هل يواجه الاقتصاد الأميركي فخ "الركض في الهواء"؟
07:12 - 08 مايو 2026مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتنامي الضبابية في الأسواق العالمية، تبرز تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات المقبلة، ولا سيما مع اتساع الفارق بين الصورة التي ترسمها المؤشرات والواقع الاقتصادي الفعلي في بعض الاقتصادات الكبرى.
فرغم مظاهر الصمود التي تبديها بعض الاقتصادات المتقدمة في المرحلة الراهنة، تتصاعد حدة التوقعات المتشائمة بين أوساط بعض الخبراء الاقتصاديين، الذين يرون في هذا الاستقرار مجرد واجهة مؤقتة تخفي خلفها هشاشة عميقة.
الجري في الهواء
وضمن هذا السياق، حذر كبير الاقتصاديين العالميين في بنك "يو بي إس"، بول دونوفان، من أن تأثير "وايل إي كايوتي" بلغ ذروته في الاقتصادات المتقدمة كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مشيراً إلى أن خطورة الحرب في إيران لم تتضح بعد للمستهلكين أو المستثمرين.
وبحسب تقرير أعده موقع "بزنس إنسايدر"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية "، يرى دونوفان أن الاقتصاد الأميركي قد يكون مهيأً لانهيار حاد مع تزايد خطورة الحرب الإيرانية، لافتاً إلى أن المستهلكين لا يزالون ينفقون لأن تداعيات ارتفاع أسعار النفط لم تتبلور بعد بالكامل.
ويشبّه دونوفان هذا السلوك بحالة "الركض في الهواء" في إطار ما يُعرف بـ "تأثير وايل إي كايوتي"، مشيراً إلى أن هذا الانفصال عن الواقع لا يمكن أن يستمر، بل مرشح للانهيار في نهاية المطاف.
ما هو تأثير Wile E. Coyote ؟
تأثير "وايل إي كايوتي" أو Wile E. Coyote Effect هو مصطلح استعاري يُستخدم في التحليل الاقتصادي والمالي، لوصف حالة من الانهيار المفاجئ والسريع بعد فترة من الصعود الوهمي أو غير المستدام.
ويستمد هذا المفهوم اسمه من شخصية الذئب "وايل إي كايوتي" في سلسلة الرسوم المتحركة الشهيرة "لووني تونز".
وفي مشاهد الرسوم المتحركة، غالباً ما يركض "وايل إي كايوتي" خلف خصمه بسرعة كبيرة، لدرجة أنه يتجاوز حافة المنحدر دون أن يدرك ذلك. ورغم تواجده في الهواء، يستمر "وايل إي كايوتي" في الجري لفترة وجيزة وكأن الأرض ما زالت تحت قدميه. ولا يسقط "وايل إي كايوتي"، إلا في اللحظة التي ينظر فيها إلى الأسفل ويدرك أنه لا يوجد أرض تحت قدميه.
ويُستخدم هذا التشبيه في الأسواق المالية والاقتصادات للدلالة على الفترات التي تستمر فيها المؤشرات في الارتفاع بشكل ظاهري، رغم تآكل الأسس الحقيقية الداعمة لها، لتأتي لحظة "الانتباه للواقع" فتحدث عملية تصحيح حادة وسريعة.
إنفاق مفاجئ
وتُظهر البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأميركية أن الاقتصاد الأميركي واصل صموده، محققاً نمواً سنوياً بنسبة 2 بالمئة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2026، وذلك على الرغم من الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية خلال الأسابيع الأولى من الحرب مع إيران.
كما أظهرت البيانات نمو مؤشر الاستهلاك الشخصي في أميركا بنسبة 1.6 بالمئة في الربع الأول من 2026، وهو ما يفوق التوقعات بقليل. ومن المؤشرات الإيجابية أيضاً، النمو الذي سجّله مؤشر يجمع بين الإنفاق الاستهلاكي وإجمالي الاستثمار الخاص، حيث ارتفع بنسبة 2.5 بالمئة في الربع الأول من 2026، مقارنةً بزيادة قدرها 1.8 بالمئة في نهاية العام 2025.
