الغاز، وليس النفط، محور تفوق الولايات المتحدة في مجال الطاقة
13:30 - 26 مارس 2026يشير تحليل نشرته وكالة بلومبرغ إلى أن الصراع في إيران يمثل تجسيداً فعلياً لما تصفه الولايات المتحدة بـ"هيمنة الطاقة"، كما يشكل في الوقت ذاته اختباراً عميقاً لهذه الهيمنة.
فعودة الانتعاش إلى إنتاج النفط والغاز المحليَين في الولايات المتحدة كانت تعد بتوفير حماية للاقتصاد الأميركي من تداعيات أي حرب جديدة في الشرق الأوسط، غير أن هذا الصراع نفسه بدأ يلقي بظلال من الشك على تلك الوعود.
رغم التصدير الصافي.. أسعار البنزين تحت الضغط
وبحسب المقال، فقد تمحور النقاش حول استقلال الطاقة الأميركي - النسخة الأقل طموحاً نسبياً من مفهوم الهيمنة - حول النفط، في ظل إرث صدمات الإمدادات التي شهدها عقد السبعينيات.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أصبحت اليوم مُصدّراً صافياً للنفط، فإن أسعار البنزين تبدو في طريقها لتجاوز حاجز أربعة دولارات للغالون بعد أسابيع قليلة فقط من اندلاع الحرب. لكن في الواقع، فإن الغاز الطبيعي - وليس النفط - هو المجال الذي لا تزال فيه الولايات المتحدة بمنأى نسبياً عن اضطرابات الأسواق العالمية، وفقاً لما أوردته وكالة بلومبرغ.
الغاز الطبيعي.. سوق إقليمية في عالم مترابط
فالنفط سلعة عالمية بطبيعتها، تتحكم بها تجارة الناقلات البحرية بين القارات، في حين لا تزال أسواق الغاز الطبيعي - نظراً لصعوبة نقله وتخزينه - إقليمية إلى حد كبير.
ومع أن الروابط بين هذه الأسواق تعززت مع تنامي تجارة الغاز الطبيعي المسال، فإن شحناته لا تزال تمثل نحو 14 بالمئة فقط من الاستهلاك العالمي. علاوة على ذلك، كانت محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأميركية تعمل بالفعل بكامل طاقتها بحلول نهاية عام 2025، ما يعني عدم توفر طاقة فائضة للاستجابة السريعة للارتفاعات في الأسعار في أوروبا وآسيا، وبالتالي نقل تلك التأثيرات إلى السوق المحلية — على الأقل في الوقت الراهن، بحسب ما ورد في تحليل بلومبرغ.
غير أن "هيمنة" الولايات المتحدة في سوق الغاز قد تحمل في طياتها عواقب غير مقصودة، تماماً كما تفعل الحروب.
إغلاق هرمز يربك تدفقات الغاز العالمية
فالإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قبل إيران، والأضرار التي لحقت بمجمع رأس لفان القطري بسبب الاعتداء الإيراني السافر - وهي أحد أكبر منشآت تصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم - أثّرا على نحو خُمس تدفقات الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وقبل اندلاع الحرب، كانت التوقعات تشير إلى هدوء نسبي في أسعار الغاز المسال، في ظل توسع كبير في الطاقة التصديرية المتوقع أن يصل إلى نحو 311 مليار متر مكعب من مكافئ الغاز بحلول عام 2030، أي ما يعادل أكثر من نصف حجم الطلب العالمي الحالي على الغاز الطبيعي المسال، وفق بيانات أشار إليها المقال المنشور في وكالة بلومبرغ.
ومن هذه الزيادة، ترتبط نحو نصف القدرات الجديدة بمحطات أميركية، فيما يأتي ربعها تقريباً من الشرق الأوسط، ولا سيما من قطر، ما كان ينذر بتخمة في المعروض بحلول نهاية العقد الحالي.
طفرة التصدير تصطدم بطلب الذكاء الاصطناعي
غير أن الحرب الراهنة تلقي بظلال من الشك على هذه التوقعات. وحتى إذا انتهى النزاع في وقت قريب نسبياً، فإن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية القطرية - والأهم من ذلك، بالتصورات المتعلقة بمدى أمان إمدادات الغاز من الشرق الأوسط لتوقيع عقود طويلة الأجل تمتد لعشرين عاماً - قد تستمر آثارها لفترة طويلة.
فعندما يتحول سيناريو كان يُعدّ مستحيلاً، مثل إغلاق مضيق هرمز، إلى واقع فعلي، تنهار الافتراضات السابقة. ومن المفارقات القاتمة في هذه الحرب أنها قد لا تكتفي بعزل الولايات المتحدة عن تأثيراتها المباشرة على أسعار الغاز، بل قد تمنحها أيضاً فرصة للاستفادة منها إذا ما تأجلت أو أُلغيت مشاريع الطاقة المنافسة في الشرق الأوسط ضمن البيئة الجديدة.
