هل تحتاج استراتيجية النمو الجديدة بالصين إلى مراجعة واقعية؟
13:07 - 19 يناير 2026
تُراكم الصين رهاناتها على التكنولوجيا المتقدمة بوصفها بوابة العبور نحو نموذج نمو أكثر استدامة، في وقت تحاول فيه تقليص اعتمادها التاريخي على قطاع العقارات الذي شكّل لعقود العمود الفقري للنشاط الاقتصادي، غير أن هذا التحول الطموح يصطدم بواقع اقتصادي أكثر تعقيدًا، تفرضه اعتبارات الحجم والسرعة والاستقرار.
تكشف البيانات الحديثة عن فجوة متزايدة بين الطموحات الاستراتيجية والنتائج الفعلية، إذ لم تنجح الصناعات عالية التقنية حتى الآن في ملء الفراغ الذي يخلّفه تباطؤ العقارات، سواء على مستوى التوظيف أو تحفيز الطلب الداخلي. فيما يطرح هذا التباين تساؤلات جوهرية حول قدرة محركات النمو الجديدة على حمل الاقتصاد الصيني في المدى القريب.
يُعيد هذا المشهد فتح النقاش بشأن واقعية استراتيجية النمو الحالية، وحدود التعويل على التكنولوجيا في مواجهة تحديات بنيوية عميقة. ومن هنا، تبرز أسئلة مركزية حول أسباب تعثّر هذا الانتقال، وما إذا كانت بكين بحاجة إلى مراجعة أدواتها قبل المضي قدمًا في إعادة رسم خريطة الاقتصاد الصيني.
في هذا السياق، يلفت تقرير لـ "بلومبيرغ" إلى أن
- الصناعات الصينية عالية التقنية، مثل السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي، لا تشكل بشكل كبير في النشاط الاقتصادي.
- مساهمة هذه الصناعات الجديدة تتضاءل أمام المحركات التقليدية مثل الاستثمار في العقارات والبنية التحتية، حيث أن الانخفاض في النشاط من الصناعات القديمة أكبر بست مرات من المكاسب الناتجة عن القوى الجديدة.
- قد لا تؤتي خطة الصين لتعزيز النمو القائم على التكنولوجيا ثمارها اقتصادياً، حيث تحتاج قيادة البلاد إلى تقديم التزام قوي بزيادة الاستهلاك لدعم نمو عمالقتها الصناعية.
ويقدم تحليل جديد للبيانات الرسمية أجرته مجموعة روديوم للأبحاث نظرة معمقة على مسار النمو الحالي، كاشفاً عن أمر مثير للقلق ولكنه ليس مفاجئاً تماماً؛ فما يُسمى بـ"قوى الإنتاج النوعية الجديدة" - وهو مصطلح شاع استخدامه من قبل الرئيس شي جين بينغ لوصف الصناعات عالية التقنية مثل السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والروبوتات - لا تُحقق كامل إمكاناتها. إذ إن مساهمتها في النشاط الاقتصادي ضئيلة مقارنةً بالمحركات التقليدية مثل الاستثمار العقاري والبنية التحتية، وذلك بعد سنوات من انهيارها.
أداة بكين الأسرع
يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- استمرار اعتماد الصين على قطاع العقارات، رغم سعيها المتسارع لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، يعود إلى اعتبارات تتعلق بالحجم والسرعة والاستقرار السياسي.
- قطاع العقارات لا يزال الأداة الأسرع بيد بكين للتأثير في معدلات النمو على المدى القصير، نظرًا لارتباطه الوثيق بسلسلة واسعة من الصناعات، تشمل الصلب والأسمنت والأجهزة المنزلية والخدمات المحلية، فضلًا عن تأثيره المباشر في مستويات التوظيف وثروات الأسر.
- أي تباطؤ في سوق الإسكان ينعكس سريعًا على ثقة المستهلكين، كون الجزء الأكبر من مدخرات العائلات الصينية مرتبط بالأصول العقارية، وهو ما لا يمكن لأي اختراق في مجال الذكاء الاصطناعي تعويضه في الأجل القريب.
