كيف تعيد المخاطر الجيوسياسية تشكيل أسواق السلع العالمية؟
10:13 - 09 يناير 2026
تتصاعد المخاطر الجيوسياسية اليوم من كونها أحداثاً طارئة على هامش الأسواق إلى عنصرٍ مركزي يعيد رسم خريطة تسعير السلع العالمية، في وقت تبدو فيه أسواق الأسهم أقل اكتراثاً بالصدمات السياسية مقارنة بما تشهده أسواق الطاقة والمعادن؛ فالصراعات المختلفة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وحتى فنزويلا، لم تعد تمر مرور العابر، بل باتت تترك بصمتها بشكل متفاوت على الأسواق.
تتحول الصراعات الدولية تدريجيًا إلى آلية تسعير دائمة، حيث لم تعد الأسواق تنتظر وقوع النقص الفعلي في الإمدادات كي تعيد حساباتها، إنما تدمج علاوة مخاطر جيوسياسية ثابتة تعكس هشاشة التجارة العالمية، وتصاعد النزعة القومية في الموارد، وتفكك سلاسل التوريد.
تكشف عديد من التقارير وشهادات الخبراء أن هذا التحول يمتد إلى سلوك المستثمرين، واستراتيجيات الدول، وبنية الأسواق نفسها، مع تراجع منطق العولمة لصالح مفاهيم الأمن الاستراتيجي.
تحت عنوان (عصر جديد من المخاطر الجيوسياسية يعيد تشكيل أسواق السلع العالمية)، يشير تقرير لـ "بيزنس إنسايدر" إلى أنه:
- في حين تجاهلت أسواق الأسهم إلى حد كبير الصدمات الجيوسياسية الأخيرة، إلا أن السنوات القليلة الماضية من الحروب الساخنة والباردة قد أعادت تشكيل أسواق السلع.
- من أوكرانيا إلى فنزويلا، أثرت الصراعات المستمرة والناشئة على كل شيء من النفط إلى الذهب إلى النحاس.
كتب فريق من الباحثين في مجال السلع الأساسية في مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس: "لطالما أثرت المخاطر الجيوسياسية على أسعار السلع، لكنها باتت تعمل بشكل متزايد كعامل تسعير مستمر بدلاً من كونها صدمة عابرة".
وبينما لا تزال الأحداث الحادة قادرة على إحداث تحركات سعرية حادة، تميل الأسواق الآن إلى تضمين علاوة مخاطر ثابتة تعكس هشاشة سلاسل التوريد المستمرة، وتجزئة التجارة، والنزعة القومية في الموارد.
في نهاية المطاف، أصبح الصراع آلية تسعير دائمة بدلاً من كونه مجرد ومضة مؤقتة على رادارات التجار.
وأضافوا: "نتيجة لذلك، يتم دمج الاعتبارات الجيوسياسية بشكل أكثر منهجية في التسعير وقرارات الاستثمار واستراتيجيات الشراء في العديد من أسواق السلع الأساسية، بدلاً من استبعادها بسرعة بمجرد أن يختفي حدث ما من عناوين الأخبار".
ويقول العديد من التجار والخبراء إن بداية هذه الحقبة الجديدة لأسواق السلع الأساسية بدأت في عام 2022 مع الحرب في أوكرانيا. وفي السنوات الأربع التي تلت ذلك، شهد العالم تجدد القتال في أنحاء الشرق الأوسط، وتصاعد التوترات بين الصين وتايوان، ومؤخراً، الغارة الأمريكية المفاجئة على فنزويلا .
عامل رئيسي
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- المخاطر الجيوسياسية باتت عاملاً رئيسياً يعيد تشكيل أسواق السلع العالمية بعمق يتجاوز ما يظهر على السطح.
- تأثير هذه المخاطر لا يقتصر على تحركات سعرية مؤقتة، بل يمتد ليشمل بنية الأسواق وسلوك المستثمرين، وسلاسل الإمداد، وحتى الاستراتيجيات الحكومية طويلة الأمد.
