طفرة خفية بلا عمال.. ماذا يحدث داخل المصانع الأميركية؟
11:01 - 30 أبريل 2026
في مشهد ينطوي على مفارقة لافتة، يشهد قطاع التصنيع في الولايات المتحدة انتعاشاً ملحوظاً، رغم التراجع المستمر في عدد الوظائف داخل المصانع.
فبينما يركّز المنتقدون على حقيقة انخفاض عدد الوظائف في المصانع الأميركية، منذ تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه العام الماضي، تُظهر البيانات أن النشاط الصناعي في البلاد يسير في اتجاه مغاير، مع تسجيل نمو واضح في الإنتاج.
وبحسب الأرقام الرسمية، فقد تراجعت وظائف التصنيع في أميركا بنحو 100 ألف وظيفة منذ يناير 2025، أي ما يقارب 0.6 بالمئة، ولكن في المقابل كانت أروقة المصانع الأميركية تضجُ بحركة مغايرة، إذ قفز الإنتاج الصناعي خلال الفترة نفسها بنسبة 2.3 بالمئة، كما شهدت شحنات التصنيع نمواً لافتاً وصل إلى 4.2 بالمئة.
وعلى الرغم من أن الأداء الصناعي في أميركا، لا يزال دون مستويات ما قبل أزمة عام 2007، إلا انّ ما تم تسجيله في 2025 يُشكل انعطافةً إيجابية، مقارنة بالتراجعات التي تم تسجيلها في الأعوام الأخيرة، وسط مؤشرات توحي بتسارع مرتقب في وتيرة التعافي.
لماذا انتعش الإنتاج المحلي؟
وبحسب تقرير أعدّته صحيفة "وول ستريت جورنال"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن هذا الانتعاش الخفي في قطاع التصنيع في الولايات المتحدة، لا يُعزى إلى الرسوم الجمركية، بل إلى قوة الطلب باعتبارها المحرّك الأساسي للنشاط الصناعي، لا سيما أن الولايات المتحدة تتمتع بقدرة لافتة في إنتاج السلع، التي تشهد طلباً مرتفعاً في المرحلة الراهنة، وهو ما يمكن اعتباره درساً مهماً للحزبين الرئيسيين في المشهد السياسي الأميركي.
صناعات قادت النمو
وفي هذا الإطار، تُظهر البيانات تسجيل الصناعات التحويلية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وقطاع الطيران عاماً لافتاً، وهو نجاح لم يكن ناتجاً عن الرسوم الجمركية، بل ثمرة براعة المصانع الأميركية في هذين المجالين، فعلى سبيل المثال، ارتفع الإنتاج المحلي الأميركي لأجهزة الكمبيوتر والمنتجات الإلكترونية العام الماضي بنسبة 7.7 بالمئة، حيث يرجع ذلك إلى ثورة الذكاء الاصطناعي التي تتطلب مئات المليارات من الدولارات من أشباه الموصلات، وشبكات الحاسوب، ومعدات توليد الطاقة والتبريد.
كما شهدت معدات الطيران والنقل (باستثناء الشاحنات والسيارات) ازدهاراً ملحوظاً العام الماضي، إذ ارتفع الإنتاج المحلي الأميركي في هذه الصناعات بنسبة 28 بالمئة، وهذا ليس بالأمر الغريب في ظل الزخم المتصاعد الذي يشهده القطاع، فالاكتتاب العام الأولي المرتقب لشركة سبيس إكس، يشهد على ازدهار مفهوم السفر إلى الفضاء، في حين قفزت عمليات تسليم طائرات بوينغ بنسبة 72 بالمئة العام الماضي لتصل إلى 600 طائرة، مع تعافي الإنتاج الذي تم تقليصه بسبب التدقيق في السلامة. وفي السياق نفسه، يساهم تصاعد سباق التسلح العالمي في تعزيز الطلب على الطائرات المقاتلة والصواريخ والمروحيات الأميركية، ما يضيف مزيداً من الزخم لهذا القطاع الحيوي.
وأيضاً حققت الصناعات الدوائية في الولايات المتحدة قفزة في حجم الإنتاج، ما ساهم في دعم الارتفاع الإجمالي للإنتاج الصناعي في البلاد، في المقابل، حافظت قطاعات الأغذية والمشروبات على مستويات إنتاج مستقرة. ورغم أن قطاعات الأغذية والمشروبات لا تُعد من الصناعات البراقة أو عالية التقنية، فإن أداءها خلال العام الماضي ظل ثابتاً.
الدرس المستفاد
ويلفت تقرير "وول ستريت جورنال"، إلى أن الدرس المستفاد مما يحصل، يُظهر أن السياسة الصناعية ينبغي أن تتحرك في انسجام مع الجاذبية الاقتصادية لا عكسها، فبدلاً من محاولة أميركا إعادة توطين صناعات تتفوق فيها دول أخرى، مثل الملابس والأثاث، والتي غالباً ما تفرض تحديات إضافية على البيئة الاقتصادية من حيث الكلفة والوقت، فإن التوجه الأكثر جدوى يتمثل في الاستثمار والتركيز على صناعات المستقبل والقطاعات التي ستقود موجات النمو القادمة والتي تبرع بها أميركا.
