البيتكوين يفقد بريق "الذهب الرقمي"... هذه أبرز الأسباب
09:29 - 02 فبراير 2026تتعرّض سردية "البيتكوين كذهب رقمي" لاختبار قاسٍ مع عودة موجات التقلب إلى الأسواق العالمية، في وقت يتجه فيه المستثمرون تقليدياً نحو الأصول الآمنة هرباً من الضبابية الجيوسياسية والتوترات التجارية المتصاعدة.
يكشف الهبوط الأخير في أسعار العملات المشفرة تحوّل أعمق في طريقة تعامل المستثمرين مع الأصول الرقمية، التي لطالما وُضعت في خانة التحوط من التضخم والاضطرابات الاقتصادية.
- انخفض سعر البيتكوين إلى أدنى مستوى له منذ صدمة الرسوم الجمركية في العام الماضي، وقد تلاشت سمعته كونه "المكافئ الرقمي للذهب".
- هبطت العملة المشفرة الأكبر من حيث القيمة السوقية إلى ما دون 80 ألف دولار، لتعمق خسائرها منذ بداية العام بنسبة 13 بالمئة تقريباً.
- يأتي هذا التحرك رغم الارتفاع "الشهري" الحاد في أسعار الذهب والمعادن النفيسة الأخرى -رغم أنها قلصت مكاسبها بنهاية الشهر- حيث يسعى المستثمرون إلى ملاذ آمن في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والتهديدات بفرض تعريفات جمركية.
ولطالما روّج أنصار العملات المشفرة للبيتكوين باعتباره "ذهبًا رقميًا"، وهو نسخة افتراضية من المعدن الثمين، ويقولون إن العملة المشفرة هي أصل ملاذ آمن في أوقات التوتر.
وينقل تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" عن كبير استراتيجيي الأسواق العالمية في شركة ماركس سوليوشنز، إيلان سولوت، قوله: البيتكوين "أصل يبحث عن نموذج تقييم".. "لا يوجد إجماع واضح" حول ما يجب أن يدفع سعره.
كما يقول العضو المنتدب في شركة بيمكو، برامول داوان، إن سردية الذهب الرقمي للبيتكوين قد "اختفت" وأن انخفاض سعرها يظهر أنها "ليست ثورة نقدية".
وكتب محللون في شركة أبحاث العملات الرقمية "كايكو": "إن ارتباط البيتكوين بالذهب غير مستقر بشكل أساسي، ويتأرجح بين علاقات إيجابية وسلبية قوية تبعاً للرواية الاقتصادية الكلية السائدة. وقد كشف تقلب التعريفات الجمركية عن أزمة هوية مستمرة للبيتكوين".
عوامل متداخلة
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- التراجع الحاد الذي شهدته العملات المشفّرة، وعلى رأسها بيتكوين، جاء نتيجة تداخل عدة عوامل أساسية وفنية، أدت إلى فقدانها أكثر من ثلث قيمتها مقارنة بمستويات أكتوبر.
- العامل الأبرز تمثّل في التطورات الأخيرة المتعلقة بالسياسة النقدية الأميركية، ولا سيما مؤشرات تشدد محتمل من جانب الاحتياطي الفيدرالي، ما عزز توقعات استمرار بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، وهي بيئة تضغط تقليدياً على الأصول عالية المخاطر مثل العملات المشفرة.
- هذا العامل وحده أسهم في تراجع بيتكوين بنحو 6 آلاف دولار خلال الشهر الجاري.
- تخارج السيولة من سوق العملات المشفرة كان عاملاً إضافياً مؤثراً، لافتاً إلى تسجيل موجة خروج ملحوظة من صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) المرتبطة بالعملات الرقمية، وهو ما زاد من حدة الضغوط البيعية.
كما يؤكد أن عزوف المستثمرين عن المخاطرة لعب دوراً مهماً في هذا التراجع، في ظل ارتفاع مستوى التقلبات وعدم وضوح الرؤية، موضحاً أن العملات المشفرة تُعد من أكثر الأصول حساسية لتغير شهية المخاطر لدى المستثمرين.
وعلى الصعيد الفني، يوضح يرق أن كسر مستويات الدعم الفنية دون 80 ألف دولار أدى إلى تسارع وتيرة الانخفاضات، ما نتج عنه عمليات تصفية واسعة للمراكز، خاصة تلك المعتمدة على الرافعة المالية، الأمر الذي ضاعف من الضغوط على الأسعار.
ويختتم حديثه بالقول إنه يتوقع أن تشكّل المنطقة الممتدة بين 69 و74 ألف دولار مستوى دعم محوري خلال المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن أي تحسن في شهية المخاطرة لدى المستثمرين قد يفتح المجال أمام موجة ارتفاعات جديدة في سوق العملات المشفرة.
وكان سعر البيتكوين قد بلغ مستويات قياسية إلى حوالي 125 ألف دولار في أواخر العام الماضي، حيث رحب المستثمرون بتحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعمة للعملات المشفرة، بما في ذلك تعيين جهات تنظيمية مواتية، ووقف إجراءات الإنفاذ ضد شركات العملات المشفرة، وإقرار قواعد تاريخية للعملات المستقرة.