- الصدمات السياسية المرتبطة بصراعات أو عقوبات تؤدي إلى اختلالات فورية في الإمدادات، لا سيما في قطاعات الطاقة والمعادن الصناعية.
- إغلاق ممرات استراتيجية أو فرض عقوبات على منتجين كبار يعيد تسعير المخاطر داخل العقود الآجلة، ما يرفع ما يُعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية حتى قبل حدوث نقص فعلي على أرض الواقع.
ويوضح أن الأسواق تبدأ في استيعاب هذه المخاطر مبكرًا، لافتًا إلى أن السلع في بيئات عدم اليقين المرتفع تتحول من مجرد أدوات إنتاجية إلى أدوات تحوط مالي.
ويضيف أن الذهب، على سبيل المثال، يستعيد دوره كملاذ آمن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية أو تراجع الثقة بالعملات، في حين تصبح أسعار النفط والغاز أكثر ارتباطًا بالقرارات السياسية من ارتباطها بمؤشرات العرض والطلب التقليدية.
ويتابع صليبي:
- التحولات الجيوسياسية تدفع الدول والشركات إلى إعادة رسم سلاسل التوريد وتنويع مصادرها لتقليل الاعتماد على مناطق محددة.
- هذا التوجه يرفع تكاليف الإنتاج والنقل ويخلق فجوات سعرية إقليمية للسلعة نفسها، بحيث يختلف السعر وفقًا لمستوى المخاطر الجغرافية.
- التقلبات العالية أصبحت مكونًا دائمًا في تسعير السلع، حيث لم تعد الأسواق تعتمد فقط على البيانات الاقتصادية، بل على سيناريوهات سياسية محتملة، مثل توسع النزاعات أو فرض عقوبات جديدة أو تغير التحالفات الدولية.
ويشدد على أن العالم يشهد تحولًا واضحًا من العولمة إلى مفهوم الأمن الاستراتيجي، حيث لم تعد الدول تنظر إلى السلع كأدوات تجارية فحسب، بل كأصول سيادية، ما يدفعها إلى تعزيز احتياطاتها الاستراتيجية والتدخل المباشر في الأسواق، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حركة الأسعار واتجاهات السوق.
تأثير الاضطرابات الجيوسياسية
وتحلل دراسة جديدة نُشرت في مجلة Energy Policy بيانات تمتد لـ30 عاماً، وتُظهر أن التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين تُحدث تأثيرات غير خطية في أسواق الطاقة، إذ تؤدي إلى تعزيز مؤقت للإنتاج، لكنها ترفع الأسعار على المدى الطويل وتخلق أنماط استهلاك شديدة التقلب.
تستخدم الدراسة أدوات الاقتصاد القياسي الكمي للكشف عن كيفية عمل الحروب التجارية والتنافس الاستراتيجي كصدمات منهجية عبر آفاق زمنية مختلفة، مع تضخّم آثارها خلال الأزمات الكبرى مثل جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية–الأوكرانية.
كما تُظهر النتائج أن تقلب أسعار الطاقة الناتج عن استمرار التوترات الأميركية–الصينية يعزز هيمنة الصين في معالجة العناصر الأرضية النادرة، حيث إن القدرات المتكاملة والمدعومة من الدولة الصينية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية مقارنة بالاستراتيجيات الغربية المجزأة.
تحولات
يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- المخاطر الجيوسياسية لم تعد مجرد صدمات عابرة في أسواق السلع، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى عامل دائم وهيكلي يؤثر في تسعير السلع وتوازنات العرض والطلب.
- الأسواق العالمية تشهد تغيرًا عميقًا نتيجة استمرار بؤر التوتر وعدم اليقين السياسي والاقتصادي.