إعادة تعريف القوة الصناعية
وتقول هدى علاء الدين وهي محللة وكاتبة اقصادية، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ما تشهده الصناعة الأميركية حالياً، ليس مجرد انتعاش خفي، بل هو إعادة تعريف لمفهوم القوة الصناعية في القرن الحادي والعشرين، فالمفارقة المتمثلة في قفزة الإنتاج بنسبة 2.3 بالمئة مقابل انكماش الوظائف بنسبة 0.6 بالمئة تعكس ما يُسمى بعالم الاقتصاد بـ "الانفصال الهيكلي" الناتج عن تعاظم الكفاءة، حيث لم يعد عدد الموظفين هو الذي يحرّك النمو، بل كثافة الرأسمال التقني، مشيرة إلى أن المصانع الأميركية باتت تعتمد على الأتمتة المتقدمة والذكاء الاصطناعي التوليدي في إدارة العمليات، ما يرفع الإنتاجية لكل عامل إلى مستويات غير مسبوقة، وانطلاقاً من هذا التوجّه يمكن القول إن الولايات المتحدة دخلت فعلياً مرحلة التصنيع منخفض العمالة مرتفع الإنتاجية.
اقتصاد صناعي انتقائي
وترى علاء الدين، أن الأهم في هذا السياق هو أن النمو في قطاعات الإنتاج الأميركية لم يكن بشكل عام، بل مُركزاً في قطاعات عالية القيمة، مثل الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والطيران، وهذا يعكس انتقالاً واضحاً نحو اقتصاد صناعي انتقائي، يركز على المجالات التي تتطلب دقة هندسية وجودة إنتاج غير متوفرة خارج أميركا، لافتة إلى أن هذه الديناميكية تشير بوضوح، إلى أن الولايات المتحدة تحكم قبضتها على مفاصل الصناعات الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي.
معايير جديدة
وتشدد علاء الدين، على أن المراقبين الذين لا يزالون يستندون إلى أرقام الوظائف، كمرجعية أساسية لتقييم الأداء الاقتصادي، باتوا اليوم بحاجة إلى مراجعة هذا النهج، فالواقع الصناعي الجديد القائم على كثافة التكنولوجيا، يتطلب من هؤلاء إعادة تعريف مؤشرات التقييم الاقتصادي، إذ بات من الضروري تبني مؤشرات جديدة، تتجاوز سجلات التوظيف، لتشمل قياس إنتاجية العامل الواحد، وحجم الابتكار التقني، وقدرة القطاع الصناعي على احتلال موقع استراتيجي في سلاسل القيمة العالمية عالية الأهمية.
هل أنقذت الحمائية الصناعة؟
وبحسب علاء الدين، فإنه من الناحية التحليلية قد يجادل البعض بأن السياسات الحمائية والرسوم الجمركية التي اعتمدها الرئيس دونالد ترامب منذ رئاسته الأولى، واستمر بها الرئيس بايدن لاحقاً في ما يتعلق بقطاع الرقائق وأشباه الموصلات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لم تحقق الأثر الاقتصادي المتوقع، خصوصاً وأن المحرك المباشر لعمل المصانع الأميركية اليوم يتمثل في قوة الطلب، ولكن هذا التقييم يتجاهل جانباً بنيوياً عميقاً، وهو أن السياسات الحمائية والجمركية لعبت دوراً وقائياً في حماية القطاعات التكنولوجية، الأكثر حساسية داخل الولايات المتحدة، فلو لم يتم فرض قيود حمائية وتشديدات تنظيمية في هذه المجالات، لكانت الصين قادرة على جذب جزء كبير من هذه الصناعات والشركات، كما حدث في مراحل تاريخية سابقة عندما نجحت بكين في استقطاب العديد من الصناعات من داخل أميركا.
ومن هذا المنطلق، ترى علاء الدين، أن ما نشهده اليوم من نشاط صناعي في قطاعات الذكاء الاصطناعي والرقائق في أميركا، لا يمكن فصله بالكامل عن الإطار الحمائي الذي أحاط بهذه الصناعات، حتى وإن لم يكن السبب المباشر للنمو.
تفوق في صناعة الغد
من جهته يقول المحلل الاقتصادي محمد سعد، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الولايات المتحدة نجحت في السنوات الأخيرة في تعزيز موقعها داخل القطاعات الأكثر طلباً على مستوى العالم، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الفضاء والصناعات الدفاعية المتقدمة، وقد أدى هذا التوجه إلى تمركز القوة الصناعية الأميركية في إنتاج سلع عالية التعقيد، وذات أهمية استراتيجية، وهذا ما سيمنح أميركا أفضلية تنافسية واضحة يصعب على المنافسين مجاراتها.
وبحسب سعد فإن الدرس المستفاد لأميركا من البيانات الصناعية الجديدة، يُظهر أن العالم يتحرك اليوم بسرعة نحو اقتصاد مختلف، تحكمه التكنولوجيا والمعرفة وسلاسل القيمة المتقدمة، وبالتالي فإن القتال من أجل عودة نماذج صناعية قديمة، هو خيار محدود الجدوى، ومن هنا، فإن المسار الأكثر واقعية وفاعلية يتمثل في توجيه الاستثمارات نحو القطاعات التي تنسجم مع نقاط القوة التنافسية للولايات المتحدة، خصوصاً تلك المرتبطة بالابتكار والتقنيات المتقدمة.
تحدي القوى العاملة
ويعتبر سعد أن التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد الأميركي لا يكمن فقط في الحفاظ على زخم النمو الصناعي، بل في قدرة الدولة على مواءمة أنظمتها التعليمية والتدريبية، مع متطلبات الواقع الصناعي الجديد، بما يضمن إعداد قوة عمل قادرة على التكيف مع اقتصاد يتراجع فيه دور الوظائف التقليدية، لصالح أدوار أكثر تعقيداً وارتباطاً بالتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يفرض إعادة هيكلة شاملة للمناهج التعليمية، وبرامج التدريب المهني، لتواكب التحولات المتسارعة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات والهندسة المتقدمة.







