الزراعة الأميركية تختنق.. .. هل فات أوان الإصلاح؟
12:44 - 11 مايو 2026
عادة كل خمس سنوات، يقرّ الكونغرس الأميركي قانوناً جديداً للزراعة يشكّل الإطار الناظم لأحد أكبر القطاعات الاقتصادية في البلاد.
وغالباً ما تنحصر النقاشات في القضايا الحزبية التقليدية، مثل حجم المساعدات الغذائية للفئات منخفضة الدخل، التي يسعى الديمقراطيون إلى توسيعها بينما يدفع الجمهوريون نحو تقليصها، إضافة إلى برامج الدعم الحكومي والتأمين الزراعي الممنوحة للمزارعين.
وبصحيفة فاينانشال تايمز، فإن مشروع القانون الجديد، الذي أقرّه مجلس النواب وبدأ مساره التشريعي في مجلس الشيوخ، لا يخرج كثيراً عن هذا النمط المعتاد. لكنه، بحسب مراقبين، يتجاهل القانون مشكلة أعمق وأكثر إلحاحاً: خللاً بنيوياً متراكماً في النظام الزراعي الأميركي نفسه.
قوة زراعية عالمية… لكن بمحاصيل محدودة
تُعد الولايات المتحدة ثالث أكبر منتج زراعي في العالم، وثاني أكبر مصدّر للمنتجات الزراعية، وهي مكانة طالما استُخدمت للدلالة على قوة النظام الغذائي الأميركي.
غير أن فاينانشال تايمز تلفت إلى أن الجزء الأكبر من هذا الإنتاج يتركّز في محاصيل محدودة، في مقدمتها الذرة وفول الصويا، اللذان يُستخدمان أساساً في إنتاج الوقود الحيوي، وإطعام الماشية، والتصدير.
وفي المقابل، تراجع إنتاج الفواكه والخضراوات بشكل مستمر على مدى عقود، رغم الزيادة المطّردة في إنتاج الحبوب.
ونتيجة لذلك، بات الأميركيون يعتمدون على الاستيراد لتأمين 59 بالمئة من الفواكه الطازجة و35 بالمئة من الخضراوات، في مفارقة تعكس اختلال أولويات النظام الزراعي.
السوق الحرة وحدها لا تكفي
قد يرى البعض أن هذا التحول مجرد انعكاس طبيعي لآليات السوق العالمية، لكن اقتصاديين يحذرون من أن "الآثار الجانبية السلبية" لهذا النموذج باتت مكلفة إلى درجة لم يعد من الممكن تجاهلها.
ويقول آندي غرين، المستشار الزراعي في إدارة الرئيس السابق جو بايدن، إن "المعايير المستخدمة لقياس النجاح أصبحت خاطئة"، مؤكداً أن بناء نظام أكثر مرونة يتطلب تجاوز التركيز الضيق على الإنتاجية قصيرة الأجل، بحسب فاينانشال تايمز.
إنتاج قياسي… وأرباح تتآكل
المفارقة أن المزارعين الأميركيين يحققون اليوم مستويات إنتاج غير مسبوقة، إذ سجّل حصاد الخريف الماضي أرقاماً قياسية. لكن هذه الوفرة لم تنعكس أرباحاً، بل على العكس، أدت إلى فائض في المعروض وتراجع الأسعار، بالتزامن مع ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج.
وخلال عامي 2024 و2025، ارتفعت حالات إفلاس المزارع بنسبة 46 بالمئة، لتعود إلى مستويات لم تُسجل منذ أزمة "فارم إيد" في ثمانينيات القرن الماضي.
خطط إنقاذ بمليارات الدولارات
في محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أواخر العام الماضي، عن خطة إنقاذ بقيمة 12 مليار دولار لدعم المزارعين، بعد حزم سابقة بلغت 30 مليار دولار خلال ولايته الأولى.
وجاءت هذه الخطوات لتعويض الخسائر الناتجة عن الحروب التجارية، والكوارث المناخية، والارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة ومدخلات الإنتاج، التي قفزت بعد الحرب في أوكرانيا، ثم واصلت الصعود مع اندلاع الحرب في إيران.