- ارتفاع أسعار المعادن الصناعية يمثل مثالًا واضحًا على هذا التحول، إذ لا ينعكس فقط على الأسعار بل يمتد تأثيره إلى معدلات التضخم ومخاطر إضافية تطال القطاع الصناعي ككل.
ويستدل على ذلك على سبيل المثال بأسعار النحاس التي تسجل ارتفاعاً مدفوعًا بتعطل الإنتاج في مناجم رئيسية وتنامي المخاوف بشأن سلاسل الإمداد العالمية، ما يعكس انتقال التسعير من الاعتماد على أساسيات السوق إلى احتساب علاوة مخاطر جيوسياسية ترفع تكلفة رأس المال وتدفع المستثمرين إلى مراجعة توقعاتهم.
كما يشير إلى أن السلع الآمنة، وعلى رأسها الذهب والفضة، تُعد مؤشرًا مباشرًا على تصاعد التوترات، لافتًا إلى أن سعر الذهب ارتفع إلى أكثر من 4,400 دولار للأونصة في ظل تفاقم التوترات في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، في تحرك نموذجي للأسواق التي تلجأ إلى الملاذات الآمنة مع تصاعد عدم اليقين الاقتصادي وتقلبات الأسواق.
وفيما يتعلق بسوق الطاقة، يقول الخفاجي إن النفط يظل عصبًا رئيسيًا للعديد من الصناعات، إلا أن التوترات الجيوسياسية لا تترجم دائمًا إلى ارتفاعات فورية وقوية في الأسعار.
ويوضح أنه رغم الأحداث في الشرق الأوسط وأوكرانيا، ظل خام برنت في نطاق 61–65 دولارًا للبرميل وهو مستوى أدنى من الذروات السابقة، نتيجة زيادة الإنتاج الأميركي وتعويض الإمدادات من مصادر بديلة. لكنه ينبه إلى أن التحذيرات السابقة بشأن احتمال إغلاق مضيق هرمز أثرت تاريخيًا على الأسعار، حيث قدرت بعض البنوك علاوة المخاطر بنحو 10 دولارات إضافية للبرميل في السيناريوهات المتشددة.
ويضيف الخفاجي أن سلاسل الإمداد والتجارة العالمية باتت من أكثر القنوات تأثرًا بالمخاطر الجيوسياسية، إذ أدت التوترات إلى إعادة تصميم مسارات التجارة والطاقة، مع سعي الدول إلى إيجاد ممرات بديلة لتفادي نقاط الاختناق الاستراتيجية مثل مضيق هرمز. ويؤكد أن سياسات التعريفات الجمركية والقيود على الصادرات تعيق انسياب السلع، ما يرفع تكلفة سلاسل التوريد ويضيف طبقات جديدة من المخاطر، فضلًا عن أن عدم الاستقرار الجيوسياسي يخلق تقلبات حادة في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، بما فيها المواد الغذائية، المرتبطة بالتوقعات أكثر من ارتباطها بالبيانات الاقتصادية وحدها.
ويختم الخفاجي حديثه بالقول إن المخاطر الجيوسياسية أعادت تشكيل أسواق السلع عبر ثلاث آليات رئيسية:
- أولًا، إدراج مخاطر دائمة في التسعير بدلًا من صدمات مؤقتة.
- ثانيًا، إعادة توجيه سلاسل الإمداد والطاقة بعيدًا عن نقاط الضعف الجغرافية التقليدية.
- ثالثًا، تصاعد التقلبات في أسعار المعادن الحيوية والطاقة، بالتوازي مع ارتفاع كبير في الطلب على الملاذات الآمنة مثل الذهب.
ويؤكد أن الأسواق لم تعد تتفاعل فقط مع معطيات العرض والطلب، بل مع تقييمات المخاطر الجيوسياسية المستمرة باعتبارها أساسًا رئيسيًا لتحركات الأسعار والاستراتيجيات الاستثمارية.








