لماذا يرتفع النفط رغم أكبر عملية لإطلاق المخزونات؟
16:35 - 16 مارس 2026
تواجه أسواق النفط العالمية معضلة معقدة؛ إذ تواصل الأسعار ارتفاعها رغم واحدة من أكبر عمليات السحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في التاريخ.
بدلاً من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تهدئة الأسواق وخفض الأسعار، بقي خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، ما يثير تساؤلات واسعة حول قدرة السياسات الطارئة على موازنة سوق الطاقة في ظل اضطرابات جيوسياسية حادة.
تكشف التطورات الأخيرة أن العوامل الجيوسياسية باتت تتفوق على أدوات إدارة السوق التقليدية، إذ إن تعطّل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، خلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب يصعب سدّها عبر ضخ المخزونات الاستراتيجية وحدها. ومع تعطل ملايين البراميل يومياً خلف المضيق، تبدو الكميات التي أطلقتها الدول الصناعية محدودة التأثير على موازين السوق.
تطرح هذه المعادلة سؤالاً جوهرياً حول حدود قدرة الحكومات على التحكم في أسعار الطاقة خلال الأزمات. فبينما راهن الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن إطلاق الاحتياطيات سيكبح ارتفاع الأسعار سريعاً، تشير تحركات السوق إلى أن أزمة الإمدادات المرتبطة بالتوترات الحالية تظل العامل الحاسم في تحديد اتجاه النفط خلال المرحلة المقبلة.
خطوات ترامب
تحت عنوان "لماذا فشلت خطوة ترامب لخفض أسعار النفط؟" يشير تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن:
- إذا كان البيت الأبيض يأمل في أن يؤدي استغلال 40 بالمئة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي إلى خفض أسعار النفط بسرعة، فإن ذلك لم ينجح.
- لم تؤثر الأخبار التي صدرت هذا الأسبوع والتي تفيد بأن الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية ستنسق لإطلاق 400 مليون برميل من النفط من مخزوناتها الطارئة، والتي ستسهم الولايات المتحدة بنحو النصف منها، إلا قليلاً على سعر النفط.
- على الرغم من ضخامة الرقم، إلا أنه لا يكفي لتعويض خسارة البراميل التي تمر عبر مضيق هرمز.
ويتوقع المحللون أن تضيف الكمية الإجمالية التي ستُطلقها وكالة الطاقة الدولية حوالي 3 ملايين برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة يومياً.
ولكن وفقًا لجانيف شاه، نائب رئيس شركة ريستاد إنرجي، فإن ما بين 9 و10 ملايين برميل من النفط يومياً عالقة حالياً خلف مضيق هرمز، حتى مع الأخذ في الاعتبار التدفقات التي يُحتمل تحويلها إلى خطوط الأنابيب.
يبدو أن الإعلان الأولي، الذي كان يهدف إلى إحداث تأثير إيجابي على معنويات الأسواق، قد خيب الآمال. فقد كان سعر خام برنت يتداول عند نحو 90 دولاراً للبرميل يوم إعلان وكالة الطاقة الدولية، واختتم الأسبوع عند ثلاثة أرقام.
ويضيف التقرير:
- "عندما تصل البراميل في نهاية المطاف إلى سوق النفط الفعلي، من المتوقع أن تُسهم في خفض الأسعار ولو جزئياً".
- "لكن ثمة مشكلة أخرى تتمثل في أن تحرير الاحتياطيات الاستراتيجية يستغرق وقتاً أطول من تحرير المخزونات التجارية، لا سيما إذا كانت موجودة في مرافق تخزين متخصصة".
يضم الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي 415 مليون برميل من النفط الخام في 61 كهفًا ملحيًا تحت الأرض في لويزيانا وتكساس. لكن سيكون من الصعب استخراجه بسرعة. وقد قامت إدارة بايدن بسحب كمية مماثلة من المخزون مع بداية الحرب في أوكرانيا مما أدى إلى انخفاض سعة المخزون إلى 60 بالمئة فقط. ومع زيادة استخراج النفط، تنخفض مستويات الضغط في الكهوف، مما يبطئ عمليات السحب اللاحقة.
تحول بالأسواق
من جانبها، توضح خبيرة النفط والغاز، لوري هايتايان، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:
- أسواق النفط قبل اندلاع الحرب كانت تستند إلى أساسيات تشير إلى وجود فائض في المعروض، وهو ما أبقى الأسعار مستقرة نسبياً حول مستويات 60 دولاراً للبرميل، مع تحركات محدودة صعوداً أو هبوطاً تبعاً للتطورات الجيوسياسية.
- التقديرات الصادرة عن الجهات الدولية، بما في ذلك وكالة الطاقة الدولية والجهات الأميركية، كانت تشير إلى وجود فائض يتراوح بين نحو مليونين إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً في السوق، إلى جانب قدرة إضافية لدى بعض الدول الخليجية على زيادة الإنتاج عند الحاجة، ما وفر قدراً من الارتياح للأسواق.