سياسات قديمة… وأزمة ممتدة
ورغم أن بعض أوجه الأزمة تعود إلى السياسات التجارية لإدارة ترامب، فإن جذورها أعمق من ذلك بكثير. فالنظام الزراعي الأميركي، بحسب تحليل فاينانشال تايمز، كان يتجه نحو هذا المأزق منذ عقود، وتحديداً منذ تبني سياسة "إما أن تتوسع أو تخرج من السوق"، التي صاغها وزير الزراعة الأميركي الأسبق إيرل بوتز في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون.
هذه السياسة ألغت كثيراً من توازنات "الصفقة الجديدة"، وشجّعت على تركّز القطاع في أيدي عدد محدود من اللاعبين الكبار، مع التركيز على إنتاج سعرات حرارية رخيصة وترك السوق الحرة تتولى بقية التفاصيل.
هشاشة في زمن الأزمات
ومع تزايد إدراك العالم لمخاطر الاعتماد على سلاسل إمداد مركّزة - كما حدث في قطاعات أشباه الموصلات والطاقة - بدأت الكلفة الحقيقية لنظام زراعي يعتمد على محاصيل محدودة تظهر بوضوح.
هذا النموذج يزيد من هشاشة القطاع أمام تقلبات أسعار الطاقة والأسمدة، ويستنزف التربة، ما يفرض استخدام كميات أكبر من المواد الكيميائية للحفاظ على الإنتاج، وسط تصاعد المخاوف الصحية والبيئية، كما تعكسها القضايا القانونية المرتبطة بشركة "مونسانتو".
المزارعون يريدون التغيير… والسياسات تعرقلهم
يؤكد كثير من المزارعين الأميركيين رغبتهم في تنويع محاصيلهم، لكن السياسات الحالية لا تشجع على ذلك. فالدعم الحكومي وبرامج التأمين الزراعي ترتبط باتساع المساحات المزروعة، لا بتنوع الإنتاج أو استدامته.
كما أن ارتفاع تركّز قطاع التجزئة الغذائية يفضّل التعامل مع كبار المنتجين، ما يقلّص فرص المزارع الصغيرة والمتوسطة.
التصدير إلى الصين… رهان خاسر؟
يضاف إلى ذلك المخاطر المرتبطة بالاعتماد على تصدير المحاصيل النقدية الرخيصة، وهو ما برز بوضوح مع تراجع مشتريات الصين من فول الصويا الأميركي خلال فترات التوتر التجاري.
وفي هذا السياق، يطرح محللون تساؤلات حول جدوى استمرار إنفاق مليارات الدولارات لدعم إنتاج محاصيل لم يعد أكبر مشترٍ لها — الصين — راغباً فيها، خصوصاً مع تسارع توجه بكين نحو الاكتفاء الغذائي الذاتي.
قانون لا يكفي… لكن إعادة التفكير ضرورة
صحيح أن قانوناً واحداً لا يمكنه حل أزمة هيكلية بهذا الحجم، لكن خبراء يرون أن المطلوب هو "تفكير شمولي" يعيد تصميم النظام الزراعي الأميركي على أسس أكثر توازناً واستدامة.
إحدى القضايا المطروحة حالياً تتعلق بمحاولات مشروع القانون الزراعي تقويض قواعد "المقترح 12" في ولاية كاليفورنيا، الذي يفرض معايير أعلى لإنتاج لحم الخنزير. ويرى منتقدون أن إلغاء هذه المعايير قد يصب في مصلحة شركات عملاقة، بينها شركات مملوكة للصين، في مفارقة لا تنسجم مع التوجه الأميركي المعلن لتقليل الاعتماد على بكين.
مفارقة أميركية
كما هو الحال في كثير من جوانب النظام الغذائي الأميركي، يكشف هذه التحليل عن مفارقة كبيرة: إنتاج وفير، إنفاق ضخم، لكن نموذج اقتصادي يزداد هشاشة مع كل أزمة جديدة. وبينما يواصل الكونغرس نقاشاته التقليدية، تبقى الأسئلة الأعمق حول مستقبل الغذاء والزراعة في الولايات المتحدة بلا إجابات حاسمة.






