هل تنقذ "القرارات الجريئة" صناعة السيارات اليابانية؟
10:18 - 16 أبريل 2026
تواجه صناعة السيارات اليابانية اليوم اختباراً وجودياً غير مسبوق، فالتحديات المتراكمة التي تواجهها هذه الصناعة تحوّلت إلى أزمة وجودية تتطلب تبني حلول جريئة تضمن لها البقاء والاستمرار في واقع عالمي سريع التحوّل.
وفي مشهدٍ يعكس بوضوح حجم الضغوط التي تعصف بشركات السيارات اليابانية، أعلن ميبي توشيهيرو، الرئيس التنفيذي لشركة هوندا، الشهر الماضي، أن شركته تتجه لتسجيل أول خسارة صافية لها منذ عام 1957، وذلك في سنتها المالية المنتهية في مارس 2026.
ولم يكتفِ توشيهيرو بهذا الإعلان، بل أطلق أيضاً تحذيراً شديد اللهجة أكّد من خلاله أن صناعة السيارات اليابانية بأكملها تقف اليوم على حافة الانهيار.
ولا تُعد هوندا شركة السيارات اليابانية الوحيدة التي تعاني أعمالهامن ضغوط شديدة، فشركة نيسان التي كانت ذات يوم سادس أكبر شركة مصنعة للسيارات في العالم من حيث المبيعات، تدخل حالياً عامها الثاني من عملية إعادة هيكلة قاسية، مع خطة لإغلاق سبعة مصانع لها بحلول عام 2028.
التراجع بالأرقام
وبحسب تقرير أعدته صحيفة "ذي إيكونومست"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن أرقام مبيعات السيارات حول العالم تعكس بوضوح التراجع الذي تعاني منه صناعة السيارات اليابانية، فبعد أن استحوذت الشركات اليابانية على 31 بالمئة من المبيعات العالمية في عام 2019، تراجعت حصتها إلى 26 بالمئة بحلول العام 2025.
وكانت الضربة الأشد في آسيا، حيث انخفضت مبيعات السيارات اليابانية في الصين بنحو الثلث منذ عام 2019، فيما تراجعت حصة السيارات اليابانية في أسواق جنوب شرق آسيا إلى 57 بالمئة في عام 2025، من 68 بالمئة في عام 2023.
كيف تآكل النفوذ؟
وأمام الواقع الجديد الذي تعيشه صناعة السيارات اليابانية، تتصاعد في أوساط المراقبين تساؤلات جوهرية حول كيفية انقلاب الأمور رأساً على عقب بالنسبة لهذه الصناعة مع تحوّلها إلى مسار من التراجع المتسارع.
وبحسب تقرير "ذي إيكونومست"، فإن جوهر المشكلة التي تعاني منها صناعة السيارات اليابانية يكمن في 3 عناصر رئيسية هي، التأخر النسبي لشركات السيارات اليابانية في التحول نحو المركبات الكهربائية، الصعود الصاروخي للمنافسين الصينيين، إضافة إلى الرسوم الجمركية بنسبة 25 بالمئة التي تم فرضها على السيارات المستوردة إلى أميركا والتي أثّرت على أرباح القطاع.
المشكلة المركزية
وتتمثل المشكلة المركزية في أن شركات السيارات اليابانية واجهت صعوبات واضحة في تطوير وإنتاج السيارات الكهربائية، إذ لا تزال مبيعات هذا النوع من المركبات تمثل نسبة ضئيلة جداً من إجمالي مبيعات شركات السيارات اليابانية، وهو الأمر الذي يثير شكوكاً لدى lبعض المراقبين بشأن مدى قدرة هذه الشركات على الاستمرار.
وتُشكل سيارات البنزين التقليدية أكثر من نصف مبيعات جميع صانعي السيارات اليابانيين، وتصل هذه النسبة في شركة نيسان المتعثرة إلى 80 بالمئة، في حين شكلت مبيعات السيارات الكهربائية، بما في ذلك السيارات الهجينة القابلة للشحن، نحو 26 بالمئة من سوق السيارات العالمي العام الماضي، مقارنةً بـ 3 بالمئة فقط في عام 2019.
