب، ويربط الخليج العربي بالمحيط الهندي. ويبلغ طوله نحو 161 كيلومتراً، ويصل عرضه في أضيق نقطة إلى نحو 39 كيلومتراً، بينما لا يتجاوز عرض ممرات الملاحة في كل اتجاه ميلين فقط.
ويُعد المضيق شرياناً حيوياً لسوق الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، إضافة إلى نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
وتعتمد كل من السعودية والعراق وإيران والكويت والبحرين وقطر والإمارات على المضيق لتصدير النفط الخام، وتتجه معظم هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية.
كما تحتضن دول الخليج مصافي تنتج كميات كبيرة من الديزل والنفثا - المستخدمة في صناعة البلاستيك والبنزين - وغيرها من المنتجات النفطية التي يتم تصديرها عالمياً عبر المضيق.
ولا تقتصر أهمية هرمز على الطاقة فقط، بل يمثل أيضاً نقطة اختناق لتجارة منتجات مثل الألمنيوم والأسمدة وحتى الهيليوم المستخدم في صناعة أشباه الموصلات.
هل يمكن لمنتجي النفط تجاوز مضيق هرمز؟
لا تمتلك الكويت وقطر والبحرين أي مسارات بحرية بديلة لصادراتها النفطية.
أما السعودية، التي تصدر أكبر كمية من النفط عبر المضيق، فقد لجأت إلى تحويل بعض الشحنات عبر خط أنابيب يصل إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
كما يمكن للإمارات تجاوز المضيق عبر خط أنابيب يصل إلى ميناء الفجيرة على بحر عمان.
ويسعى العراق إلى إعادة إحياء صادراته عبر موانئ في الأردن وسوريا، إلا أن الكميات المتوقعة تبقى محدودة مقارنة بما يمر عبر مضيق هرمز عادة.
هل تمتلك إيران الحق في السيطرة على المضيق؟
تضع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) أُطراً صارمة تضمن "حق المرور العابر" للسفن في المضائق الدولية، وهو ما يجعل أي تهديد بإغلاق مضيق هرمز انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية. وبموجب الاتفاقية، يمكن للدول ممارسة سيادتها حتى مسافة 12 ميلاً بحرياً من سواحلها (المياه الإقليمية)، لكن شريطة عدم عرقلة الملاحة الدولية أو فرض رسوم مالية مقابل حق العبور.
ورغم وقوع مضيق هرمز ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عمان، إلا أن القانون الدولي يلزم الدولتين بالسماح بـ "المرور البريء" للسفن الأجنبية.
ومن اللافت أن إيران، رغم توقيعها على الاتفاقية عام 1982، لم يصادق برلمانها عليها رسمياً حتى الآن، وهو ما تتخذه ذريعة أحياناً للالتفاف على بنودها.
بيد أن هذه التحركات الإيرانية تتصادم مباشرة مع مبدأ حرية الملاحة، وتحول الممر المائي من شريان اقتصادي عالمي إلى ساحة للابتزاز والمساومات الجيوسياسية.
إن استمرار طهران في توظيف "هرمز" كأداة للضغط يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لإنفاذ القانون وحماية سلاسل الإمداد من التوقف.
وفي هذا السياق، أكد رئيس المنظمة البحرية الدولية في 9 أبريل أن أي محاولة لفرض نظام رسوم عبور دائم في مضيق هرمز ستكون غير مقبولة، محذراً من أنها قد تشكل سابقة خطيرة تهدد استقرار التجارة العالمية.













