صندوق النقد: الازمة تفرض سيناريوهات جديدة ومقاربة غير مسبوقة
09:52 - 22 مايو 2026في وقت كانت فيه اقتصادات الشرق الأوسط تدخل عام 2026 بزخم اقتصادي مدفوع بتوسع الأنشطة غير النفطية وتسارع التحول التكنولوجي، جاءت أزمة مضيق هرمز لتفرض صدمة جيوسياسية واقتصادية عميقة، قلبت مسارات التوقعات وأعادت رسم أولويات الحكومات والمؤسسات المالية.
فبحسب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور، فإن الأزمة الحالية لا تشبه الأزمات السابقة، سواء من حيث نطاقها أو تداعياتها أو مستوى عدم اليقين الذي يحيط بها، مؤكداً أن إقفال مضيق هرمز ضاعف من حجم التأثيرات الاقتصادية عالمياً، نظراً إلى موقعه كشريان حيوي للتجارة والطاقة.
وفي حديثه إلى برنامج بزنس مع لبنى على سكاي نيوز عربية، شدد أزعور على أن تداعيات الأزمة لن تكون آنية أو قصيرة الأمد، بل ستستمر لفترة طويلة، معتبراً أن الخروج من آثارها سيكون أكثر تعقيداً مما تتوقعه الأسواق، في ظل التداخل بين التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
صدمة تتجاوز النفط إلى الاقتصاد الحقيقي والوظائف
أوضح أزعور أن تأثير الأزمة لم يقتصر على النفط والغاز، بل امتد إلى قطاعات صناعية أساسية وإلى الاقتصادات غير النفطية في المنطقة والعالم، ما جعلها أزمة متعددة الأبعاد. وأكد أن تعطّل حركة التجارة والطاقة ينعكس مباشرة على النشاط الاقتصادي، ويهدد استقرار الأسواق وسلاسل الإنتاج، الأمر الذي يضع أسواق العمل أمام ضغوط متزايدة.
وفي هذا السياق، برز ملف الوظائف كأحد أكثر الملفات حساسية، مع تعرض قطاعات النقل والخدمات والصناعة والتجارة الدولية لضغوط متصاعدة نتيجة ارتفاع الكلفة وتعطل الإمدادات وتباطؤ النشاط الاقتصادي. كما أن استمرار الأزمة لفترة أطول يعني انتقال التأثير من مجرد ارتفاع الأسعار إلى أزمة تتعلق بتوافر السلع والخدمات، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الشركات على الحفاظ على مستويات التشغيل والإنتاج.
وأشار أزعور إلى أن بداية العام كانت واعدة بالنسبة للمنطقة، مع نمو قوي في القطاعات غير النفطية مدعوم بالتكنولوجيا والتحولات الاقتصادية العالمية والدور المتنامي لدول الخليج، إلا أن الأزمة الحالية فرضت واقعاً جديداً يتطلب إعادة تقييم الأولويات الاقتصادية والسياسات المعتمدة.
الخليج بين الصمود الاقتصادي وحماية النشاط الإنتاجي
بحسب أزعور، أظهرت الأزمة تفاوتاً واضحاً في قدرة دول المنطقة على التكيف، تبعاً للبنية التحتية والقدرات المؤسساتية والمالية لكل دولة. ولفت إلى أن دولاً مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان تمكنت من التعامل مع الأزمة بفاعلية أكبر، مستفيدة من استثماراتها السابقة في البنية التحتية والخطوط البديلة للتصدير والنقل.
وأوضح أن الإمارات استطاعت إعادة تصدير جزء كبير من إنتاجها وتحويل جزء من الحركة التجارية الأساسية لتأمين السلع والخدمات المطلوبة عالمياً، بما خفف من الضغوط على اقتصادات العالم، ولا سيما الاقتصادات الآسيوية. كما ساهمت السعودية في تحويل جزء من الإنتاج، فيما استفادت عُمان من موقعها الجغرافي خارج الخليج لتأمين مسارات بديلة.
ورأى أزعور أن هذه الإجراءات لم تقتصر أهميتها على حماية التجارة والطاقة، بل ساعدت أيضاً في الحد من الانعكاسات السلبية على القطاعات الاقتصادية وسوق العمل، عبر الحفاظ على مستوى معين من النشاط الاقتصادي والطلب الداخلي، ما خفف من مخاطر فقدان الوظائف أو توقف الاستثمارات الحيوية.
