كيف تتعامل البنوك المركزية مع "تعقد توقعات التضخم"؟
10:54 - 28 أبريل 2026
تجد البنوك المركزية الكبرى نفسها أمام اختبار بالغ التعقيد؛ إذ لم يعد التضخم ظاهرة يمكن احتواؤها بأدوات تقليدية أو قراءتها من خلال مؤشرات مستقرة؛ فمع تجدد صدمات الطاقة وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، تدخل توقعات التضخم مرحلة أكثر ضبابية وتشابكاً، تضع صناع القرار النقدي بين معادلتين صعبتين: كبح جماح الأسعار دون خنق النمو، والحفاظ على الاستقرار المالي دون فقدان السيطرة على التوقعات.
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى أسبوع حاسم لقرارات السياسة النقدية، وسط ميل واضح نحو الترقب بدلاً من التحرك، في محاولة لشراء الوقت وفهم أعمق لمسارات التضخم الجديدة.
يُعد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان وبنك كندا وبنك إنجلترا من بين المؤسسات التي ستحدد أسعار الفائدة هذا الأسبوع في ظل الصدمة الكبيرة الثانية لأسعار الطاقة في خمس سنوات.
وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، فإنه "من المتوقع على نطاق واسع أن تمتنع البنوك المركزية الرائدة في العالم عن رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم هذا الأسبوع".
ونقل التقرير عن كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي الأوروبي في شركة تي رو برايس، توماش ويلاديك، قوله: "إن النهج الصحيح لهذه البنوك المركزية هو الانتظار والترقب في الوقت الحالي، نظراً للشكوك المحيطة بالوضع في (الشرق الأوسط)، فضلاً عن عدم وضوح كيفية انتقال صدمة الطاقة إلى النمو والتضخم".
وأدت الحرب في المنطقة إلى دخول واضعي أسعار الفائدة حول العالم في منطقة ضبابية، حيث اضطروا إلى تقييم المخاطر الجيوسياسية وديناميكيات أسواق السلع الأساسية شديدة التقلب، وما تشكله من تهديد لأهداف التضخم.
- تتوقع الأسواق المالية زيادتين في أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي هذا العام من المستوى الحالي البالغ 2 بالمئة.
- سيصوّت أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يوم الأربعاء، ويُعتبر تثبيت سعر الفائدة ضمن النطاق المرجعي البالغ 3.5-3.75 بالمئة شبه مؤكد.. وأرجأ المجلس أي احتمال لخفض أسعار الفائدة إلى حين اتضاح الرؤية بشأن ما إذا كانت الحرب ستعيق قدرتهم على تحقيق هدف التضخم البالغ 2 بالمئة، أو ستضر بسوق العمل الأميركية التي كانت تعاني من التراجع أصلاً.
- ومتماشيا مع التوقعات، قرر بنك اليابان اليوم الثلاثاء 28 أبريل 2026 تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند مستواه الحالي البالغ 0.75 بالمئة.
- بالمثل، بدا أن بنك إنجلترا قد رفع في مارس احتمالية رفع سعر الفائدة على المدى القريب من 3.75 بالمئة، لكن المتداولين الآن يقللون من احتمالية حدوث مثل هذه الخطوة بشكل كبير، وذلك بعد إشارات من المحافظ أندرو بيلي تفيد بأن المستثمرين يتسرعون في توقعاتهم.
الترقب والحذر
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- البنوك المركزية العالمية، من اليابان إلى الولايات المتحدة مروراً بأوروبا وبريطانيا وكندا، باتت تتجه إلى الترقب والحذر في ظل التطورات الجيوسياسية الأخيرة وما نتج عنها من صدمة في أسواق الطاقة.
- البنوك المركزية كانت قد نجحت إلى حد كبير في احتواء الضغوط التضخمية خلال الفترة الماضية، إلا أن اندلاع الحرب وما تبعه من ارتفاع في أسعار الطاقة أعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
- عدلات التضخم قد ترتفع بنحو يتراوح بين 0.5 و1 بالمئة في عدد من الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو.
ويضيف: "الترقب سيكون سيد الموقف خلال المرحلة المقبلة"، لافتاً إلى احتمالية استمرار النبرة المتشددة، خاصة من قبل جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، خلال المؤتمر الصحافي المقبل، دون أن يقترن ذلك بتغييرات فورية في السياسات النقدية.
ويشير إلى أن الأسواق ستترقب أي تلميحات مستقبلية بشأن تعديل السياسات النقدية، مؤكداً أنه من غير المرجح اتخاذ قرارات برفع أسعار الفائدة في الاجتماعات القريبة، خصوصاً في أوروبا، بينما قد تشهد اليابان تحركات حذرة في هذا الاتجاه تحت ضغط صدمة الطاقة.
