حرب إيران تهدد تعافي اقتصاد أوروبا
13:05 - 05 مارس 2026
يهدد التصعيد العسكري في الشرق الأوسط بإرباك مسار التعافي الاقتصادي الهش في أوروبا، مع تصاعد المخاوف من عودة صدمة الطاقة التي أنهكت القارة قبل سنوات قليلة.
ارتفاع أسعار النفط والغاز، واحتمالات اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، يضعان اقتصاد منطقة اليورو أمام اختبار جديد في توقيت بالغ الحساسية.
جاءت هذه التطورات في وقت بدأت فيه الاقتصادات الأوروبية تستعيد توازنها تدريجياً، مدعومة بتراجع التضخم وتحسن نسبي في النمو، بعد تداعيات جائحة كورونا وأزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا. غير أن اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط يهدد بتقويض هذا التعافي وإعادة الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
وفي ظل اعتماد أوروبا الكبير على واردات الطاقة وتقلبات الأسواق العالمية، يحذر خبراء من أن أي اضطراب طويل الأمد في إمدادات النفط والغاز قد يفرض على صناع القرار في القارة مواجهة معادلة صعبة بين كبح التضخم والحفاظ على زخم النمو الاقتصادي.
تعافٍ هش
يشير تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن:
- تعافي الاقتصاد الأوروبي معرض لخطر التعثر بسبب تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، حيث ترتفع أسعار الطاقة وتهدد بعودة التضخم.
- على مدى أشهر، كان الاقتصاد الأوروبي في وضع جيد، وفقاً للبنك المركزي الأوروبي.. كان التضخم منخفضاً، والنمو الاقتصادي أفضل من المتوقع رغم الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب، وكان من المتوقع أن تبقى أسعار الفائدة مستقرة. لكن احتمال نشوب صراع طويل الأمد (في الشرق الأوسط) يُهدد بتعطيل إمدادات النفط والغاز الحيوية.
- في العواصم الأوروبية، أعاد هذا الوضع إلى الأذهان ذكريات غير مرغوب فيها لأزمة الطاقة، بعد فترة وجيزة من تغلب المنطقة على الآثار المزعزعة للاستقرار لأزمة الإمدادات الأخيرة، والتي أعقبت الحرب في أوكرانيا في عام 2022.
كتب الخبير الاقتصادي في بنك آي إن جي، كارستن برزيسكي في مذكرة: "من بين الاقتصادات الكبرى، ستكون الآثار الأكثر حدة في أوروبا، والتوقيت لا يمكن أن يكون أسوأ من ذلك"، مضيفاً: "قد تواجه المنطقة الآن صدمة في قطاع الطاقة بالإضافة إلى صدمة تجارية".
ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بعد أن أوقفت شركة الطاقة القطرية المملوكة للدولة إنتاج الغاز الطبيعي المسال عقب هجمات استهدفت منشآتها.
ويستورد الاتحاد الأوروبي معظم احتياجاته من النفط والغاز، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
- تنتج قطر حوالي خُمس إمدادات العالم من الغاز الطبيعي المسال. ورغم أن جزءاً كبيراً من هذا الوقود يُصدّر إلى آسيا، إلا أن المحللين يحذرون من أن أي اضطرابات في هذه التدفقات ستجبر المشترين في أوروبا على التنافس مع نظرائهم الآسيويين للحصول على إمدادات الغاز من مصدرين آخرين، مثل الولايات المتحدة أو أستراليا.
- يحصل الاتحاد الأوروبي على معظم احتياجاته من الغاز الطبيعي عبر الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وعبر خطوط الأنابيب من النرويج. أما نسبة 5 بالمئة فقط فتأتي مباشرة من الشرق الأوسط.
تأثير محتمل
من جانبه، يقول خبير الشؤون الأوروبية، محمد رجائي بركات، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- التطورات الجارية في منطقة الشرق الأوسط "ستؤثر بشكل مباشر في مسار التعافي الاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي".
- هذه الأحداث تأتي في توقيت حساس للغاية بالنسبة للاقتصادات الأوروبية.
- دول الاتحاد الأوروبي لم تتعاف بالكامل بعد من تداعيات جائحة كورونا، كما لا تزال تتحمل أعباء الحرب في أوكرانيا، التي أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة، وزيادة مستويات التضخم، وتباطؤ النمو في عدد من الدول الأعضاء.