عجزُ الهندسة التقليدية
وبدلاً من التركيز على السيارات الكهربائية القابلة للشحن (Plug-in)، اختار أغلب المصنعين اليابانيين التركيز على السيارات الهجينة التقليدية (Conventional Hybrids)، التي تعتمد على المحرك ونظام "الكبح المتجدد'" لشحن البطارية، حيث ينسجم تصميم هذا النوع من الطرازات بسهولة مع خطوط الإنتاج اليابانية المصممة أصلاً لمحركات البنزين.
وفي المقابل تقوم صناعة السيارات الكهربائية في جوهرها على أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات الذكية، وهو ما لا يتماشى مع نقاط القوة التقليدية التي تمتلكها اليابان في مجال الهندسة الميكانيكية،في حين تبرع الصين في هذا المجال ما ساهم في سيطرتها على مبيعات سوق السيارات الكهربائية بوتيرة متسارعة.
رحلةُ اللحاق بالكهرباء
وأمام كل هذا، بدأ اليابانيون، وإن متأخرين، بتوسيع نطاق منتجاتهم من السيارات الكهربائية، ففي عام 2024، أطلقت شركة هوندا أول سيارة كهربائية للإنتاج الضخم، والتي طورتها بالتعاون مع شركة جنرال موتورز، عملاق صناعة السيارات الأميركي.
كما تُجري شركات صناعة السيارات اليابانية تجارب على طرق مختلفة لاكتساب الخبرة في مجال البرمجيات، ففي العام الماضي، أبرمت نيسان شراكة مع شركة Wayve، وهي شركة بريطانية ناشئة تعمل على تطوير تقنية القيادة الذاتية، لتحسين أنظمة مساعدة السائق المتقدمة (ADAS) الخاصة بها.
الاستثناء الوحيد
وسط هذا المشهد القاتم، تبرز Toyota بوصفها الاستثناء الأبرز،فالشركة التي تتربع على صدارة صناعة السيارات عالمياً من حيث المبيعات وصافي الأرباح، نجحت في تحصين موقعها بفضل ريادتها في قطاع السيارات الهجينة التقليدية، حيث تستحوذ على نحو 40 بالمئة من هذه السوق. وقد أتاح لها هذا التفوق الاستفادة من التحولات السياسية، ولا سيما إلغاء الدعم الحكومي للسيارات الكهربائية في الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس دونالد ترامب.
ورغم أن رئيس مجلس إدارة تويوتا، Akio Toyoda، أبدى تحفظات بشأن حجم الطلب المتوقع على السيارات الكهربائية، فإن الشركة لم تعمل ضد هذه الموجة، بل طرحت عدداً من الطرازات المخصصة للسوق الصينية، جرى تطويرها بالشراكة مع لاعبين محليين مثل BYD وHuawei، ما أتاح لها اكتساب خبرات استراتيجية قيّمة.
وقد انعكس هذا النهج على أداء الشركة في الصين، إذ تمكنت تويوتا وعلى خلاف معظم نظيراتها اليابانية والغربية، من الحفاظ على حصة سوقية مستقرة تبلغ نحو 6 بالمئة من المبيعات، في سوق تتصدره BYD بحصة تقارب الـ 13 بالمئة. وحالياً تستعد تويوتا لتوسيع حضورها في سوق السيارات الكهربائية عالمياً، مع خطط لطرح مجموعة أوسع من الطرازات بحلول عام 2027.
ما الحلول؟
يرى المراقبون أن وجود شركة يابانية ناجحة مثل تويوتا، إلى جانب مجموعة من الشركات المتعثرة، لا يكفي لتشكيل صناعة سيارات متوازنة ومستدامة.