لكن منذ ذلك الحين انخفض سعره بشكل حاد. كما فقدت عملات رقمية أخرى، بما في ذلك إيثيريوم وسولانا، قيمتها بشكل حاد منذ ذروتها في العام الماضي.
دفعت تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية، ومطالبه بالاستيلاء على غرينلاند، والتوترات الجيوسياسية الأوسع نطاقاً مع إيران وفنزويلا، المستثمرين إلى الإقبال على شراء الذهب والفضة، رغم تقليص مكاسبهما بنهاية الأسبوع الماضي. لكن المتداولين يتعاملون مع العملات المشفرة كأصل أكثر خطورة.
ويشير تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية، إلى أن انخفاض قيمة العملات المشفرة في الأيام الأخيرة بشكل خاص يأتي في أعقاب اختيار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لكيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، الأمر الذي عزز الدولار الأميركي وخفف المخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي. وقد يؤدي ارتفاع الدولار إلى تقليل جاذبية البيتكوين بين المستثمرين كعملة بديلة.
وفي حال مصادقة مجلس الشيوخ الأميركي، سيخلف وارش الرئيس الحالي جيروم باول . وتنتهي ولاية باول الحالية في مايو. وقد انتقد ترامب باول ، لا سيما لتردده في خفض أسعار الفائدة، منذ توليه منصبه في عام 2018.
يُعدّ انخفاض قيمة العملات المشفرة أحدث ضربة للمستثمرين الأفراد، الذين تأثروا بشدة بانخفاض حاد في أسعار الفضة الفورية يوم الجمعة، وهو أسوأ يوم للسوق منذ مارس 1980.
الأسباب والسيناريوهات
يقول رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- عملة بيتكوين فقدت أكثر من ثلث قيمتها منذ بلوغها ذروتها في أواخر عام 2025 عند مستويات قريبة من 126 ألف دولار، لتتراجع حالياً إلى ما دون 80 ألف دولار، في استمرار واضح لحالة النزيف التي تضرب الأصول الرقمية عالية المخاطر.
- هذا الهبوط لا يعود إلى عامل واحد فقط، بل هو نتيجة تداخل عوامل أساسية وتقنية وسلوكية.
- أبرز تلك العوامل تراجع السيولة العالمية وارتفاع تكاليف الاقتراض، في ظل تغير توقعات السياسة النقدية، والضبابية المحيطة بقيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ما زاد المخاوف من تشديد مالي أوسع يضغط بقوة على الأصول مرتفعة المخاطر، وفي مقدمتها العملات المشفرة.
ويضيف: انكماش السيولة يجعل عمليات المضاربة أكثر صعوبة ويحد من دخول سيولة شرائية جديدة، وهو ما انعكس بوضوح على صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالبيتكوين (Bitcoin ETFs)، التي شهدت خلال الأسابيع الماضية خروج مليارات الدولارات من رؤوس الأموال، في مؤشر واضح على تراجع الطلب المؤسسي، وليس فقط طلب المستثمرين الأفراد، الأمر الذي زاد من الضغوط البيعية على الأسعار، خصوصاً مع خروج مستثمرين كبار من السوق.
ويشير صليبي أيضاً إلى أن تصفية المراكز ذات الرافعة المالية العالية لعبت دوراً محورياً في تسريع الهبوط، حيث أدى كسر مستويات دعم فنية مهمة إلى عمليات إغلاق تلقائي للمراكز المقترضة، ما عزز الاتجاه الهابط وعمّق الخسائر، في مشهد مشابه لما شهدته أسواق الذهب مؤخراً.
ويبيّن أن هذه العوامل دفعت إلى ما يُعرف بـتدوير رؤوس الأموال، حيث تتجه السيولة من العملات المشفرة نحو أصول أقل تقلباً وأكثر أماناً، مثل السندات أو أدوات استثمارية أخرى، في ظل تصاعد المخاطر.
ويلفت إلى أن التوترات الجيوسياسية والسياسية والأخبار التنظيمية، بما في ذلك التصريحات المتعلقة بالرسوم الجمركية أو التغييرات المحتملة في الأطر التنظيمية، ما زالت تشكل عاملاً إضافياً لزيادة التقلبات الحادة في الأسواق.
وحول السيناريوهات المقبلة، يقول صليبي إن التنبؤ بموعد توقف النزيف السعري لا يزال مبكراً، إلا أن هناك عدة سيناريوهات محتملة، من بينها:
- سيناريو التماسك السعري في حال نجحت بيتكوين في الحفاظ على مستويات دعم نفسية وفنية مهمة بين 75 و80 ألف دولار، ما قد يخلق نوعاً من التوازن بين المشترين والبائعين ويحد من وتيرة التراجع.
- سيناريو الانعكاس الإيجابي في حال عادت السيولة إلى الأسواق، سواء عبر تخفيضات محتملة في أسعار الفائدة أو خطوات تنظيمية إيجابية قد تعيد الثقة وتجذب رؤوس الأموال من جديد.
وفي المقابل، يحذّر من أن استمرار سحب الأموال من صناديق البيتكوين وتراجع الطلب المؤسسي قد يدفع الأسعار إلى مستويات أدنى، خاصة إذا تفاقمت المخاوف السياسية والاقتصادية، في ظل التقلبات العنيفة التي شهدتها أسواق المعادن، وعلى رأسها الذهب، خلال الفترة الأخيرة.






