ما العوامل التي تهدد نماذج ربحية الشركات الأميركية؟
15:05 - 21 أبريل 2026
تواجه الشركات الأميركية في المرحلة الراهنة مفارقة لافتة؛ إذ تسجل أرباحاً قياسية مدفوعة بعوامل هيكلية قوية، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والمالية التي تهدد استدامة هذا الأداء.
تعكس هذه الحالة مزيجاً من التفاؤل في الأسواق المالية، يقابله حذر متنامٍ لدى الخبراء بشأن قدرة الشركات على الحفاظ على معدلات النمو المرتفعة.
تُظهر البيانات أن بيئة الأعمال خلال السنوات الماضية كانت داعمة بشكل نسبي، بفضل التقدم التكنولوجي، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، واستمرار النمو الاقتصادي، إضافة إلى سياسات نقدية ومالية مواتية عززت من هوامش الربحية. كما أسهمت قوة الشركات الكبرى وتركيز السوق في يد عدد محدود منها في دعم قدرتها على التحكم بالأسعار وتقليل التكاليف، ما ساعد على تحقيق مستويات غير مسبوقة من الأرباح.
بينما تطرح التطورات الأخيرة تساؤلات جدية حول مستقبل هذه الربحية، في ظل تصاعد الضغوط التضخمية، وارتفاع أسعار الفائدة، وتزايد التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج. كما يواجه صناع القرار والشركات معضلة التوازن بين الحفاظ على هوامش الربح وعدم تحميل المستهلك أعباء إضافية، الأمر الذي يجعل آفاق النمو أكثر غموضاً في الفترة المقبلة.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن:
- الأوضاع مواتية للشركات الكبرى؛ ففي الربع الأخير من عام 2025، وعلى الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل بشكل كبير، إلا أن أرباح الشركات قبل الضرائب سجلت رقماً قياسياً، حيث بلغت أعلى نسبة لها من الناتج المحلي الإجمالي منذ بدء تسجيل البيانات في العام 1947.
- يتوقع محللو وول ستريت هذا العام أن تكون الأرباح أقوى على الأرجح، على الرغم من تراجع ثقة المستهلكين وارتفاع تكاليف الطاقة.
- على سبيل المثال، لا يزال مايك ويلسون، كبير مسؤولي الاستثمار في مورغان ستانلي، متمسكاً بتوقعه بأن ترتفع أرباح شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 17 بالمئة في عام 2026.
- دفع التفاؤل باستمرار النمو الهائل للأرباح مؤشر ستاندرد آند بورز 500 إلى مستوى قياسي هذا الأسبوع.
لكن السؤال الآن "هل سيستمر هذا النمو؟". يشير التقرير إلى أنه لدى الخبراء آراء مختلفة، إلا أن الكثير منهم يتفق على أن هامش نمو الأرباح يتقلص.
ويُبرز التقرير في السياق نفسه عدة مؤشرات أساسية:
- التكنولوجيا: خاصة الذكاء الاصطناعي، الذي رفع الإنتاجية والأرباح داخل وخارج قطاع التقنية.
- غياب الركود: استمرار النمو الاقتصادي منذ 2009 (باستثناء صدمة كورونا) دعم استقرار الأرباح.
- قوة الشركات الكبرى: تركز السوق بيد عدد قليل من الشركات منحها قدرة أكبر على التحكم بالأسعار وتقليل التكاليف.
- السياسات الاقتصادية: انخفاض الضرائب وأسعار الفائدة تاريخياً أسهم بشكل كبير في زيادة الأرباح.
لكن التقرير في الوقت نفسه يشير إلى أن هناك مخاطر قد تحد من هذا النمو، مثل ارتفاع أسعار الفائدة، تغير السياسات، وزيادة الضغوط السياسية والشعبية بسبب تأثير ذلك على العمال.
ضغوط تضخمية
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- ثمة عدة عوامل رئيسية ستؤثر على ربحية الشركات الأميركية خلال الربع المقبل؛ في مقدمتها التداعيات المستمرة للحرب وما نتج عنها من ضغوط تضخمية.
- هذه الضغوط تنعكس مباشرة على المستهلك من خلال تآكل القوة الشرائية، ما يؤدي إلى تراجع الطلب وبالتالي الضغط على المبيعات وإيرادات الشركات.