وبحسب تقرير "بزنس إنسايدر"، فقد أفاد بنك أوف أميركا أن إجمالي الإنفاق في أميركا ارتفع بأقوى معدل منذ أوائل عام 2023، حيث يعود جزء من هذا النمو إلى ارتفاع أسعار البنزين، على الرغم من أن الإنفاق الذي لا يشمل البنزين قد قفز أيضاً.
ويرى بنك أوف أميركا أن هذا الإنفاق كان مدفوعاً من قبل المستهلكين ذوي الدخل المرتفع، في حين شعرت الفئات ذات الدخل المنخفض أن أسعار البنزين تلتهم جزءاً أكبر من ميزانيتهم.
من جهته اعتبر كبير الاقتصاديين العالميين في بنك "يو بي إس"، بول دونوفان، أن قوة الإنفاق الأخيرة تشير إلى أن المستهلكين يخفضون معدلات ادخارهم للحفاظ على مستوى معيشتهم في ظل ارتفاع أسعار النفط، مشدداً على أن هذا الوضع لا يمكن له الاستمرار إلى الأبد، فثقل السوق لم تظهر بعد.
الأسواق بعيدة أيضاً عن الواقع
ولا يقتصر التأخر في تقدير خطورة آثار الحرب على المستهلكين فحسب، بل إن الأمر امتد ليشمل أسواق الأسهم التي واصلت تسجيل مستويات قياسية، إذ يبدي المستثمرون تجاهلاً لافتاً لصدمة النفط وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، رغم التحذيرات المتصاعدة من موجات تضخمية جديدة.
وبحسب كريغ جونسون، كبير محللي السوق في شركة بايبر ساندلر، فإن سوق الأسهم تحاول التغلب على السوق الهابطة، مع تجاهل المستثمرين للمخاطر المتزايدة، مشيراً إلى أن المستثمرين لا يعرفون كيفية التعامل مع الوضع الجيوسياسي، ولا كيفية تقييم المخاطر، وبالتالي قرروا تجاهل الأمر ببساطة.
ويتوقع جونسون، أداءً متفائلاً للأسهم الأميركية على المدى الطويل، ولكنه صرّح لموقع بيزنس إنسايدر، أن الوضع الحالي يبدو كمحاولة للتغلب على هبوط حاد على المدى القريب، معتبراً أن هذا الهبوط وفي حال حدوثه قد يكون نتيجةً للتداعيات الاقتصادية للصراع في الشرق الأوسط، أو تفاقم الاضطرابات في مضيق هرمز، أو تصعيد الحرب في إيران، وغيرها.
هل تخدعنا الأرقام؟
ويقول الخبير المصرفي بهيج الخطيب، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إنه تاريخياً لم تكن آثار صدمات النفط تظهر فوراً بل كانت تحتاج لوقتٍ، لتنعكس على التضخم والنشاط الاقتصادي، وهذا التأخر ربما يخلق وهماً بالاستقرار، وهو ما قد يفسر استمرار الإنفاق وارتفاع الأسواق المالية رغم تصاعد المخاطر، لافتاً إلى أن هذا الوضع قد لا يدوم، إذ ستصل الأسواق في مرحلة معينة إلى لحظة إدراك، فصحيح أن الاقتصاد الأميركي يحقق نمواً بنسبة 2 بالمئة، والإنفاق الاستهلاكي لا يزال قوياً، ولكن هذه الأرقام مدفوعة بعوامل مؤقتة، أبرزها اعتماد المستهلكين على خفض الادخار، للحفاظ على مستوى معيشتهم.
ويلفت الخطيب إلى أن هذا النمط من الإنفاق، القائم على استهلاك جزء من الدخل المستقبلي، لا يمكن أن يستمر على المدى الطويل، خصوصاً إذا واصلت أسعار الطاقة ارتفاعها، بفعل الحرب مع إيران، إذ سيؤدي ذلك إلى تآكل الدخل الحقيقي للأسر تدريجياً، لا سيما لدى الفئات الأقل دخلاً، ما يضعف قدرتها الشرائية، ويحدّ من مستوى الاستهلاك، وهو الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر هشاشة في الدورة الاقتصادية الأميركية.
