ليمند يرسم خارطة الأسواق: الذهب إلى مستويات قياسية
08:21 - 10 أبريل 2026
في مشهد لم تألفه الأسواق المالية من قبل، يُعيد الذهب رسم خريطة دوره في عالم الاستثمار، متحوّلاً من أداة طارئة يُلجأ إليها في أوقات الأزمات، إلى ركيزةٍ هيكلية تتصدّر المحافظ الكبرى.
هذا ما كشفه ريان ليمند، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة NeoVision لإدارة الثروات، خلال حديثه المعمّق مع برنامج "بزنس مع لبنى" على قناة سكاي نيوز عربية، في قراءة تحليلية تتشابك فيها مؤشرات الذهب والنفط والتضخم والجيوسياسة، لترسم صورةً استثمارية بالغة التعقيد والخطورة.
الذهب: انتقال من ملاذ دفاعي إلى أصل بنيوي في المحافظ
يرى ليمند أن الذهب لم يعد يُعامل كملاذ آمن يُلجأ إليه فقط في أوقات الاضطراب، بل تحوّل إلى أصل محوري داخل عدد واسع من المحافظ الاستثمارية العالمية. هذا التحول، بحسب توصيفه، يعكس إعادة صياغة لوظيفة الذهب من أداة حماية ظرفية إلى عنصر بنيوي في توزيع الأصول.
ويشير إلى أن تراجع الذهب بنسبة 11 بالمئة خلال شهر مارس لا يعكس ضعفاً في الطلب، بل يرتبط مباشرة بضغوط السيولة والهامش داخل المحافظ. ففي ظل تسجيل خسائر في أسهم كبرى مثل "إنفيديا"، ومؤشري "إس آند بي 500" و"ناسداك"، إضافة إلى "كاك 40" الفرنسي، لجأت شرائح من المستثمرين إلى تسييل جزء من الذهب لتغطية متطلبات الهامش.
ويبرز هنا دور صناديق التحوط وصناديق CTAs، والتي يصفها ليمند بأنها "الطبقة الرابعة من المستثمرين"، كونها تمثل شريحة متقدمة من الفاعلين في الأسواق، تلجأ إلى بيع الأصول الأكثر سيولة – وفي مقدمتها الذهب – لتغطية مراكزها المالية عند الضغط.
مستويات الذهب: 4200 دولار كنقطة اختبار حاسمة
يرى ريان ليمند أن سوق الذهب اختبر مستوى 4200 دولار خلال الأزمة الراهنة، معتبراً إياه مستوى دعم صعب يعقبه ارتداد سريع نحو مستويات أعلى. ويشير إلى أن أي هبوط باتجاه هذا الحد يقابله صعود مباشر نحو 4500 دولار، وهو المستوى الذي استقر حوله المعدل العام خلال الفترة الحالية.
ويؤكد أن هذا النطاق يمثل منطقة توازن صعب، في ظل بقاء المقاومة عند حدود مرتفعة. ويختم بإشارة لافتة إلى تأثير التصريحات السياسية، متسائلاً عن دور الرئيس ترامب ومنصاته في تحديد اتجاهات السوق على منصة تروث سوشيال وفق حديثه المتعلق بالأسواق المالية.
توقعات مستقبلية: 6000 دولار بنهاية عام 2026
يرجّح ليمند أن يستمر الطلب المؤسسي على الذهب مدفوعاً بسياسات البنوك المركزية التي ما تزال تضيف المعدن النفيس إلى احتياطاتها. ورغم الإشارة إلى بعض عمليات البيع المحدودة، مثل ما قام به البنك المركزي التركي، إلا أنه يصفها بأنها "نقطة في بحر" مقارنة باتجاه التراكم المستمر منذ عام 2000 حتى 2024.
في هذا السياق، يتوقع ليمند أن يصل الذهب إلى مستوى 6000 دولار بنهاية عام 2026، معتبراً أن هذا المسار مرتبط بتوازنات أعمق تشمل السياسات النقدية والتوترات الجيوسياسية وحركة السيولة العالمية.
الذهب كأداة ادخار منتظم لا مضاربة لحظية
يدعو ليمند إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع الذهب، معتبراً أنه أقرب إلى أداة ادخار طويلة الأجل منه إلى أصل مضاربي. ويقترح اعتماد استراتيجية الشراء الدوري الشهري عبر تخصيص جزء من الدخل بشكل منتظم.
ويؤكد أن هذه المقاربة تُقلل من أثر التذبذب السعري، إذ إن الشراء المتدرج يحدّ من المخاطر النفسية المرتبطة بتقلبات السوق مقارنة بالشراء لمرة واحدة عند مستويات سعرية مرتفعة.
