هل أصبح للمدراء التنفيذيون "نسخ رقمية" تعمل بدلاً منهم؟
10:57 - 01 يونيو 2026
لم يعد مفهوم "النسخة الرقمية من الإنسان" مجرد فكرة خيالية، إذ بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تتيح اليوم إنشاء توائم رقمية قادرة على تنفيذ عدد من المهام بالنيابة عن أصحابها، بما في ذلك الرد على الرسائل والمشاركة في الاجتماعات والمحاضرات.
وهذا السيناريو بدأ يتحول إلى واقع فعلي في عالم المدراء التنفيذيين، حيث تشهد بيئة الأعمال دخول تقنيات التوائم الرقمية، إلى الاستخدام العملي داخل بعض الشركات، من خلال نماذج ذكاء اصطناعي يتم تدريبها على أسلوب القادة التنفيذيين في التفكير والتواصل واتخاذ القرار، لتصبح بذلك قادرة على تمثيلهم في عدد من المهام اليومية، ما يفتح الباب أمام نمط جديد من العمل، يقوم على المشاركة بين الإنسان ونظيره الرقمي في إنجاز المهام.
وهذا التطور لا يأتي من فراغ، بل هو امتداد مباشر للتقدم الكبير في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي باتت قادرة على فهم السياق وإنتاج محتوى يحاكي البشر بدرجة عالية من الدقة.
مؤسس LinkedIn يُطلق توأمه
وبحسب تقرير أعدّته صحيفة "وول ستريت جورنال"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن بعض المدراء التنفيذيين في العالم باتوا يمتلكون بالفعل توائم رقمية، تتولى إنجاز جزء من مهامهم اليومية، ومن ضمنهم Reid Hoffman، الشريك المؤسس لـ LinkedIn والشريك في شركة رأس المال الاستثماري Greylock Partners، الذي يستخدم توأمه الرقمي الذي يحمل اسم Reid AI بصورة أساسية في الإطلالات العامة والمقابلات الإعلامية.
كيف تم تدريب التوأم؟
وتم تدريب Reid AI على كمّ ضخم من البيانات العائدة لـ Reid Hoffman والتي تشمل، كتبه، خطاباته، بودكاستاته، ومقالاته الممتدة على مدار 22 عاماً.
كما تم تكليف Reid AI بالعمل على تحليل أسلوب حديث Reid Hoffman وطريقة تكوينه للأفكار، عبر دراسة رسائل البريد الإلكتروني المهنية التي قام بارسالها سابقاً، وذلك بهدف محاكاة أسلوبه في التواصل بدرجة عالية من الدقة. وبذلك تمكن Reid AI من بناء نموذج دقيق لأسلوب Hoffman في التفكير والتعبير.
وبناءً على هذه المعرفة، تولى Reid AI تنفيذ مهام مختلفة بالنيابة عن Reid Hoffman، شملت إعداد المحتوى وصياغة الخطابات والمشاركة في بعض الأنشطة المهنية. وما يلفت الانتباه هو أن Reid AI قادر على التحدث بـ 74 لغة، في حين أن ريد هوفمان الحقيقي لا يتقن سوى لغة واحدة.
وحتى الآن، شارك التوأم الرقمي Reid A في أكثر من 75 خطاباً وعرضاً تقديمياً وذلك مع دعم ومراجعة بشرية في بعض الحالات.
وشملت أبرز مشاركاته مؤتمراً في دبي، حيث ظهر على الشاشة وقدّم خطابه بعدة لغات، من بينها الفرنسية والصينية والهندية، أمام الحضور في قاعة الاجتماعات.
توأمة عالية الدقة
ويعتمد مفهوم التوأم الرقمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تقوم بتحليل البصمة السلوكية للفرد، بما في ذلك نبرة الصوت وطريقة التفكير، بهدف بناء نموذج رقمي قادر على محاكاة صاحبه بدرجة عالية من الدقة.
وتكمن الميزة الأبرز لهذه التقنية في قدرتها على رفع مستوى الإنتاجية بشكل غير مسبوق، إذ تتيح للمديرين التنفيذيين تفويض جزء كبير من المهام الروتينية إلى نسخهم الرقمية، ما يمنحهم وقتاً أكبر للتركيز على التخطيط الاستراتيجي والابتكار واتخاذ القرارات ذات التأثير الأعلى.
كما تساهم هذه التوائم الرقمية في كسر الحواجز الجغرافية واللغوية، إذ يمكنها التفاعل والعمل فوراً بعدة لغات وفي بيئات مختلفة، ما يعيد تعريف مفهوم الحضور الإداري وإدارة الأعمال العابرة للحدود بطريقة أكثر سرعة ومرونة.
غير أن هذه التوائم تواجه تحديات جوهرية، أبرزها صعوبة تقبّلها على نطاق واسع داخل بيئات العمل، إذ لا يزال الكثير من المؤسسات والأفراد مترددين في منح الذكاء الاصطناعي دوراً تمثيلياً مباشراً في المهام والقرارات المهنية.
محاكاة المنطق البشري
وتقول مستشارة الذكاء الاصطناعي المعتمدة من أكسفورد هيلدا معلوف ملكي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الحديث عن "التوائم الرقمية" لا يتعلق بإنشاء نسخة تتكلم مثل الإنسان فقط، بل ببناء نموذج ذكاء اصطناعي قادر على فهم السياق المهني لصاحبه، والتصرف ضمنه بصورة قريبة من المنطق البشري، مشيرة إلى أن هذا المجال يمثل أحد أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي تعقيداً حتى الآن.
