الإمارات والخليج.. حصن العالم المالي المنيع
07:43 - 15 أبريل 2026
تتداخل في المشهد الاقتصادي العالمي الراهن مجموعة من الضغوط الجيو-اقتصادية الحادة، يتصدرها التوتر في مضيق هرمز وما يترتب عليه من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والغذاء.
وفي ظل هذا التصعيد، تتبلور مؤشرات تحذيرية واسعة النطاق بشأن الأمن الغذائي العالمي، مدفوعة بارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة، واختلال منظومات النقل والشحن، ما يضع الاقتصادات النامية على وجه الخصوص أمام اختبارات قاسية.
وفي هذا السياق، جاءت مداخلات الشريك المؤسس لأكاديمية "ماركت تريدر" عمرو عبده خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على "سكاي نيوز عربية"، لتسلط الضوء على تشابك الأبعاد الاقتصادية للأزمة وتداعياتها متعددة المستويات.
مضيق هرمز.. شريان غذائي تحت التهديد
يشير الطرح التحليلي إلى أن مضيق هرمز لا يمثل فقط ممرًا للطاقة، بل يشكل أيضًا نقطة عبور رئيسية لما يقارب 30 بالمئة من تجارة الأسمدة عالميًا، ما يجعله عنصر ضغط مباشر على الأمن الغذائي الدولي. وفي حال الإغلاق أو التعطيل، تتوقع تحذيرات أممية أن يشهد العالم اضطرابًا واسعًا في القطاع الزراعي، مع انعكاسات قد تمتد إلى مستويات الجوع العالمي.
وبحسب المعطيات، ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 50 بالمئة منذ 28 فبراير، في وقت يعتمد فيه نحو مليار شخص على قطاع الزراعة كمصدر دخل مباشر. كما تشير التقديرات إلى وجود 45 مليون شخص مهددين بالجوع، و32 مليون آخرين معرضين للفقر نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والشحن.
ويضيف السياق أن الاعتداءات على منشآت الطاقة في دول الخليج، إلى جانب أي تعطيل محتمل في المضيق، أسهما في رفع أسعار الوقود عالميًا بين 30 بالمئة و50 بالمئة، ما ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الغذاء عالميًا، مع قاعدة اقتصادية مفادها أن “كل يوم تعطيل في مضيق هرمز يدفع ثمنه كل بيت في العالم”.
الأسمدة بين ندرة الغذاء وضغوط التضخم
أوضح عمرو عبده أن قطاع الأسمدة يمثل نقطة حساسة في المعادلة الاقتصادية العالمية، مشيراً إلى أن أي ارتفاع في تكلفته أو تراجعه ينعكس مباشرة على مستويات الإنتاج الزراعي. فالمزارعون في الاقتصادات النامية، في حال ارتفاع الأسعار أو صعوبة الوصول إلى الأسمدة، سيضطرون إلى تقليل الاستخدام، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي، ومن ثم خلق موجة ندرة غذائية مصحوبة بارتفاع حاد في الأسعار.
أثر غير متكافئ على الدول منخفضة الدخل
وأشار إلى أن الأثر السلبي لهذه الصدمة لا يتوزع بشكل متوازن، إذ تتحمل الدول ذات الدخل المنخفض العبء الأكبر. ففي المنطقة العربية وشمال إفريقيا، تصل نسبة الإنفاق الغذائي إلى نحو 42 بالمئة من دخل الأسرة، مقارنة بما بين 10 بالمئة و14 بالمئة في دول الخليج، ما يجعل تأثير ارتفاع الأسعار أكثر حدّة على الفئات الهشة.
ضغط مزدوج على الموازنات العامة
وتتضاعف الأزمة في الدول التي تعتمد على دعم الغذاء، مثل مصر التي تعد من أكبر مستوردي القمح عالمياً. إذ يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة أعباء الدعم الحكومي، وتراجع الاحتياطيات من العملة الأجنبية، بما يخلق "صدمة مزدوجة" تضغط على الموازنة العامة وتعمّق الاختلالات المالية.
الطاقة وسلاسل الإمداد وتأخير انعكاس الأسعار
في سياق أسواق الطاقة، أشار عبده إلى أن الارتفاعات الأخيرة في الأسعار لم تنعكس بالكامل بعد على المستهلك النهائي، نتيجة تراكم شحنات سابقة كانت في طريقها إلى الأسواق، لافتاً إلى أن بعض الشحنات استغرقت نحو 40 يوماً للمرور عبر مضيق هرمز قبل وصولها.
اختلال التوازن بين العرض والسيولة
وأوضح أن استمرار تأخر الإمدادات الجديدة، إلى جانب التردد في تفريغ المخزونات الاستراتيجية لدى بعض الدول، سيؤدي إلى استمرار الضغط التصاعدي على الأسعار، ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم العالمية.
انعكاسات على السياسات النقدية
هذا الوضع يضع البنوك المركزية أمام معضلة مزدوجة: بين رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، أو الإبقاء عليها منخفضة لدعم النمو، خاصة في الاقتصادات المعتمدة على العولمة وسلاسل التوريد العالمية.