ومن هنا، تتصاعد التكهنات في طوكيو بأن شركات السيارات اليابانية قد تجد نفسها مضطرة إلى خيار الاندماج للحفاظ على تنافسيتها على الساحة العالمية. وقد برز هذا التوجه بالفعل في نهاية عام 2024، مع دخول Honda وNissan في مفاوضات اندماج كان من شأنها أن تفضي إلى إنشاء ثالث أكبر شركة سيارات في العالم من حيث المبيعات، غير أن هذه المساعي سرعان ما تعثّرت وانتهت إلى الفشل على وقع خلافات حادة.
غير أن المعضلة الأعمق تكمن في محدودية خيارات الاندامج القابلة للتنفيذ، فالتنوع الكبير بين طرازات الشركات، إلى جانب التعقيدات المرتبطة بدمج العمليات الصناعية وسلاسل الإنتاج، يجعل من إمكانية تحقيق وفورات أمراً صعباً أو غير مجد، لا بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية يصبح فيها الكيان الموحّد أقل كفاءة.
ولذلك، تتجه الشركات اليابانية إلى البحث عن صيغ تعاون أكثر مرونة بعيداً عن الاندماجات الشاملة. وفي هذا السياق، يشير Ivan Espinosa، رئيس Nissan، إلى إمكان اعتماد معايير شراء مشتركة للمدخلات الأساسية مثل الأسلاك والفولاذ بما يعزز القدرة التفاوضية للشركات مع الموردين. ويؤكد أن القطاع يشهد اليوم حوارات غير مسبوقة، لم تكن مطروحة قبل عامين أو ثلاثة أعوام.
ومع ذلك، تبقى هذه المبادرات خطوات أولية لا أكثر، إذ أن إنقاذ صناعة السيارات اليابانية سيظل رهناً بقدرتها على تبنّي تفكير أكثر جرأة وابتكاراً يعيد رسم ملامحها في مواجهة التحولات العالمية المتسارعة.
خطأ اليابان الجوهري
ويقول الخبير في هندسة ميكانيك السيارات زياد عيتاني في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الأزمة التي تواجه صناعة السيارات اليابانية اليوم هي نتيجة مباشرة لتأخر استراتيجي في فهم طبيعة التحول الذي يشهدهقطاع السيارات عالمياً، فهذه الصناعة انتقلت من كونها قطاعاً هندسياً ميكانيكياً إلى منظومة تكنولوجية متكاملة تقودها البرمجياتو البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن الخطأ الجوهري الذي ارتكبته معظم شركات السيارات اليابانية، هي أنها تعاملت مع المركبات الكهربائية بوصفها امتداداً للسيارات التقليدية وليس ثورة منفصلة، في حين كان المنافسون وتحديداً في الصين يبنون منظوماتهم الخاصة للسيارات الكهربائية من الصفر، وهو ما منحهم أفضلية واضحة في هذا المجال.
ويشرح عيتاني أن التهديد الأكبر لصناعة السيارات اليابانية يتمثل بالسيارات الصينية وخصوصاً الكهربائية، فالصين لم تغلب اليابان في جودة التصنيع، بل غلبتها في سرعة الابتكار البرمجي، وبينما كان المهندسون في طوكيو يحسنون كفاءة الوقود بنسبة 1 بالمئة، انشغلت الشركات في بكين وعلى رأسها BYD، في تطوير منظومة متكاملة تشمل البطاريات، البرمجيات، وسلاسل التوريد المحلية، حيث منحها هذا التكامل قدرة على خفض التكاليف وطرح مركبات بأسعار تنافسية، وهو ما يصعب على الشركات اليابانية مجاراته ضمن نهجها التقليدية.