ويضيف: الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز ستكون لها انعكاسات خطيرة على أمن الطاقة الأوروبي، خاصة أن العديد من دول الاتحاد تعتمد على واردات النفط والغاز القادمة من المنطقة، فضلاً عن اعتماد جزء مهم من تجارتها الخارجية على هذا الممر البحري الحيوي.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط والمشتقات البترولية، إلى جانب زيادة تكاليف التأمين على السفن والبضائع العابرة للمنطقة، سيؤدي إلى زيادة كلفة الإنتاج داخل أوروبا، ما سينعكس بدوره على أسعار السلع الاستهلاكية ويغذي موجة تضخمية جديدة.
ويختم بركات حديثه بالتأكيد على أن:
- هذه التطورات تمثل تحدياً حقيقياً أمام جهود الاتحاد الأوروبي لإحلال الانتعاش الاقتصادي.
- قد تدفع تلك التطورات بروكسل إلى إعادة النظر في سياسات الطاقة وسلاسل الإمداد لضمان قدر أكبر من الاستقرار خلال المرحلة المقبلة.
صدمة وشك
ويشير تقرير لمعهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية إلى أن:
- حتى الآن، اتسم رد فعل أوروبا بالصدمة والشك والتركيز على الذات.
- كما يحدث غالباً في أوروبا، يدور النقاش حول كيفية تفسير الأحداث بدلاً من كيفية التعامل معها.
- كل هذا يحدث بينما تقف أوروبا على الهامش، إذ لم يتم التشاور مع الأوروبيين في البداية، ولا يشاركون بشكل مباشر في العمليات العسكرية الهجومية.
- تُعدّ هذه الحرب مختلفة تماماً عن حرب أفغانستان أو العراق، أو حتى عن ضربات الصيف الماضي على المنشآت النووية الإيرانية.. في جميع تلك الحالات، شاركت بعض الدول الأوروبية، بما في ذلك لحماية المجال الجوي الإسرائيلي. أما هنا، فدور أوروبا محدودٌ أكثر.
- هذه الحرب أيضاً من نوع مختلف ولها هدف مختلف. يراقبها الأوروبيون من بعيد وبتحفظ شديد. لكن مصالحهم أيضاً على المحك: الاستقرار الإقليمي، وأمن الطاقة، ومصداقيتنا كداعمين للديمقراطية.
ويشير التقرير إلى المخاطر المرتبطة بغلق مضيق هرمز، ذلك أنه من المؤكد أن أقساط التأمين سترتفع بشكل حاد، وأن أكثر من 20 بالمئة من إجمالي صادرات النفط والغاز معرضة للخطر. لكن المخاطر تتجاوز قطاع الطاقة، إذ تتأثر أيضًا الأسمدة والعديد من المنتجات الاستراتيجية الأخرى، وهي سلع يجب نقلها من وإلى أوروبا، بحسب التقرير.
مرحلة مفصلية
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي، أنور القاسم، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:
- الشهر الجاري سيكون مفصلياً في تحديد اتجاه الاقتصاد الأوروبي.
- إطالة أمد العمليات العسكرية في الشرق الأوسط تهدد بتقويض تعافي منطقة اليورو وإعادة إشعال الضغوط التضخمية.
- اعتماد أوروبا الكبير على واردات النفط والغاز من الشرق الأوسط يجعلها من أكثر الاقتصادات الكبرى عرضة لتداعيات حرب إيران.
- التوترات في مضيق هرمز تضع نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية تحت مخاطر جيوسياسية مباشرة.
ويوضح أن ارتفاع أسعار النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل قد يؤدي إلى زيادة معدل التضخم في منطقة اليورو بنحو 0.4 نقطة مئوية، مقابل تراجع النمو بنحو 0.15 نقطة مئوية، ما يخلق تحدياً مزدوجاً أمام صناع السياسات النقدية.
ويقول إن صعود أسعار السلع الأولية سيظل في المحصلة عاملاً تضخمياً ضاغطاً على الاقتصاد الأوروبي، في وقت تُظهر فيه النماذج الاقتصادية ارتفاعاً محتملاً في مؤشر أسعار المستهلك وتراجعاً في الناتج المحلي الإجمالي، ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة معقدة بين كبح التضخم والحفاظ على وتيرة النمو.









