بروكسل تحذر: دعم الطاقة المفرط قد يشعل أزمة أعمق
13:24 - 07 أبريل 2026
تترقب أوروبا تداعيات صدمة طاقوية جديدة تتشكل على وقع تصاعد التوترات الجيوسياسية، في وقت تحاول فيه موازنة استجابة سريعة مع تجنب انزلاق مالي أعمق.
تحاول بروكسل رسم حدود دقيقة لتدخل الحكومات، بحيث تظل إجراءات الدعم مؤقتة ومقيدة، دون أن تتحول إلى عبء طويل الأمد على المالية العامة، في توازن يعكس قلقاً متزايداً من تكرار سيناريوهات أزمات سابقة أثقلت كاهل الاقتصادات الأوروبية.
فيما تتصاعد دعوات لاتخاذ خطوات موازية تعيد توزيع كلفة الأزمة، وسط توجهات لفرض أدوات مالية جديدة على قطاع الطاقة، في محاولة لاحتواء التداعيات الاجتماعية والاقتصادية، وإبقاء زمام الاستقرار بيد صناع القرار.
بحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، فإن مسؤولي الاتحاد الأوروبي يحثون الحكومات على تجنب تقديم دعم مفرط لتعويض ارتفاع أسعار الطاقة، محذرين من أن الصدمة الناجمة عن حرب إيران "قد تتحول إلى أزمة مالية".
- تُصرّ المفوضية الأوروبية، خلال مناقشاتها مع الدول الأعضاء، على أن تكون الإعانات المقترحة للطاقة ، والتخفيضات الضريبية، وحدود الأسعار محدودة من حيث المدة والنطاق، وذلك وفقاً لمصادر مطلعة على المحادثات.
- تسعى بروكسل إلى تجنب تكرار أزمة الطاقة التي شهدتها القارة عام 2022، والتي أدت إلى تضخم جامح وعجز متزايد في الميزانية.
خفضت عدة دول، من بينها إيطاليا وبولندا وإسبانيا، ضرائب الوقود، بينما دعت دول أخرى إلى تخفيف قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بدعم الدولة. كما تضغط روما على بروكسل لتخفيف القيود المالية لمنح العواصم مزيداً من المرونة.
أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز في أوروبا بنحو 60 بالمئة، وأثارت مخاوف من نقص في وقود الديزل ووقود الطائرات. وتقول المفوضية الأوروبية إن الصراع "ينطوي على خطر كبير يتمثل في ارتفاع التضخم وما يترتب عليه من آثار سلبية".
وينقل التقرير عن مسؤولين مطلعين على المحادثات بين بروكسل ووزارات المالية الوطنية قولهم إن المفوضية تحث على "التنسيق والحذر" بشأن أي تدابير تهدف إلى تخفيف ضغوط أسعار الطاقة.
ويخشى المسؤولون أن يؤدي الصراع إلى اندلاع الأزمة الاقتصادية الثالثة للاتحاد الأوروبي في غضون ست سنوات، بعد جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، وكلاهما دفع إلى برامج تحفيزية ضخمة أدت إلى ارتفاع الدين العام.
ارتفعت نسبة الدين العام للحكومات في الاتحاد الأوروبي إلى الناتج المحلي الإجمالي من 77.8 بالمئة في نهاية عام 2019 إلى 82.1 بالمئة في الربع الثالث من العام الماضي، وفقًا لأحدث البيانات المتاحة.
انعكاسات مباشرة
تقول خبيرة النفط والغاز، لوري هايتان، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الارتفاعات الحالية في أسعار النفط والغاز تنعكس بشكل مباشر على اقتصادات أوروبا، موضحةً أن هذه الزيادات تؤدي إلى ارتفاع أسعار الكهرباء، إلى جانب زيادة تكلفة مشتقات النفط مثل البنزين ووقود الطائرات، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على المستهلكين والقطاعات الحيوية.
وتضيف أن الحكومات الأوروبية باتت مطالبة بالنظر في قدراتها المالية لاتخاذ قرارات تحدّ من تأثير هذه الأزمة على المواطنين، مشيرةً إلى أن بعض الدول بدأت بالفعل في دراسة تخفيف الضرائب على الكهرباء أو على بعض الفواتير، وهو ما يعني في المقابل تراجعًا في الإيرادات الحكومية.
وتوضح أن هناك سيناريو آخر قد تلجأ إليه بعض الدول، يتمثل في تحمّل الحكومات جزءًا من الزيادات بدلًا من تحميلها للمستهلكين، بهدف الحفاظ على القدرة الشرائية وتجنب خلق أزمات اقتصادية إضافية، مثل تباطؤ النمو.