- التأثير الأساسي على الأسعار في تلك الفترة كان مرتبطاً بالتصريحات والتوترات السياسية، خصوصاً تلك المتعلقة بإيران أو فنزويلا أو روسيا، إلا أن المشهد تغير جذرياً مع اندلاع الحرب.
وتضيف: "طهران اعتبرت منذ الأيام الأولى للصراع أن المواجهة وصلت إلى مرحلة قصوى، لذلك لجأت إلى استخدام أقوى أوراق الضغط لديها، وهي مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لتدفق النفط إلى الأسواق العالمية"، لافتة إلى أن تهديد الملاحة في المضيق وارتفاع مخاطر التأمين على الناقلات، ثم استهداف بعض السفن والبنى التحتية للطاقة، أدى إلى تعطّل جزء كبير من الإمدادات النفطية.
وتشير إلى أن ما بين 10 و12 مليون برميل يومياً من الإمدادات التي كانت تمر عبر المضيق توقفت عن الوصول إلى الأسواق، في حين لا تستطيع البدائل الحالية تعويض هذه الكميات بالكامل (..).
وتضيف: قرار وكالة الطاقة الدولية وعدد من الدول الصناعية ضخ نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية لن يعوض حجم الإمدادات المتوقفة، ما يجعل من الصعب خفض أسعار النفط في الظروف الحالية.
وتشدد هايتايان على أن أي تراجع ملموس في الأسعار يبقى مرتبطاً بإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وعودة تدفق الإمدادات، مشيرة إلى أن التحركات العسكرية الأخيرة والضربات التي استهدفت مواقع عسكرية ولوجستية إيرانية دون استهداف مباشر للبنية التحتية النفطية تُفهم على أنها رسالة ضغط لفتح المضيق، وكذلك رسالة إلى الصين للضغط على طهران في هذا الاتجاه.
وتختم بالقول إن هذه المعطيات تفسر لماذا يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب صعوبة في خفض أسعار النفط في المرحلة الحالية، في ظل استمرار اختلال التوازن بين الإمدادات المتاحة وحجم الطلب في الأسواق العالمية.
أسعار النفط
وإلى ذلك، يشير تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية إلى أن:
- أسعار النفط ارتفعت بأكثر من 17 بالمئة منذ أن أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن أكبر عملية إطلاق لمخزونات النفط الخام في تاريخها الممتد لخمسين عاماً.
- أغلقت أسعار خام برنت، المعيار العالمي، فوق 100 دولار للبرميل للجلسة الثانية على التوالي يوم الجمعة.
- ستستغرق عمليات نشر المخزونات الطارئة وقتاً، وستكون الكميات أقل بكثير من فجوة الإمداد التي خلفها مضيق هرمز.
وينقل التقرير عن المحلل في شركة الوساطة النفطية "بي في إم" التي تتخذ من لندن مقراً لها، تاماس فارغا، قوله عن سبب عدم انخفاض الأسعار رغم الخطوات المتخذة: إن التفسير بسيط.. تتعرض ناقلات النفط للهجوم، ولا يزال مضيق هرمز الحيوي مغلقاً بشكل أساسي، وقد تعهد المرشد الأعلى الإيراني الجديد بإبقاء هذا الممر التجاري الحيوي مغلقاً.
كما أنه "إلى أن يتم إعادة تفعيل حركة العبور من المضيق، فإن مثل هذه الإعلانات السياسية سيكون لها تأثير محدود"، كما قال توم لايلز، نائب الرئيس الأول لأبحاث التنقيب والإنتاج في شركة الاستشارات ريستاد إنرجي.
قدرة محدودة
يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- إن قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خفض أسعار النفط بشكل مباشر تبقى محدودة.
- النفط الخام يُتداول في سوق عالمية تحركها أساساً عوامل العرض والطلب والمخاطر الجيوسياسية، وليس سياسات أي حكومة منفردة.
- العامل الأبرز الذي يدفع الأسعار نحو الارتفاع في الوقت الراهن يتمثل في حالة عدم الاستقرار السائدة في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في محيط إيران ومضيق هرمز، الذي يعد ممراً ملاحياً حيوياً يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية.
- أي تهديد لهذا المسار أو تراجع محتمل في الإنتاج الإقليمي يدفع الأسواق فوراً إلى تسعير مخاطر اضطرابات الإمدادات ضمن أسعار النفط.
ويشير الرفاعي إلى أنه حتى في حال قيام الولايات المتحدة بضخ كميات إضافية من النفط من احتياطيها البترولي الاستراتيجي أو حث الدول المنتجة على زيادة الإنتاج، فإن مثل هذه الخطوات لا تستطيع تعويض أثر صدمة كبيرة في الإمدادات الناجمة عن عوامل جيوسياسية في وقت قصير. وخلص إلى أن أسعار النفط تبقى مرتفعة إلى حد كبير لأن الأسواق تتفاعل مع حالة عدم اليقين المرتبطة بالإمدادات العالمية أكثر من تفاعلها مع قرارات السياسة الداخلية.