- التأثير لا يقتصر على التضخم فقط، بل يمتد أيضاً إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.
- ضعف النمو يعني بالضرورة تباطؤ نمو أرباح الشركات.
كما يشير يرق أيضاً إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والسلع المرتبطة بسلاسل الإمداد يمثل عاملاً إضافياً يزيد من الضغوط على هوامش الربحية، خاصة في ظل الاختناقات التي شهدتها الأسواق مؤخراً نتيجة صدمات الطاقة.
وفي المقابل، يلفت إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي لا يزال يشكل نقطة دعم مهمة، مع استمرار تدفق الاستثمارات إليه، إلا أن هذا الدعم قد لا يكون كافياً لتعويض التأثيرات السلبية الأوسع في حال استمرار الأزمة.
ويؤكد أن مسار الأزمة الجيوسياسية سيبقى عاملاً حاسماً، موضحاً أنه في حال التوصل إلى تهدئة خلال الأيام المقبلة، فإن حدة الصدمة على الأسواق قد تكون محدودة. أما إذا استمرت الأزمة لأسابيع، خصوصاً مع أي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز، فإن ذلك قد يؤدي إلى صدمة سعرية كبيرة تنعكس سلباً على نتائج الشركات في الربع التالي.
ويضيف أن الضغوط التضخمية قد تدفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، وربما رفعها مجدداً، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على ربحية الشركات، رغم أن الأسواق كانت تراهن في وقت سابق على بدء دورة خفض الفائدة.
موسم أرباح قوي
ويُنظر لموسم الأرباح الحالي على اعتبار أنه موسم قوي، فبحسب تحليلات فاكت سيت، فإنه من بين حوالي 50 شركة نشرت أرقامها الفصلية، حققت حوالي 86 بالمئة منها أرباحاً أفضل من المتوقع.
وخلال الأسبوع الجاري، تعلن 88 شركة مدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 تُعلن نتائجها، على رأسهم تسلا وبوينغ (يوم الأربعاء)، إضافة إلى شركة يونايتد إيرلاينز (اليوم الثلاثاء) وشركة إنتل لصناعة الرقائق الإلكترونية (يوم الخميس المقبل).
ضغط على الأساسيات
من جانبه، يقول كبير محللي الأسواق المالية في FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- المكاسب القياسية التي سجلتها الأسواق الأميركية مؤخراً لا تعكس بالضرورة استقراراً في الأساسيات.
- ثمة مجموعة من العوامل التي قد تضغط على ربحية الشركات خلال الربع المقبل.
- ارتفاع تكاليف الطاقة، مدفوعاً بصعود أسعار النفط، يشكل ضغطاً مباشراً على هوامش الأرباح، سواء من خلال زيادة تكاليف الإنتاج أو النقل.
- استمرار هذه الضغوط قد يدفع معدلات التضخم للارتفاع مجدداً إلى مستويات تقارب 4 بالمئة.
ويضيف أن الشركات ستجد نفسها أمام خيارين:
- الأول: امتصاص هذه التكاليف على حساب هوامش الربحية.
- الثاني: تمريرها إلى المستهلك، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب.
كما يشير إلى أن استمرار بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، في ظل تراجع توقعات خفض الفائدة وعودة احتمالات رفعها، يزيد من تكلفة التمويل ويرفع أعباء الديون، الأمر الذي يضغط على تقييمات الأسهم، خاصة أسهم النمو، ويؤثر سلباً على الاستثمار والإنفاق الرأسمالي.
ويلفت صليبي إلى أن تباطؤ النمو الاقتصادي المحتمل، نتيجة التوترات الجيوسياسية، قد ينعكس سلباً على الطلب المحلي والعالمي، خصوصاً بالنسبة للشركات الدورية في قطاعات الصناعة والسلع. كما يؤكد أن اضطرابات سلاسل الإمداد واستمرار التوترات الجيوسياسية يعززان حالة عدم اليقين في الأسواق، ويدفعان نحو مزيد من التقلبات الحادة.
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن التقييمات المرتفعة للأسواق تجعلها أكثر عرضة لأي مفاجآت سلبية، محذراً من أن أي خيبة أمل في نتائج أرباح الشركات قد تؤدي إلى تصحيحات حادة في الفترة المقبلة.