هل يسير الاقتصاد الأميركي في الهواء؟
ويشدد الخطيب على أن الاقتصاد الأميركي ليس في حالة انهيار حالياً، ولكنه يتحرك في منطقة خطرة، وبالتالي فإن سيناريو تأثير "وايل إي كايوتي" والركض في الهواء، لا ينطبق على الواقع إلى حد كبير، حيث تستمر المؤشرات في تقديم أداء جيد، رغم تآكل بعض الأسس، وما سنراه مستقبلاً في حال استمرار أسعار النفط بالارتفاع، يتمثل بحدوث تباطؤ وتراجع وليس انهيار عامودي كما يتوقع البعض.
ويرى الخطيب أن تحقق السيناريوهات القاتمة، مرهون بالمدى الزمني للاضطرابات الجيوسياسية الناجمة عن الصراع، بين الولايات المتحدة وإيران، فإذا طال أمد الأزمة وتغلغلت صدمة أسعار النفط في عمق سلاسل الإمداد، وتكاليف السلع والخدمات بشكل كامل، فإن الضغوط المالية ستنتقل من جيوب المستهلكين إلى ميزانيات الشركات، حيث أنه وفي هذه الحالة ستصطدم الشركات بواقع انكماش الطلب، ما يدفعها إلى تقليص الإنفاق والتوظيف، بما ينعكس في نهاية المطاف على تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع مخاطر الركود.
الاقتصاد الأميركي متين
من جهتها تقول المحللة الاقتصادية رلى راشد، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الحديث عن دخول الاقتصاد الأميركي في مرحلة "وايل إي كايوتي"، يعكس قراءة متشائمة أكثر من اللازم، ويتجاهل عناصر قوة حقيقية يتمتع بها الاقتصاد الأميركي، فصحيح أن هناك ضغوطاً جيوسياسية وارتفاعاً في أسعار الطاقة، ولكن الاقتصاد الأميركي أظهر في السنوات الأخيرة، قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات، سواء خلال جائحة كورونا أو موجات التضخم المتلاحقة، مشيرةً إلى أن سوق العمل لا تزال قوية نسبياً، مع مستويات بطالة منخفضة وديناميكيات توظيف مستقرة، حيث أن هذه العوامل تشكل دعامة أساسية للإنفاق الاستهلاكي، وتخفف من تأثير ارتفاع الأسعار.
لماذا يتجاهل المستثمرون الحرب؟
وترى راشد أن تجاهل المستثمرين للمخاطر كما هو حاصل حالياً، لا يعني بالضرورة سوء تقدير منهم، بل قد يعكس قناعتهم بأن المخاطر الموجودة في الوقت الراهن، لن تتطور إلى صدمة اقتصادية شاملة، فحتى الآن، لم تتحول الحرب إلى أزمة طاقة عالمية حادة، على غرار ما حدث في السبعينيات، كما لم تشهد السوق انقطاعاً واسعاً في الإمدادات، وهذا الواقع يفسر إلى حد كبير استمرار الارتفاع في أسواق الأسهم، التي استفادت أيضاً من نتائج أعمال قوية للشركات الأميركية، خلال الربع الأول من عام 2026.
وتشدد راشد، على أن المحرك الأهم للأسواق حالياً، مرتبط بالإنفاق على قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي يُنظر إليه كمصدر رئيسي للنمو والدعم، وبالتالي فإن أي تباطؤ أو خلل في وتيرة الاستثمار بهذا القطاع، قد تكون له انعكاسات أكبر وأسرع على أداء الأسواق مقارنة ببقية العوامل.
وبحسب راشد فإن الاقتصاد الأميركي لا "يركض في الهواء"، بل يستند إلى أرضية اقتصادية صلبة، وإن كانت تشهد حالة من عدم الاستقرار في الوقت الراهن، لافتةً إلى أن المخاطر القائمة تظل تحت السيطرة ومفاعيلها محدودة، ما لم تنزلق التوترات الجيوسياسية إلى مستويات غير مسبوقة، تخرج عن نطاق الاحتواء.









