أوروبا في مواجهة تهديدات ترامب.. الخيارات الصعبة
10:55 - 20 يناير 2026
في خطوة استراتيجية حاسمة أثارت جدلاً دوليًا واسعًا، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بـ10% على 8 دول أوروبية، تشمل الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا، في محاولة للضغط على الاتحاد الأوروبي للموافقة على بيع غرينلاند. ويهدد ترامب برفع هذه الرسوم إلى 25% بحلول يونيو المقبل، في إطار خطة محددة الملامح زمنيا، ما يضع أوروبا أمام معضلة اقتصادية وسياسية صعبة.
غرينلاند على خط المواجهة الاستراتيجية الأميركية
يشهد ملف غرينلاند الدولي تحركاً استراتيجياً أميركياً غير مسبوق، تزامناً مع تصعيد دبلوماسي محتمل من القادة الأوروبيين. في هذا الإطار، يوضح عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، د. محمد أنيس، أن تحرك الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمثل ابتزازاً شخصياً، بل هو ترجمة لإرادة المؤسسات الوطنية غير المنتخبة داخل الولايات المتحدة، وسياسات الدولة الأميركية الرامية للسيطرة على الممرات الملاحية الجديدة الناتجة عن ذوبان جليد القطب الشمالي.
الفجوة الاستراتيجية: GIUK وممر غرينلاند الملاحي
يشير د. أنيس إلى أهمية ما يعرف بـ "فجوة GIUK" والتي تمثل خط المسافة بين المملكة المتحدة وآيسلندا وغرينلاند.
خلال الحرب الباردة، كان هذا الخط مزوداً بالمجسات لرصد الغواصات السوفيتية القادمة من ميناء ميرسك. إلا أن الواقع الحالي تغير، إذ لم تعد الفكرة تقتصر على رصد الغواصات النووية الروسية أو الصينية، بل توسعت لتشمل الممر الملاحي الجديد الذي ظهر نتيجة ذوبان الجليد. من هنا، ترى الولايات المتحدة ضرورة ضم الأراضي المحيطة لتحقيق السيادة والسيطرة على هذا المنبر الاستراتيجي.
التوتر الأوروبي واستراتيجية الرد المحدود
يشير د. أنيس إلى أن القادة الأوروبيين سيحاولون التصعيد السياسي، وقد يشمل ذلك بعض الإجراءات التجارية، لكنه لن يتجاوز سقف الأرقام والسياسات التي تفرضها واشنطن.
في تقديره، الهدف الأوروبي سيكون اختبار مدى جدية الإرادة الأميركية في ضم غرينلاند، وهل هي مرتبطة بالدولة الأميركية أم مجرد محاولة من الرئيس ترامب؟ وفي حال تأكد الأوروبيون أن القرار أميركي بحت، ستكون المخرجات الدبلوماسية هي احترام إرادة المواطنين في غرينلاند إذا رغبوا بالانضمام للولايات المتحدة، ما يوفر تخريجة سياسية سلسة بعيداً عن الحل العسكري.
ردود الفعل الأوروبية والامتعاض المحتمل
من وجهة نظر د. أنيس، فإن التحرك الأميركي، رغم صخبه، لن يؤثر بشكل جذري على هيكل حلف الناتو، نظراً لاعتماد أوروبا على المظلة الاستراتيجية العسكرية والأمنية والمعلوماتية التي توفرها واشنطن، والتي لا يمكن استبدالها مؤقتاً بروسيا أو الصين أو بجهود أوروبية خالصة.
ومع ذلك، من المتوقع أن يظهر امتعاض أوروبي واضح، يتمثل في محاولات لتأجيل تطبيق الاتفاقيات التجارية أو فرض ضرائب على الشركات الأميركية والتكنولوجية الأوروبية، أو منع بعض الشركات الأميركية من الحصول على عقود حكومية، كل ذلك في إطار اختبار إرادة الولايات المتحدة.
الجدول الزمني الأميركي والتوقيت الانتخابي
يوضح د. أنيس أن هناك جدولاً زمنياً واضحاً للتحرك الأميركي: بدءاً من زيادة الضرائب على الواردات الأوروبية بنسبة 10 بالمئة ابتداءً من فبراير، وإذا لم تُنجز المهمة قبل يونيو، سيرتفع التصعيد إلى 25 بالمئة. ويرى أن استراتيجية ترامب تهدف لإنهاء ملف غرينلاند قبل الانتخابات النصفية، لتحقيق مكاسب سياسية أمام الناخب الأميركي، بالإضافة إلى إرضاء المؤسسات الوطنية غير المنتخبة لتعزيز سيطرته على الأغلبية في الكونغرس.
القيود الأوروبية والاستقلال الاستراتيجي المستحيل
يؤكد د. أنيس أن أوروبا غير قادرة على استقلال استراتيجي حقيقي عن الولايات المتحدة، مع وجود مساحة لمناورات تجارية مع الصين وروسيا وأميركا اللاتينية، إلا أن إدخال هذه الدول إلى المعادلة العسكرية والمعلوماتية الأوروبية أمر مستحيل، نظراً لطبيعة التهديدات المشتركة ولارتباط المصالح الأوروبية بالأمن الأميركي.
ضغوط دبلوماسية ضمن حدود المحاسبة
تظهر تصريحات د. محمد أنيس أن تحرك الولايات المتحدة نحو غرينلاند يمثل امتداداً لاستراتيجيات السيطرة والمناورات الاقتصادية والسياسية، وليس مجرد توجه شخصي للرئيس ترامب.
بينما سيكون الأوروبيون مضطرين للتحرك ضمن حدود محاسبة إرادة واشنطن، مع محاولة تحقيق مكاسب تجارية ودبلوماسية دون المخاطرة بالتحالفات الأمنية الحيوية. يبقى ضم غرينلاند ملفاً معقداً يجمع بين السياسة الداخلية الأميركية، التوازنات الاستراتيجية الدولية، والمصالح الأوروبية، في سياق متشابك من النفوذ العسكري والملاحي والاقتصادي.