وتشرح معلوف ملكي، أن التوأم الرقمي لا يعمل بالطريقة التقليدية لروبوتات المحادثة الذكية، بل يعتمد على ما يُعرف تقنياً بـMulti-Modal AI، أي دمج أنواع متعددة من البيانات داخل نموذج واحد، تشمل النصوص والصوت والفيديو وطريقة الكتابة وسلوك اتخاذ القرار، وحتى أسلوب التفاعل أثناء الاجتماعات، حيث يقوم التوأم الرقمي بعد تحليل هذه البيانات، ببناء نموذج يحاكي طريقة تفكير الشخص وأسلوبه في الرد والتعامل مع المواقف المهنية بدرجة عالية من الدقة.
تخطي حدود الحضور الجسدي
وبحسب معلوف ملكي، فإن التوائم الرقمية ستدفع الشركات مستقبلاً إلى إعادة تعريف مفهوم الإنتاجية الإدارية، إذ لن يظل حضور القادة مرهوناً بحدود الجسد، أو مقيداً بعدد الاجتماعات اليومية، بل بمدى كفاءة نسخته الرقمية في تمثيله وتشغيل جزء من مهامه، مشيرة إلى أن هذا التطور قد يخلق فجوة تنافسية كبيرة بين الشركات، لأن المؤسسات التي ستتمكن من بناء توائم رقمية فعالة لقياداتها وفرقها، قد تحقق مستويات غير مسبوقة من الكفاءة التشغيلية، خصوصاً أن المدير التنفيذي يصبح نظرياً قادراً على التواجد في أكثر من سوق، والمشاركة في أكثر من اجتماع، وإدارة أكثر من نشاط في الوقت نفسه.
توريث الخبرات
وترى معلوف ملكي، أن القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا، تكمن في قدرتها على تسريع نقل الخبرات داخل المؤسسات، ففي السابق كانت خبرة القيادات العليا مرتبطة بالأشخاص أنفسهم، وغالباً ما تغادر معهم عند تقاعدهم أو وفاتهم، أما اليوم فإن التوأم الرقمي قد يسمح بتحويل جزء من هذه الخبرات إلى "أصل رقمي" يمكن للشركة الاحتفاظ به والاستفادة منه لاحقاً في التدريب واتخاذ القرار.
وتوقعت معلوف ملكي، أن تشهد المرحلة المقبلة تسارعاً ملحوظاً في تبنّي التوائم الرقمية، خصوصاً داخل الشركات الكبرى، التي ستكون الأكثر قدرة على اختبار هذه التكنولوجيا وتطويرها، نظراً لامتلاكها موارد تقنية ومالية، تسمح ببناء هذا النوع من النماذج المكلفة والمعقدة، ولكن يبقى القرار النهائي في نهاية المطاف بيد المدير نفسه، ومدى استعداده للتخلي عن جزء من حضوره التقليدي، لصالح نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي في التمثيل واتخاذ بعض المهام بالنيابة عنه.
ثورة في بيئة العمل
من جهته، يعتبر المطور التقني فادي حيمور، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن التوائم الرقمية قد تُحدث واحدة من أكبر التحولات في تاريخ بيئة العمل منذ ظهور البريد الإلكتروني والهواتف الذكية، كونها لا تغيّر فقط طريقة إنجاز المهام، بل تعيد تعريف معنى الوجود المهني نفسه، فالشركات لطالما تعاملت مع العمل بوصفه نشاطاً مرتبطاً بالحضور الجسدي أو التفاعل المباشر، ولكن التوأم الرقمي يطرح نموذجاً مختلفاً تماماً، حيث يصبح بالإمكان فصل الخبرة عن الجسد البشري، وتشغيلها رقمياً في أكثر من مكان وفي الوقت نفسه.
نوع جديد من الشركات
ويرى حيمور أن التوائم الرقمية قد تؤدي إلى ولادة نوع جديد من المؤسسات شديدة السرعة والمرونة، التي تعمل بعدد أقل من الأشخاص الفعليين، ولكن بقدرات تشغيلية أكبر بكثير، متوقعاً أن لا يقتصر هذا التحول على المناصب الإدارية التنفيذية فقط، بل أن يمتد ليشمل قطاعات متعددة مثل التعليم والاستشارات والإعلام والخدمات القانونية وحتى المجال الطبي، بحيث تتحول الخبرات البشرية إلى نماذج رقمية متاحة بشكل مستمر وعلى مدار الساعة، بما يعيد تشكيل طريقة تقديم المعرفة والخدمات في المستقبل.
حقوق الملكية المعرفية
ويعتقد حيمور أن انتشار التوائم الرقمية داخل الشركات، يفرض إعادة التفكير بشكل جذري في مفهوم "الملكية المعرفية"، لأن تحويل الخبرات البشرية إلى نماذج رقمية، يثير تساؤلاً أساسياً حول من يملك هذه المعرفة فعلياً، فهل هي الشركة التي طوّرت النموذج ووفرت البيانات والبنية التحتية، أم الشخص نفسه الذي استُخلصت من خبرته وسلوكه وقراراته، مشيراً إلى ان هذا الواقع الجديد سيتطلب صياغة أطر قانونية صارمة، تضمن عدم المساس بحقوق الأفراد وطريقة تفكيرهم.