الخروج من الأزمة لن يكون سريعاً
وأكد أزعور أن صندوق النقد الدولي وضع منذ اجتماعات الربيع ثلاثة سيناريوهات للتعامل مع مرحلة ما بعد الأزمة، انطلاقاً من قناعة بأن العودة إلى الوضع الطبيعي لن تكون “انسيابية وبسيطة”، بل ستتخللها تعقيدات كبيرة تختلف من دولة إلى أخرى بحسب الجاهزية والقدرات الاقتصادية.
وأشار إلى أن بعض الدول بدأت بالفعل التحضير لمرحلة ما بعد الأزمة، بينما ستواجه دول أخرى صعوبات أكبر وخروجاً أبطأ من التداعيات الحالية. ومن هنا، شدد على ضرورة استخدام القدرات المالية والمؤسساتية بشكل عقلاني، مع تسريع التخطيط لحماية الاقتصادات من التشوهات والصدمات، والعمل على إنشاء أطر وخطوط بديلة للنقل والتجارة والطاقة.
كما حذر من أن وقف الاستثمارات في هذه المرحلة قد يفاقم التقلبات ويؤدي إلى ذبذبات حادة في الأسواق، مؤكداً أن المطلوب هو الاستمرار في الاستثمار، خصوصاً في البنية التحتية والقطاعات القادرة على تعزيز الصمود الاقتصادي.
التحول الاقتصادي أداة لحماية الوظائف
رأى أزعور أن الأزمة الحالية، رغم قسوتها، قد تتحول إلى نقطة تحول اقتصادية تفتح فرصاً جديدة إذا جرى التعامل معها بطريقة صحيحة. وأكد ضرورة مواصلة التحول الاقتصادي الذي بدأته دول المنطقة خلال السنوات الماضية، والقائم على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية المتطورة.
وشدد على أن تسريع هذا التحول لا يرتبط فقط بالنمو الاقتصادي، بل أيضاً بحماية الوظائف ورفع الإنتاجية وخلق قطاعات جديدة قادرة على استيعاب العمالة. وأشار إلى أن الصناعة يمكن أن تتحول إلى أحد روافد التنوع الاقتصادي في المنطقة، بما يعزز قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات المستقبلية.
وفي هذا الإطار، اعتبر أن عنصر “القدرة على التوقع” والاستقرار يمثلان عاملاً حاسماً لجذب الاستثمارات والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي، وهو ما يتطلب تعزيز الاستثمار في البنية التحتية ورفع مستوى “القدرة على الصمود”.
السياسات المالية والمصرفية في مواجهة التداعيات
أوضح أزعور أن السياسة المالية تبقى الأداة الأساسية في مواجهة الأزمة، شرط أن تكون التدخلات مدروسة وتستهدف الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الاقتصاد من دون خلق تشوهات مكلفة، لا سيما بالنسبة للدول ذات القدرات المالية المحدودة.
كما شدد على الدور المحوري للقطاع المالي والمصرفي باعتباره “القلب النابض” لتمويل الاقتصاد الحقيقي، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الاستقرار المالي وتوفير السيولة وتعزيز ثقة العملاء، إلى جانب تطوير أدوات مالية جديدة تساعد القطاعات الاقتصادية على التكيف وتسريع التحول.
وأشار إلى أن الأزمات السابقة، وفي مقدمتها جائحة كورونا، أظهرت أهمية سرعة الاستجابة وفاعلية الإجراءات الهادفة، وهو ما انعكس بصورة واضحة في تجربة الإمارات خلال الأزمة الحالية.
أزمة عالمية... وتداعيات ممتدة على النمو والتوظيف
أكد أزعور أن أزمة مضيق هرمز هي أزمة عالمية، يمتد تأثيرها على جغرافيات مختلفة من آسيا إلى أفريقيا، ويطال دولاً صناعية ودولاً أكثر ضعفاً، نظراً لارتفاع أسعار المواد الغذائية والأسمدة. وأوضح أن استمرار الأزمة لفترة أطول يعني تأثيراً أكبر، وخروجاً يستغرق وقتاً أطول، وعودة انتعاش تأخذ مدى أطول، محذراً من أن إطالة الأزمة تعني الانتقال من أزمة أسعار إلى أزمة توافر السلع، مما يغير مسار التداعيات بشكل كبير.
وشدد في المقابل على أن سرعة اتخاذ القرارات، وإعادة الثقة، ومنظومة الحماية، وتسريع وتيرة التعاون بين دول الخليج، وحماية المعابر المائية، وتخفيف درجة عدم اليقين، تمثل عناصر أساسية لبناء مرحلة اقتصادية مقبلة واعدة، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي."