قرارات جريئة أو خسارة السباق
وبحسب عيتاني فإن أزمة مبيعات السيارات اليابانية ليست عابرة أو مرتبطة بدورة اقتصادية مؤقتة، بل هي ناتجة عن خلل بنيوي عميق، فمثلاً اعتماد شركة نيسان على مبيعات سيارات البنزين بنسبة تصل إلى 80 بالمئة، في وقت تتجه فيه نحو 26 بالمئة من السوق العالمية إلى السيارات الكهربائية، هو بمثابة "انتحار بطيء"، ويعكس فجوة بين توجهات السوق وخيارات الشركات اليابانية،وبالتالي بات من الضروري اتخاذ قرارات جريئة تعيد تموضع هذه الشركات وتمكّنها من إعادة اختراع نفسها بالكامل، مشدداً على أن الرهان على السيارات الهجينة التقليدية، رغم نجاحه المرحلي لدى تويوتا، لا يتجاوز كونه حلاً انتقالياً محدود الأثر، لأنه يستند أيضاً إلى بنية تقليدية صُمّمت أساساً لمحركات الاحتراق الداخلي.
ويضيف عيتاني إن البداية لشركات السيارات اليابانية يجب أن تكون من الاستثمار المكثف في البرمجيات والذكاء الاصطناعي، عبر بناء منصات رقمية خاصة أو الاستحواذ على شركات تكنولوجية متقدمة، لأن المنافسة لم تعد في المحركات بل في عقل السيارة، كما ينبغي على شركات السيارات اليابانية إعادة هيكلة خطوط الإنتاج بالكامل لتتلاءم مع التحوّل إلى الكهرباء، مشدداً أيضاً على أهمية بناء شراكات استراتيجية، خصوصاً في مجالات البطاريات وسلاسل التوريد، إلى جانب الدخول بقوة في أسواق جديدة عبر نماذج أعمال مرنة.
فجوة في "ثقافة القرار"
بدوره يقول الاستشاري في قطاع السيارات أنطونيو القارح، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن التركيز على عامل التكنولوجيا وحده لا يكفي لتفسير الأزمة التي تعيشها الشركات اليابانية، مشيراً إلى أن هناك بُعداً إدارياً وثقافياً عميقاً يعيق سرعة التكيّف مع التحولات العالمية، فالشركات اليابانيةلا تزال تعتمد على نماذج حوكمة تقليدية قائمة على التدرّج في اتخاذ القرار والإجماع الداخلي، وهو ما يبطئ بشكل كبير الاستجابة في سوق تتغير قواعدها بوتيرة متسارعة.
ويضيف القارح إن المنافسين، سواء في الصين أو حتى في الولايات المتحدة، يعتمدون على هياكل تنظيمية أكثر مرونة تسمح باتخاذ قرارات سريعة واختبار نماذج جديدة دون الخوف من الفشل، في حين تميل الشركات اليابانية إلى الحذر المفرط، ما يفقدها عنصر المبادرة، مشدداً على أن هذه الفجوة في "ثقافة القرار" أصبحت لا تقل خطورة عن الفجوة التكنولوجية نفسها.
تحدي العقلية القديمة
كما يلفت القارح إلى أن احدى التحديات غير المطروحة بشكل كافٍ تتمثل في ضعف قدرة الشركات اليابانية على بناء منظومات بيئية متكاملة حول منتجاتها، على غرار ما تفعله شركات التكنولوجياالصينية والأميركية، فالمنافسة اليوم لم تعد بين السيارات فقط، بل بين أنظمة متكاملة تشمل خدمات ما بعد البيع، البرمجيات، التحديثات الدورية، والربط مع الأجهزة الذكية، حيث تتأخر الشركات اليابانية جداً في هذا المجال.
ويختم القارح حديثه بالقول إن التحدي الحقيقي أمام صناعة السيارات اليابانية يكمن في تغيير العقلية التي أدارت هذه الصناعة لعقود، فبدون إصلاحات عميقة في أسلوب الإدارة، وتسريع وتيرة اتخاذ القرار، والانفتاح على نماذج عمل جديدة، ستبقى أي استثمارات تكنولوجية غير كافية، وقد تجد هذه الشركات نفسها متأخرة خطوة إضافية في سباق عالمي لا ينتظر أحداً.