ويضيف: رغم الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، فإنه لم يتحول بعد إلى محرك رئيسي للتوظيف أو إلى رافعة موثوقة للنمو الاقتصادي قصير الأجل. فالذكاء الاصطناعي يعزز الإنتاجية، لكن مكاسب الإنتاجية غالبًا ما تؤدي إلى تقليص الوظائف بدلًا من خلقها على نطاق واسع، وهو تحدٍّ بالغ الحساسية لاقتصاد يدير ملايين العمال الحضريين الجدد ويواجه تباطؤًا ديموغرافيًا متزايدًا. وفي المقابل، يظل قطاع العقارات، حتى في فترات الركود، داعمًا أساسيًا للوظائف والإيرادات المحلية بطرق لا يستطيع الذكاء الاصطناعي مجاراتها في الوقت الراهن.
ويلفت الرفاعي إلى البعد المالي للأزمة، موضحًا أن الحكومات المحلية تعتمد بشكل كبير على مبيعات الأراضي والضرائب المرتبطة بالقطاع العقاري لتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الاجتماعية. وبينما يولد الذكاء الاصطناعي قيمة اقتصادية متزايدة، إلا أن هذه القيمة لا تترجم بسهولة إلى إيرادات مباشرة ضمن ميزانيات الحكومات المحلية في المرحلة الحالية.
ويختتم حديثه بالقول:
- الذكاء الاصطناعي يمثل رهان الصين على التنافسية المستقبلية، في حين يبقى قطاع العقارات صمام الأمان الاقتصادي والاجتماعي.
- تستمر بكين في الاعتماد على العقارات ليس لأنها الخيار المثالي، بل لغياب بديل آخر يمتلك الحجم الكافي، والسرعة المطلوبة، والقبول السياسي اللازم ليحل محله في الوقت الراهن.
وكان الرئيس الصيني، شي جين بينغ، قد ذكر بنهاية 2025 أن بلاده تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هدفها في النمو بنحو 5 بالمئة هذا العام، وستطرح سياسات أكثر استباقية في عام 2026، مما يعزز الوعود بتقديم المزيد من التحفيز لدعم النمو الاقتصادي، وفق ما نقله تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية.
ووفق الرئيس الصيني، فإنه من المتوقع أن يصل الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى 140 تريليون يوان (20 تريليون دولار) هذا العام، مع وصول قطاعي الدفاع والعلوم والتكنولوجيا على وجه الخصوص إلى مستويات جديدة.
وذكر أنه من المتوقع أن يبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد حوالي 5 بالمئة بعد عام وصفه بـ "الاستثنائي". وهذا يعني أن الاقتصاد سيحقق هدف النمو الذي حدده صناع السياسات، مدعوماً جزئياً بصادرات السلع، التي أثبتت مرونتها على الرغم من الحرب التجارية المحتدمة مع الولايات المتحدة.
مؤشرات مختلفة
بدوره، يقول خبير الشؤون الصينية الدكتور جعفر الحسيناوي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- هناك عدة مؤشرات تؤكد استمرار اعتماد الصين على القطاع العقاري كمحرّك رئيسي لنموها الاقتصادي، رغم المعاناة التي يشهدها هذا القطاع منذ عام 2021.
- الحكومة الصينية واصلت دعم القطاع العقاري بشكل مستمر، رغم الارتفاع الكبير في الأسعار.
- بكين لا تُبدي مخاوف حقيقية من سيناريو الإفلاس الواسع في هذا القطاع، نظرًا لاختلاف التجربة الصينية عن غيرها من الاقتصادات.
- الصين تتمتع بقدر عالٍ من المرونة والكفاءة في إدارة ملف العقارات، لا سيما من خلال التشدد في شروط التملك (..).
ويشير الحسيناوي إلى أن اهتمام الصين بالقطاع العقاري يعود إلى عدة أسباب رئيسية، أبرزها استمرار الطلب القوي على الوحدات السكنية، في ظل تسارع وتيرة التحضّر واتساع المدن، بما يتطلب توفير مساكن لملايين السكان الجدد في المناطق الحضرية.
كما يلفت إلى أن العقار يُعد وسيلة استثمار شبه مضمونة للأسر الصينية، خصوصًا البسيطة منها، ويسهم في تعزيز دخولها وحماية مدخراتها، إلى جانب كونه أحد أهم مصادر التمويل للسلطات المحلية من خلال بيع الأراضي والرسوم المرتبطة بالنشاط العقاري.