وتؤكد هايتان أن تأثير الأزمة سيختلف من دولة إلى أخرى، وفقًا لقدراتها الاقتصادية والسياسات التي تنتهجها في التعامل مع ارتفاع الأسعار، لافتةً إلى أن بعض البلدان قد تكون أكثر عرضة للتضرر مقارنة بغيرها.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أهمية متابعة قرارات كريستين لاغارد والبنك المركزي الأوروبي خلال الفترة المقبلة، لما سيكون لها من دور محوري في تحديد حجم التأثيرات الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة.
مقترحات موازية
ووفق رويترز، تطالب خمس دول من الاتحاد الأوروبي بفرض ضريبة على أرباح شركات الطاقة كرد فعل على ارتفاع أسعار الوقود بسبب حرب إيران، وذلك بحسب رسالة من وزراء المالية إلى المفوضية الأوروبية.
- وجّه وزراء مالية ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال والنمسا نداءً مشتركاً لفرض ضريبة على مستوى الاتحاد الأوروبي في رسالة مؤرخة يوم الجمعة.
- أوضحوا أن مثل هذا الإجراء من شأنه أن يسهم في تمويل تخفيف الأعباء عن المستهلكين في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، وأن يكون بمثابة إشارة إلى "وحدتنا وقدرتنا على اتخاذ الإجراءات اللازمة".
- كتب الوزراء: "سيجعل ذلك من الممكن تمويل الإغاثة المؤقتة، وخاصة للمستهلكين، وكبح جماح التضخم المتزايد، دون وضع أعباء إضافية على الميزانيات العامة".
- قالوا: "سيرسل ذلك أيضاً رسالة واضحة مفادها أن أولئك الذين يستفيدون من عواقب الحرب يجب أن يقوموا بدورهم لتخفيف العبء على عامة الناس".
تداخل الأزمات
من جانبها، تقول أستاذة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن التساؤل الأهم الذي يفرض نفسه حاليًا هو: هل ما نشهده أزمة طاقة أم أزمة سيولة؟ وتوضح أن الواقع يعكس تداخلاً واضحًا بين الأزمتين، ما يضع الأسواق العالمية أمام معادلة صعبة بين تأمين الإمدادات أو الحفاظ على السيولة النقدية.
وتشير إلى أن الأرقام لا تكذب، حيث تكشف عن هشاشة متزايدة في الاقتصاد العالمي، خاصة مع تعطل آليات العرض والطلب وحدوث انفصال بين تحركات الأسواق والأساسيات الاقتصادية، وهو ما يدفع المتداولين إلى إعادة تقييم قراءاتهم واتخاذ قرارات أكثر تحفظًا.
وتضيف أن الضغوط تتصاعد بوتيرة متسارعة، مع تضاعف الخسائر أسبوعًا بعد آخر، وارتفاع طلبات السحب من صناديق الائتمان، إلى جانب زيادة تسعير الركود، بالتزامن مع قفزات كبيرة في أسعار الطاقة، فضلًا عن تسجيل أسعار الغاز مستويات قياسية، ما يهدد بتآكل السيولة ويضغط على ميزانيات دول الاتحاد الأوروبي.
كما توضح أن هذه التطورات تنعكس بشكل مباشر على المواطن الأوروبي، في ظل ارتفاع أسعار الكهرباء، مع تزايد مخاطر الركود التضخمي الذي يهدد الاستقرار المالي للأسر، ويمثل صدمة جيوسياسية ذات أبعاد اقتصادية عميقة.
وتلفت إلى أن كريستين لاغارد تشير إلى احتمالية العودة إلى سياسة التشديد النقدي في حال استمرار الأزمة، وهو ما يعكس حجم التحديات أمام صناع القرار النقدي في أوروبا.
وتضيف أن تداعيات اضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز لا تزال تلقي بظلالها على الأسواق الأوروبية، مع ارتفاع تكاليف الطاقة، ما دفع بعض الدول مثل ألمانيا إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة، من بينها الاستيراد من بولندا. كما تشير إلى أن الأسواق تتجه بشكل متزايد نحو السيولة، مع متغيرات سوق السندات وتراجع العملة الأوروبية أمام قوة الدولار، في ظل حالة عدم اليقين المسيطرة.
وتختتم بالقول إن هناك أصواتًا داخل أوروبا بدأت تدعو إلى إعادة النظر في العلاقات مع روسيا، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المصالح الاقتصادية بدأت تفرض كلمتها رغم الكلفة السياسية، مؤكدة أن المواطن الأوروبي يظل الطرف الأكثر تضررًا في ظل البحث المستمر عن السيولة والطاقة وسط أزمة مركبة لم تتضح ملامح نهايتها بعد".