هنا تحديداً قد تنذر الهيمنة - على نحو مفارق - بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي محلياً على المدى المتوسط.
فخلال العقد الماضي، مثلت صادرات الغاز الطبيعي المسال بمثابة صمام أمان لفائض إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة، في ظل نمو بطيء نسبياً للطلب المحلي.
لكن البلاد تواجه الآن فترة ممتدة من التوسع في قدرات التصدير، بالتزامن مع تصاعد الطلب على الكهرباء لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي يعتمد جزء كبير منها على محطات توليد الكهرباء العاملة بالغاز.
أوروبا تبحث عن بدائل للغاز
ومن شأن هذا الطلب الإضافي من شركات التكنولوجيا الكبرى، إلى جانب الطلب العالمي الباحث عن بديل للغاز من الشرق الأوسط - فضلاً عن الغاز الروسي الذي تستعد أوروبا لحظره بالكامل بحلول نهاية العام المقبل - أن يضغط على السوق المحلية الأميركية، ما يؤدي إلى تشديدها في ظل ثبات العوامل الأخرى.
وفي الوقت الحالي، تشير التوقعات طويلة الأجل لوزارة الطاقة الأميركية إلى احتمال تراجع طفيف في الطلب على الغاز المستخدم لتوليد الكهرباء بحلول عام 2030، وهي تقديرات قد تكون بحاجة إلى مراجعة عند صدور بيانات جديدة الشهر المقبل.
في المقابل، يُتوقع أن ترتفع صادرات الغاز الطبيعي المسال بما يعادل 80 مليار متر مكعب سنوياً بحلول ذلك العام. غير أن هذا السيناريو يفترض متوسط استخدام للقدرات التصديرية الجديدة عند نحو 50 بالمئة فقط، وهو مستوى لن يكون مقبولاً لدى مشغلي هذه المشاريع.
وحتى ضمن هذه الظروف المعتدلة نسبياً، كانت وزارة الطاقة تتوقع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي الأميركية بالقيمة الحقيقية.
ومع تزايد طموحات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع الطلب العالمي على الغاز الأميركي، وربط السوق المحلية بشكل أوثق بالاضطرابات العالمية، فإن الزيادة في الأسعار قد تكون أكبر من ذلك بكثير.
غولدمان ساكس يرفع توقعاته
وفي هذا السياق، رفع محللون في "غولدمان ساكس" - كانوا قد توقعوا سابقاً إلغاء بعض مشاريع الغاز الطبيعي المسال الأميركية نتيجة فائض المعروض - تقديراتهم لأسعار الغاز المحلية في عامي 2028 و2029 بنسبة تتراوح بين 30 بالمئة و40 بالمئة.
وبحسب وكالة بلومبرغ، فإذا كانت الدروس المستفادة حتى الآن - كما هو الحال مع أسعار البنزين - تشير إلى أن الترابط العالمي في قطاع الطاقة قد يُجهض الهيمنة عبر آليات التسعير، فإنه لا ينبغي إغفال نتيجة محتملة أخرى غير مقصودة.
فهذه الحرب تعيد تشكيل التصورات بشأن أمن صادرات الوقود من الشرق الأوسط، وقد تستفيد الولايات المتحدة من ذلك مؤقتاً.
لكن كبار المستوردين، مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي، قد يترددون بدورهم مستقبلاً في زيادة اعتمادهم على مورد أميركي يتسم بالتقلب والحساسية السياسية.
وبحسب بلومبرغ، فإن "معايير الطاقة" الجديدة القائمة على الاقتصاد والأمن والجغرافيا السياسية — أو ما يمكن تسميته بمعايير ESG الجديدة للطاقة — ستدفع الدول إلى الحد من انكشافها على الغاز الطبيعي المسال الأميركي على الأقل، وربما إلى تنويع مصادرها بعيداً عن الغاز الطبيعي عموماً، حيثما تتوافر بدائل مثل الطاقة المتجددة أو الطاقة النووية، بل وحتى الفحم في بعض الحالات.
وكان هذا الدرس القاسي قد تعلمته دول منظمة "أوبك" بعد فترة الهيمنة القصيرة التي تمتعت بها خلال سبعينيات القرن الماضي، حين أدت سيطرتها على سوق الطاقة العالمية إلى تسريع جهود الدول المستهلكة لتنويع مصادرها وتقليل اعتمادها على النفط.
وبالمثل، من المرجح أن تفضي هيمنة الولايات المتحدة على سوق الغاز الطبيعي إلى ارتفاع الأسعار محلياً خلال السنوات القليلة المقبلة، وهو ما قد يعقبه رد فعل من جانب الطلب العالمي يسعى إلى تقليص الاعتماد على هذه الهيمنة ذاتها.