الذهب بين التسييل المؤقت وصعود هيكلي محتمل
يرى عبده أن التراجع في أسعار الذهب يعود إلى عاملين رئيسيين: الأول مرتبط بعمليات بيع واسعة لتغطية نداءات الهامش نتيجة هبوط أسواق الأسهم العالمية، والثاني مرتبط بارتفاع عوائد السندات الأميركية، ما جذب جزءاً من السيولة بعيداً عن الذهب.
تكلفة الفرصة البديلة للذهب
وأشار إلى أن الذهب، رغم مكانته كملاذ آمن، لا يدر عائداً مالياً مقارنة بالسندات الأميركية التي توفر نحو 4.4 بالمئة، بينما يكلّف الاحتفاظ به نحو 40 نقطة أساس سنوياً، ما يجعله أقل جاذبية في فترات تشدد السيولة.
توقعات صعودية قوية
ورغم الضغوط الحالية، رجّح عبده أن يشهد الذهب موجة صعود قوية قد تصل إلى 5000 دولار، وربما 6000 دولار خلال 12 شهراً، خصوصاً في حال تسارع التحول نحو نظام نقدي عالمي متعدد الأقطاب.
إعادة تشكيل النظام النقدي والدولار
تناول عبده الجدل المتجدد حول مستقبل الدولار، مؤكداً أن النظام المالي العالمي لا يزال يعتمد عليه كعملة مرجعية، رغم التحولات الجيوسياسية. وأشار إلى أن حتى الصين، رغم رغبتها في تقليل الاعتماد على الدولار، تدرك أهمية استقراره لتجنب فقدان القدرة التنافسية لعملتها.
نظام السيولة العالمي
وأوضح أن قوة الدولار تكمن في كونه أداة سيولة عالمية خلال الأزمات، وهو ما لا يمكن تعويضه بسهولة في حال تراجع هيمنته، ما يجعل النظام المالي العالمي أكثر عرضة للتشرذم في حال غيابه.
البيتكوين وتدوير السيولة
وفي سياق الأصول البديلة، أشار إلى أن البيتكوين مرّ بمرحلة تراجع نتيجة تحول السيولة نحو قطاعات التكنولوجيا والصناعة والطاقة في الولايات المتحدة، لكنه أكد أن الاتجاه العام لا يزال صاعداً على المدى المتوسط، مع توقعات بعودته إلى مستويات تتجاوز 100 ألف دولار لاحقاً.
الخليج والإمارات.. صلابة مالية وهيكل متنوع
في مقابل هذه الضغوط، يبرز نموذج دول الخليج—وتحديدًا الإمارات—كحالة ذات قدرة أعلى على امتصاص الصدمات، وفق ثلاثة محددات رئيسية: القدرة المالية، المرونة السياسية، وكفاءة النظام المالي.
وتشير الأرقام إلى امتلاك دول الخليج أصولًا سيادية تُقدر بنحو 5.3 تريليون دولار، أي ما يعادل ثلث الأصول السيادية العالمية، إضافة إلى نحو 4.1 تريليون دولار حجم القطاع المصرفي الخليجي بحلول 2025.
كما تمتلك المنطقة نحو 32 بالمئة من احتياطيات النفط العالمية، وخمس احتياطيات الغاز، ما يعزز قدرتها على مواجهة تقلبات السوق.
وفي السياق ذاته، تؤكد تصريحات مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا أن “دول الخليج لن تنكسر في هذه الحرب”، في إشارة إلى متانة بنيتها الاقتصادية. كما يدعم بنك ستاندرد تشارترد هذا الاتجاه، معتبرًا أن تأثيرات الصدمات محدودة نسبيًا بفضل الاحتياطيات المالية والمرونة الاقتصادية.
أما على مستوى الإمارات، فيبرز مثال تكلفة التمويل العقاري كدلالة على كفاءة النظام المالي، حيث سجلت معدلات الرهن العقاري مستويات أقل بكثير مقارنة بالأسواق المتقدمة، ما يعزز جاذبية الاستثمار واستقرار التمويل طويل الأجل.
ثلاثة محركات للتعافي الاقتصادي
حدد عبده ثلاثة عناصر رئيسية تحدد قدرة الدول على التعافي: القوة المالية، المرونة السياسية، وكفاءة النظام المالي في استيعاب السيولة. وأكد أن هذه العناصر تتوفر بوضوح في دول الخليج.
الإمارات نموذج للمرونة والتمويل
وأشار بشكل خاص إلى الإمارات، موضحاً أن البيئة المالية فيها تتميز بقدرة عالية على جذب السيولة وتوزيعها بكفاءة. وقدم مثالاً على ذلك من خلال فروقات التمويل العقاري، حيث تبلغ معدلات الرهن في الولايات المتحدة نحو 6.7 بالمئة مقابل 3.9 بالمئة في بعض أسواق الخليج، ما يجعل بيئة الاستثمار العقاري أكثر جاذبية.
فجوة التمويل وديناميكية الاستثمار
هذا الفارق، بحسب التحليل، يعزز قدرة الاقتصادات الخليجية على استقطاب الاستثمارات طويلة الأجل، خاصة في ظل وجود ودائع مصرفية ضخمة ونظام مالي قادر على إعادة توجيه السيولة نحو القطاعات الإنتاجية.