الأداء النسبي: تفوق الذهب على الأصول التقليدية
يعرض ليمند مقارنة أداء الذهب بمؤشرات الأسهم الرئيسية، موضحاً أن:
- خلال 3 أشهر: الذهب +5.5 بالمئة مقابل تراجع S&P 500 بنسبة 9 بالمئة وناسداك 13 بالمئة
- خلال 6 أشهر: الذهب +28 بالمئة مقابل تراجع S&P 500 بنسبة 5 بالمئة وناسداك 8.5 بالمئة
- خلال سنة: الذهب +74 بالمئة مقابل تراجع S&P 500 بنسبة 20 بالمئة وناسداك 18 بالمئة
ويستنتج أن هذا التفوق يمتد على مستويات زمنية أطول، ما يعزز مكانة الذهب كأصل تحوطي واستثماري في آن واحد.
النفط: انفصال بين السوق الورقي والحقيقي
يشير ليمند إلى وجود فجوة بنحو 40 بالمئة بين السعر الورقي للنفط في الأسواق المالية وسعره الفعلي في السوق المادي، حيث يتراوح السعر الحقيقي للبرميل بين 150 و175 دولاراً وفق تقديراته التشغيلية.
ويعزو هذا الانفصال إلى هيمنة المشتقات المالية على آليات التسعير، ما يؤدي إلى تشكيل سعر "مُدار" لا يعكس بالضرورة القيمة الفعلية للسلعة.
مضيق هرمز وسلاسل الإمداد النفطية
يقدّر ليمند أن إعادة فتح مضيق هرمز واستعادة حركة الشحن الطبيعية تحتاج إلى فترة تتراوح بين 40 يوماً وشهرين، بينما تتطلب المصافي النفطية ما بين 3 إلى 4 أشهر لاستعادة طاقتها التشغيلية الكاملة.
وبناءً على ذلك، يرجّح استمرار الفجوة بين السعرين الورقي والحقيقي لمدة لا تقل عن 6 أشهر، ما يبقي السوق في حالة ازدواج تسعيري.
النفط والتوقعات السعرية والتأثير السياسي
يتوقع ليمند أن يتحرك النفط ضمن نطاق يتراوح بين 80 و120 دولاراً للبرميل، مع استمرار تأثير التصريحات السياسية على اتجاهات السوق، بما يعكس حساسية عالية للعوامل غير الاقتصادية في تحديد الأسعار.
تدفقات مالية غير اعتيادية قبل أحداث سياسية
يشير إلى تسجيل تحركات مالية كبيرة قبل أحداث سياسية حساسة، تضمنت عمليات بقيمة 500 مليون دولار وأخرى بقيمة 890 مليون دولار، معتبراً أنها تتجاوز المتوسطات اليومية المعتادة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذه التدفقات وضرورة التحقق منها.
السلع الصناعية والتضخم الهيكلي
ينبه ليمند إلى أن مواد استراتيجية مثل الهيليوم والألمنيوم تلعب دوراً محورياً في الصناعات المتقدمة، خصوصاً صناعة الشرائح الإلكترونية، حيث يؤدي أي نقص فيها إلى ضغوط سعرية مباشرة.
ويؤكد أن هذه الاختلالات لا تنعكس فوراً، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع النهائية خلال فترة تتراوح بين 6 و12 شهراً، ما يرسخ تضخماً جانب العرض.
دورة تضخمية ممتدة ومقارنة تاريخية
يقارن ليمند الوضع الحالي بأزمة النفط عام 1973، حين أدت صدمة عرض محدودة نسبياً إلى دورة تضخمية استمرت 11 عاماً. ويشير إلى أن نسبة الاضطراب الحالية في إمدادات الطاقة أعلى بكثير، ما يعزز احتمالات دورة تضخمية أطول.
يوضح أن البنوك المركزية تستطيع مواجهة تضخم الطلب عبر رفع أسعار الفائدة، لكنها تواجه صعوبة كبيرة في التعامل مع تضخم ناتج عن نقص العرض، ما يفتح المجال أمام سيناريو "الركود التضخمي".
الصين: الرابح الأكبر في التحولات الجارية
يؤكد ليمند أن الصين هي الرابح الأكبر من التطورات الجيوسياسية والاقتصادية الحالية، سواء من حيث تعزيز موقعها الاقتصادي أو من حيث اكتساب خبرات استراتيجية مرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوى.
ويضيف أن التغيرات الجارية تمنح الصين هامشاً أوسع لإعادة بناء موقعها في النظام العالمي، خصوصاً في ظل التوترات المستمرة بين القوى الكبرى.
السيولة وإدارة المخاطر في بيئة مضطربة
يختتم ليمند بالتأكيد على أن إدارة المحافظ في المرحلة الحالية تتطلب مزيجاً من السيولة والذهب كأدوات تحوط أساسية، مع اعتماد نهج انتقائي في اقتناص الفرص داخل أسواق تتسم بارتفاع مستوى المخاطر وعدم اليقين، في ظل تقاطع العوامل الجيوسياسية مع الاختلالات الاقتصادية البنيوية.