ويؤكد أن القطاع العقاري يشكل أهمية محورية للاقتصاد الصيني، إذ يمثل نحو 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي عند احتساب تأثيراته المباشرة وغير المباشرة، فضلًا عن دوره في خلق فرص استثمارية واسعة وتنشيط الطلب الداخلي، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في معادلة الاستقرار الاقتصادي للصين.
تأثير مباشر وغير مباشر
بدوره، يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إلى أن:
- القطاع العقاري يشكّل ما يقارب 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للصين عند احتساب تأثيره المباشر وغير المباشر، وفق تقديرات اقتصاديين صينيين.
- هذه النسبة لا تقتصر على بناء المساكن فقط، بل تعكس تحوّل العقار إلى شبكة اقتصادية واسعة تضم البناء والتمويل والبنية التحتية والاستهلاك البنيوي، ما يجعله مرتبطًا بشكل عميق بأداء الاقتصاد الصيني ككل.
- هذا الارتباط يجعل أي تباطؤ أو انهيار في سوق العقارات ذا تأثير انكماشي كبير على الاقتصاد، قد ينعكس في تراجع الاستهلاك وتآكل الثروة الأسرية، خصوصًا عبر تأثير انخفاض أسعار المنازل على ثقة الأسر.
- رغم التراجع المسجّل في السنوات الأخيرة، لا يزال السوق العقاري محورياً في البنية الاقتصادية للصين.
ويشدد على أن السوق العقارية شهدت خلال الفترة الماضية انكماشًا في الاستثمار والطلب، مع تراجع المبيعات وتسارع انخفاض أسعار المنازل، معتبرًا أن هذا الانكماش شكّل أحد أسباب تباطؤ النمو الاقتصادي المحلي في بعض الفصول، وذلك على الرغم من الأداء الجيد للصادرات والصناعات الأخرى.
ويتابع الخفاجي أن للعقار في الصين دورًا اجتماعيًا وسياسيًا بالغ الحساسية، إذ إن امتلاك المنزل لا يُعد مجرد استثمار، بل شرطًا اجتماعيًا مهمًا للاستقرار الأسري والزواج، منبهاً إلى أن أي تراجع حاد في الأسعار قد يؤدي إلى توترات اجتماعية واسعة ويؤثر على استقرار النظام.
ويوضح أن الحكومة الصينية تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، حيث تحرص على الموازنة بين تفادي فقاعة عقارية جديدة وتحفيز الاقتصاد، لافتًا إلى أن هذا الحذر ينعكس في تبني أدوات نقدية وسياسات مالية متدرجة، تهدف إلى حماية الاستقرار المالي وعدم تعميق المخاطر البنكية والديون العقارية.
وفي المقابل، يشير الخفاجي إلى أن الصين تمتلك طموحات كبيرة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، موضحًا أنها أطلقت خططًا استراتيجية واسعة مثل مبادرة "AI Plus" لتعزيز دمج الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد. لكنه يؤكد أن هذه التقنيات تتطلب استثمارات طويلة الأجل وبنية تحويلية في التعليم والبحث والتطوير، ما يعني أن عوائدها لا تتحقق بالسرعة نفسها التي يوفّرها القطاع العقاري.
ويضيف أن الاستثمار في العقارات يظل، في المدى القصير، أكثر قدرة على توليد السيولة والأنشطة الاستهلاكية والبنائية، خاصة في بيئة تتسم ببطء الطلب الاستهلاكي، مشيرًا إلى أن الربحية الفورية للعقار غالبًا ما تكون أعلى مقارنة بالاستثمارات في التقنيات الحديثة.
ويتابع أن الصين تعمل على تنويع اقتصادها تدريجيًا عبر قطاعات السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، لكنها لا تستطيع التخلي بشكل مفاجئ عن العقار بوصفه العمود الفقري التقليدي للاقتصاد، لما قد يحمله ذلك من مخاطر اجتماعية واقتصادية كبيرة.
ويختتم الخفاجي بالقول:
- القطاع العقاري لا يزال ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي في الصين بحكم حجمه وتأثيره المالي والاجتماعي، في حين تمثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مستقبل النمو طويل الأجل.
- بكين تسعى حاليًا إلى تحقيق توازن دقيق بين إدارة التحديات العقارية الراهنة والانتقال التدريجي نحو اقتصاد قائم على الابتكار، مع تقليل المخاطر الناتجة عن تراجع أي من أعمدة الاقتصاد بشكل مفاجئ.










