بولندا بين الرسوم الأميركية وتنويع الشراكات
16:02 - 23 يناير 2026في ظل تصاعد التوترات التجارية العالمية وتجدد الجدل حول التعرفات الجمركية الأميركية، برز موقف بولندا عبر تصريحات خاصة لوزير المالية والاقتصاد أندريه دومانسكي لـ "سكاي نيوز عربية"، حيث كشف عن مقاربة تقوم على التهدئة عبر الحوار، والتشبث بوحدة أوروبا، مع التركيز على حماية القطاع الزراعي الوطني وتوسيع آفاق الشراكات الدولية.
تصريحات الوزير رسمت ملامح قراءة اقتصادية مزدوجة تتمثل في:
- تقليل أثر الصدمات الخارجية على الاقتصاد البولندي
- السعي في الوقت ذاته إلى تنويع الأسواق وتعزيز الجاذبية الاستثمارية.
أثر محدود للتعريفات الأميركية على الاقتصاد البولندي
وفي حديثه لمديرة قسم الاقتصاد في سكاي نيوز عربية، أكد وزير المالية والاقتصاد أندريه دومانسكي أن تأثير التعرفات الأميركية على الاقتصاد البولندي "من حسن الحظ منخفض نسبياً"، مبرراً ذلك بأن صادرات بولندا إلى الولايات المتحدة ليست مرتفعة، في مقابل اعتمادها على استيراد معدات أميركية، لا سيما العسكرية.
وأوضح أن بلاده تنفق قرابة 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، وهي النسبة الأعلى بين دول حلف شمال الأطلسي.
غير أن الوزير أشار في المقابل إلى أن الأثر غير المباشر يبقى قائماً، نظراً لارتباط بولندا الوثيق بشركائها التجاريين في أوروبا الغربية، ولا سيما ألمانيا وفرنسا، اللتين قد تتضرران من ارتفاع الرسوم، ما سينعكس على الموردين البولنديين.
نمو قوي وسط بيئة عالمية متقلبة
في سياق آخر، شدد دومانسكي على أن بولندا تعد "الاقتصاد الأسرع نمواً بين الاقتصادات الأوروبية الكبيرة"، متوقعاً نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.5بالمئة هذا العام، مع تسجيل مستوى أعلى قليلاً في عام 2025. غير أنه أقر بأن تصاعد التوترات وحالة عدم اليقين لا يخدمان أحداً، لافتاً إلى ازدياد تقلبات الأسواق وارتفاع عوائد السندات، وهو ما يمثل تحدياً واضحاً.
وحدة أوروبية في مواجهة الضغوط
أعاد الوزير التأكيد على أن أوروبا "ستظل متحدة في مواجهة التحديات"، موضحاً أن الاتحاد الأوروبي يتحرك في علاقاته التجارية ككتلة واحدة، وهو ما يراه أمراً بالغ الأهمية في المرحلة الراهنة. هذا التشديد على العمل الجماعي جاء مقروناً بدعوة صريحة إلى اعتماد الحوار كخيار أساسي لمعالجة الخلافات التجارية.
الحوار بدلاً من التصعيد
عبّر دومانسكي عن قناعة راسخة بأن التعرفات الجمركية "سيئة للمستهلكين، سيئة للشركات، سيئة للاقتصاد"، داعياً إلى خفضها لا زيادتها. وأكد أن السبيل الأمثل يتمثل في تهدئة التصعيد والانخراط في الحوار، رغم عدم وضوح مآلات الأزمة.
وفي هذا السياق، أشار إلى شعور أوروبي عام بخيبة الأمل إزاء عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحديث عن الرسوم الجمركية، معتبراً أن القارة كانت تفضّل التركيز على قضايا أخرى، مثل تعزيز التنافسية الداخلية، وخفض أسعار الطاقة، وإزالة القيود القانونية، ووقف "سباق الدعم". إلا أن الواقع، بحسب قوله، يفرض إعادة فتح ملف التعرفات مجدداً.
اتفاقية أميركا الجنوبية والقطاع الزراعي
تطرقت تصريحات الوزير إلى الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي ودول أميركا الجنوبية، حيث أعرب عن قلق حقيقي حيال بعض بنودها، لما قد تشكله من تحديات وتهديدات لشرائح في القطاع الزراعي البولندي. وأوضح أن بولندا نجحت في إدراج بعض البنود الحمائية للمزارعين، لكنها لا تزال ترى تحديات مقبلة، وهو ما دفعها إلى التصويت ضد الاتفاقية.
وأكد دومانسكي أن الاتفاقية تحتاج إلى إعادة نظر وتنفيذ أفضل يخدم مصالح المزارعين البولنديين، مشيراً إلى أن الحكومة السابقة لم تنجح في تحقيق مكاسب بهذا الشأن أو في إقناع شركائها الأوروبيين بالتصويت ضدها. وشدد على أن حكومته "ستبذل كل ما يلزم لحماية المزارعين"، معتبراً أن ذلك يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي.
التنويع والانفتاح على الشراكات العربية
في إطار استراتيجيته للتعامل مع المتغيرات العالمية، ركز الوزير على أهمية التنويع، مستحضراً خبرته السابقة في إدارة محافظ استثمارية، ليؤكد أن فتح أسواق جديدة وتوسيع التعاون التجاري أمر بالغ الأهمية.
وأوضح أن بولندا تبحث بنشاط عن فرص شراكة جديدة، وهو ما يفسر توجهه إلى الرياض في مطلع فبراير، إيماناً بوجود إمكانات واسعة للتعاون مع الدول العربية ودول الخليج.
وأضاف أن هذه الزيارة قد لا تكون الأخيرة في المنطقة، في ظل مساعٍ نشطة لإيجاد فرص تجارية جديدة تخدم الشركاء البولنديين والعرب على حد سواء.
مكانة بولندا الاقتصادية وجاذبيتها الاستثمارية
أشار دومانسكي إلى أن الاقتصاد البولندي يحتل المرتبة العشرين عالمياً بين أكبر الاقتصادات، بعدما تجاوز سويسرا في العام الماضي، مؤكداً أن الشراكات الدولية لا تزال بحاجة إلى مساحة أوسع للنمو. كما وصف بلاده بأنها "أفضل مكان للاستثمار في أوروبا حالياً"، مستنداً إلى وتيرة النمو المرتفعة وتوفر فرص تجارية واسعة.
وختم بالتأكيد على رغبته في تعزيز الروابط مع دول الخليج وتشجيع استثمارات جديدة في بولندا، بما يسهم في تعميق التعاون الاقتصادي ويدعم مسار التنويع الذي تضعه وارسو في صلب أولوياتها.