ويؤكد يرق أن حالة "الانتظار والترقب" هي السمة الغالبة حالياً على توجهات البنوك المركزية، في ظل تعقّد المشهد الاقتصادي العالمي، موضحاً أن التحدي الأكبر يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم ودعم النمو.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن السيناريو الأكثر تعقيداً يتمثل في الركود التضخمي، حيث يجتمع ارتفاع التضخم مع ضعف النمو، وهو ما يضع البنوك المركزية في موقف بالغ الصعوبة، إلا أن التجارب منذ جائحة كورونا تشير إلى أن أولوية البنوك المركزية ستظل متمثلة في مكافحة التضخم، حتى وإن جاء ذلك على حساب وتيرة النمو الاقتصادي.
خيارات الفيدرالي الأميركي
وقد يُمثّل قرار السياسة الصادر يوم الأربعاء الاجتماع الأخير لرئيس الفيدرالي الأميركي جيروم باول كرئيس للجنة قبل أن يتولى كيفن وارش المنصب في مايو.
وقد قررت وزارة العدل إسقاط تحقيقها الجنائي مع باول يوم الجمعة، مما دفع السيناتور توم تيليس إلى إنهاء معارضته لتثبيت وارش.
وكتب بنك ING الهولندي في مذكرة: "فيما يتعلق بتوقعات السياسة النقدية، من غير المرجح أن يحصل المستثمرون على أي شيء يكشف عن معلومات مهمة بشكل خاص"، وفق ما نقلته شبكة "سي إن بي سي" الأميركية.
وقال المحللون: "أشارت محاضر القرار الأخير إلى أن الغالبية العظمى من أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة رأوا أن مخاطر التوظيف تميل نحو الجانب السلبي، في حين أن التقدم في التضخم من المرجح أن يكون أبطأ بسبب الرياح المعاكسة الاقتصادية الناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط”".
تعقد التوقعات
وإلى ذلك، يقول كبير محللي الأسواق المالية في FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- البنوك المركزية تتعامل حالياً مع تعقّد توقعات التضخم عبر مزيج من السياسات النقدية وإدارة التوقعات وتحليل البيانات بشكل أكثر ديناميكية، لا سيما في ظل صدور مؤشرات تضخم حديثة تعكس طبيعة أكثر تشابكاً للضغوط السعرية.
- التضخم لم يعد مرتبطاً فقط بعوامل الطلب المحلي، بل أصبح يتأثر بشكل كبير بعوامل خارجية مثل أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتوترات الجيوسياسية، بالإضافة إلى أسعار السلع الغذائية، ما يجعل من قراءته أكثر تعقيداً بالنسبة لصنّاع القرار.
- البنوك المركزية لا تزال تعتمد على أسعار الفائدة كأداة رئيسية، حيث تلجأ إلى رفعها عند ارتفاع توقعات التضخم بهدف كبح الطلب والحد من الضغوط السعرية.
إلا أنه يشير إلى أنه في حال كان التضخم ناتجاً عن صدمات مؤقتة بالتزامن مع تباطؤ اقتصادي، فقد تتجنب البنوك المركزية التشديد النقدي الحاد لتفادي دفع الاقتصاد نحو الركود.
ويتوقع صليبي أن تتجه البنوك المركزية الكبرى هذا الأسبوع إلى تثبيت أسعار الفائدة، مع التركيز على مراقبة تطورات التضخم والتوترات الجيوسياسية، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة.
كما يؤكد أن إدارة التوقعات تلعب دوراً محورياً في هذه المرحلة، إذ لم تعد الأسواق تتفاعل فقط مع قرارات السياسة النقدية، بل أيضاً مع التوجيهات المستقبلية، والتي سيكون لها تأثير كبير على تحركات الأسواق، خصوصاً مع ترقب قرارات وتصريحات كل من الاحتياطي الفيدرالي، وبنك اليابان، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك كندا، وبنك إنجلترا.
ويشير إلى أن الأسواق ستتابع عن كثب محاضر الاجتماعات والمؤتمرات الصحافية، لما لها من دور في تشكيل توقعات المستثمرين والشركات والمستهلكين بشأن مسار التضخم وأسعار الفائدة.
ويلفت إلى أن التركيز يتزايد حالياً على التضخم الأساسي، الذي يستثني العناصر الأكثر تقلباً مثل الغذاء والطاقة، لما يوفره من قراءة أوضح للضغوط التضخمية المستدامة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن التضخم العام يظل عاملاً مؤثراً في قرارات السياسة النقدية.
ويختتم صليبي حديثه بالإشارة إلى أن أدوات التحليل لدى البنوك المركزية توسعت لتشمل مؤشرات سوق العمل، ونمو الأجور، وتوقعات المستهلكين، وسلوك الشركات، في ظل ارتباط التضخم بشكل متزايد بأداء الاقتصاد الحقيقي، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب تحقيق توازن دقيق بين مكافحة التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي والاستقرار المالي.









