ما هي خيارات المركزي الأوروبي في اجتماعه المرتقب؟
09:00 - 23 أبريل 2026
يراقب صانعو السياسات النقدية التحولات المتسارعة في المشهد الاقتصادي العالمي، في محاولة لالتقاط إشارات دقيقة تحدد المسار الأمثل لأسعار الفائدة، وسط بيئة يغلب عليها عدم اليقين وتداخل العوامل الجيوسياسية مع المؤشرات الاقتصادية، لا سيما في ظل حرب إيران.
يعيد الجدل حول توقيت وحجم التحرك النقدي طرح تساؤلات جوهرية بشأن قدرة البنوك المركزية على الموازنة بين احتواء التضخم والحفاظ على وتيرة نمو مستقرة، خاصة مع تباين الإشارات الصادرة عن الأسواق والبيانات الاقتصادية.
يفتح هذا المشهد الباب أمام سيناريوهات متعددة تتراوح بين التريث المدروس والتشديد التدريجي، في وقت تظل فيه القرارات النقدية مرهونة بتطورات معقدة تشمل أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومسار الاقتصاد العالمي ككل.
في هذا السياق، نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" عن أحد كبار صانعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي قبل اجتماع حاسم للسياسة النقدية الأسبوع المقبل، قوله إن البنك يتمتع بـ "رفاهية" عدم الحاجة إلى التسرع في رفع أسعار الفائدة.
صرح محافظ بنك لاتفيا وعضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي،مارتينش كازاكس،بأنه:
- في حين أن "عدم اليقين لا يزال مرتفعًا للغاية" بسبب الوضع في الشرق الأوسط، فإن "البيانات التي نراها حالياً" لا تخلق ضرورة ملحة لرفع أسعار الفائدة.
- "توقعات التضخم تحت السيطرة حالياً، ولم تكن هناك حتى الآن سوى آثار جانبية محدودة لارتفاع أسعار الطاقة على باقي قطاعات الاقتصاد".
- "أسعار النفط انخفضت أيضاً من ذروتها التي بلغتها بعد حرب إيران، وأن أسعار الغاز في أوروبا أقل ارتفاعاً بكثير مما كانت عليه في عام 2022".
- "لسنا في عجلة من أمرنا.. لا يزال لدينا رفاهية كبيرة لجمع البيانات وتكوين وجهة نظرنا".
واقعية المركزي الأوروبي
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- البنك المركزي الأوروبي يُعد من أكثر البنوك المركزية واقعية واستباقية في قراراته.
- السيناريو المرجح يتمثل في اتجاهه نحو رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
- المركزي الأوروبي نجح في إعادة مستويات التضخم إلى الحدود المستهدفة عقب تداعيات الحرب في أوكرانيا وجائحة كورونا، إلا أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة دفعت صناع القرار إلى إعادة تقييم المسار، مع توقعات باستمرار الضغوط التضخمية لفترة أطول.
- البنك المركزي الأوروبي رفع بالفعل توقعاته للتضخم للعام 2026 إلى ما فوق 2 بالمئة، على أن تعود إلى المستهدف البالغ 2 بالمئة في 2027، وهو ما يعكس مخاوف من صدمات تضخمية ممتدة على المدى المتوسط، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بقطاع الطاقة، حيث قد تستغرق استعادة الإنتاج الكامل فترة تصل إلى عامين.
ويشير إلى أن التوقعات السابقة كانت تميل إلى بلوغ ذروة أسعار الفائدة، مع احتمالات خفضها بنهاية الصيف، إلا أن تصاعد التوترات الجيوسياسية أعاد ترجيح سيناريو التشديد النقدي، معتبراً أن هذه العوامل تمثل دعماً رئيسياً لاستمرار رفع الفائدة.
كما يلفت إلى أن الاقتصاد الأوروبي، رغم التحديات، لا يزال يظهر قدراً من التماسك، خاصة مع بوادر تعافٍ في الاقتصاد الألماني، مدعوماً بحزمة استثمارات ضخمة في البنية التحتية تُقدر بنحو 600 مليار يورو، وهو ما قد يضيف ضغوطاً تضخمية إضافية.
ويختتم يرق حديثه بالتأكيد على أن البنك المركزي الأوروبي يسعى لتحقيق توازن دقيق بين كبح جماح التضخم والحفاظ على نمو اقتصادي معتدل، في ظل بيئة اقتصادية معقدة تتسم بارتفاع الأسعار واستمرار الضغوط على سلاسل الإمداد.
توقعات المستثمرين
بحسب بيانات رويترز، يتوقع المستثمرون رفع سعر الفائدة القياسي للبنك المركزي الأوروبي بمقدار ربع نقطة مرتين بحلول نهاية العام ليصل إلى 2.5 بالمئة.
إلا أن المتداولين لا يرجحون حالياً سوى احتمال بنسبة 15بالمئة لرفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة في أقرب وقت ممكن في 30 أبريل، وهو الموعد الذي سيحدد فيه البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مجدداً.
في وقت سابق من الشهر الجاري، راهن المستثمرون على زيادات تصل إلى ثلاثة أرباع نقطة بحلول نهاية العام.
مساحة للتريث
من جانبه، يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- البنك المركزي الأوروبي يمتلك في المرحلة الحالية هامشاً أوسع للتريث بدلاً من التحرك الفوري، في ظل مؤشرات على تراجع تدريجي في وتيرة التضخم داخل منطقة اليورو، مقابل استمرار حالة الضعف النسبي في النشاط الاقتصادي، لا سيما في الاقتصادات الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا.
- التضخم، رغم بقائه أعلى من المستوى المستهدف، بدأ يفقد جزءاً من زخمه، وهو ما يتقاطع مع تباطؤ واضح في النشاط الاقتصادي، الأمر الذي يخلق نوعاً من التوازن يمنح صانعي السياسة النقدية مساحة لمراقبة البيانات بشكل أدق قبل اتخاذ أي قرارات قد تؤثر سلبًا على النمو.
- السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب يتمثل في تثبيت أسعار الفائدة، مع تبني لهجة حذرة تعتمد بشكل أساسي على البيانات الاقتصادية، وهو ما يتيح تقييم أثر التشديد النقدي السابق، خصوصًا على مستويات الائتمان والطلب.
ويشير إلى وجود سيناريو بديل، لكنه أقل احتمالاً في الوقت الراهن، يتمثل في اللجوء إلى مزيد من التشديد النقدي، وذلك في حال عودة الضغوط التضخمية، سواء نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة أو تسارع نمو الأجور، وهو ما قد يدفع البنك المركزي الأوروبي لإعادة رفع أسعار الفائدة، خاصة في ظل تأثيرات العوامل الجيوسياسية.
وفي المقابل، يلفت إلى أن سيناريو خفض أسعار الفائدة لا يبدو مطروحاً بشكل فوري، لكنه قد يصبح وارداً في حال حدوث تباطؤ اقتصادي حاد أو دخول الاقتصاد في حالة ركود، بشرط وجود تأكيد واضح على اتجاه التضخم نحو المستوى المستهدف عند 2 بالمئة.
ويختتم صليبي حديثه بالتأكيد على أن البنك المركزي الأوروبي سيركز خلال الفترة المقبلة على عدد من المؤشرات الرئيسية، أبرزها مسار التضخم، وتطور الأجور، وأداء سوق العمل، إلى جانب تأثيرات أسعار الطاقة، باعتبارها عوامل حاسمة في تحديد المسار القادم للسياسة النقدية.






