الأسواق تحت الاختبار: هل تعود شهية الشراء للذهب والفضة؟
07:52 - 03 فبراير 2026اهتزت أسواق الأصول العالمية على وقع موجة تصحيح حادة أعادت طرح السؤال الأهم لدى المستثمرين: هل حان وقت البيع أم الشراء؟ الذهب فقد نحو 17 بالمئة من قيمته، فيما تعرضت الفضة لانهيار تاريخي بلغ 36 بالمئة، في واحدة من أعنف الحركات السعرية قصيرة الأجل، ما أدى إلى تبخر ما يقارب ثمانية تريليونات دولار من القيمة السوقية لقطاع المعادن.
هذه الخسائر لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة تطورات متسارعة شملت عمليات جني أرباح مكثفة، وتصفية إجبارية لمراكز العقود الآجلة، وتشديد شروط الرافعة المالية من قبل منصات تداول كبرى، إلى جانب ضغوط صعود الدولار الأميركي.
وفي موازاة ذلك، واصلت العملات المشفرة نزيفها، مع تراجع البتكوين بنسبة 40 بالمئة خلال خمسة أشهر فقط، وخسائر سوقية تجاوزت تريليون دولار منذ ذروة سبتمبر، في ظل موجة بيع هلعية أفقدت العملة الأكبر عالمياً أكثر من 13 بالمئة خلال أربع جلسات.
وبينما لا تزال مؤسسات مالية كبرى مثل UBS وجي بي مورغان وغولدمان ساكس وساكسو بنك تحتفظ بنظرة إيجابية طويلة الأجل للذهب والفضة، فإنها تحذر في الوقت ذاته من مخاطر تصحيحات إضافية، ما يضع الأسواق أمام مفترق طرق حاسم بين الفرص والمخاطر.
في حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، قدّم رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق قراءة تفصيلية للتحركات الحادة التي شهدتها أسواق الذهب والفضة والبتكوين، مستنداً إلى أرقام ونِسَب لافتة تعكس حجم التقلبات الأخيرة، مع ربطها بعوامل نقدية ومالية وسلوكية في الأسواق.
خسائر قياسية وتصحيحات عنيفة
افتتح يرق توصيفه بالإشارة إلى أن الحديث العالمي ينصب على الذهب والفضة، في ظل ما وصفه بـ"تراجعات تاريخية" بلغت معها خسائر الأصول المالية نحو 8 تريليونات دولار، وهو ما اعتبره "أكبر خسائر لأصل مالي في التاريخ".
وفي ما يخص الفضة، أوضح أنها تراجعت من 121 دولاراً إلى 71 دولاراً، أي خسارة تقارب 50 دولاراً بين القمة والقاع، مذكّراً بأنها كانت في أكتوبر 2025 دون 50 دولاراً، وأن قيمتها قبل أشهر كانت أقل من الخسارة اليومية الأخيرة.
وربط هذه التحركات بعوامل متعددة، من بينها جني الأرباح، وارتفاع الرافعة المالية، والهوامش التي طلبتها الشركات، إلى جانب قوة الدولار الأميركي وتسميات مرتبطة بصنّاع القرار النقدي، معتبراً أن هذه العوامل مجتمعة قادت إلى ما وصفه بـ"تصحيحات صحية" بعد ارتفاعات "جنونية" بلغ معها الذهب نحو 30 بالمئة خلال شهر واحد، والفضة 60 بالمئة، وهي من الأكبر تاريخياً.
الأساسيات تدعم الذهب… والفضة في سوق هابط
من زاوية التقييم الفني والأساسي، قال يرق إن الذهب تراجع بنحو 17 بالمئة، لكنه ما زال في إطار "فترة تصحيح" لا "سوق هابط"، في حين أصبحت الفضة – وفق وصفه – في سوق هابط.
وأشار إلى أن المستويات التي لامستها الأسعار، مثل 71 دولاراً للفضة و4400 دولار للذهب، قد تمثل القاع المرحلي، مستنداً إلى استمرار العوامل الداعمة، وفي مقدّمها شراء البنوك المركزية، واحتمالات ضعف إضافي للدولار الأميركي، ودخول المستثمرين المؤسساتيين إلى سوق المعادن.
وأضاف أن الذهب يبقى الملاذ الآمن مقارنة بالفضة، لافتاً إلى أن أسعار اليوم جذابة، وأن بنوكاً استثمارية بدأت تتحدث مجدداً عن إمكانية العودة إلى مستويات 6000 دولار للأونصة، ولا سيما في ظل الضغوط على الأسهم الأميركية والسندات، ونمو الدين الأميركي إلى نحو 40 تريليون دولار كما أُعلن في اجتماعات الاحتياطي الفيدرالي.
تقلبات مضاعفة في سوق الفضة
حذّر يرق من الفضة بسبب صغر حجم سوقها مقارنة بالذهب، موضحاً أنها تمثل نحو واحد إلى تسعة من حيث الحجم والسيولة. ولفت إلى أن الاستثمارات المؤسسية وعمليات شراء البنوك المركزية تتركز على الذهب بوصفه أصل التحوّط الأساسي.
وأشار إلى أن الفضة شهدت في سنوات سابقة ارتفاعات تفوق الذهب بأكثر من الضعف، موضحاً أن هبوطها الأخير بلغ 36 بالمئة مقابل 17 بالمئةللذهب، ما يعكس طبيعة التقلبات المضاعفة التي يرجّح استمرارها خلال النصف الأول من عام 2026.
وعزا جانباً كبيراً من هذه التحركات إلى المضاربات في العقود الورقية، حيث وصلت – بحسب قوله – إلى ما يعادل 350 مرة العقود الفيزيائية، وهو ما فاقم الفقاعات السعرية والتصحيحات اللاحقة.
البتكوين: فقدان صفة التحوّط وتوقعات بمزيد من الهبوط
في ملف العملات المشفّرة، قال يرق إن البتكوين كان يُنظر إليه كـ"ذهب رقمي"، إلا أن المرحلة الأخيرة أظهرت عكس ذلك. فبعد بلوغه 126 ألف دولار في أكتوبر، تراجع بنحو 40 بالمئة، مع تسجيل انخفاض يقارب 7000 دولار في يناير، إضافة إلى هبوط يومي تراوح بين 2 بالمئة و3 بالمئةوتصفيات واسعة للمراكز.
وأرجع هذه التطورات إلى ضعف السيولة، وخروج الأموال من صناديق المؤشرات المتداولة (ETF)، وتراجع الثقة، مؤكداً أن البتكوين لم يؤدِ دور التحوّط حالياً. ورجّح إمكانية رؤية مستويات قاع بين 64 ألفاً و68 ألف دولار قبل أي ارتداد محتمل، معتبراً أن المسار مرتبط بالسياسات النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
كما أشار إلى موجة بيع شملت مختلف الأصول، من أسهم وسندات وذهب، وانتقال السيولة إلى النقد، مع تشكيكه في قدرة العملات المشفّرة على استقطاب هذه السيولة في المرحلة الراهنة.
توصيات توزيع الأصول والعملات
كشف يرق أن استراتيجياته منذ عام 2025 تضمنت تخصيص 15 بالمئة إلى 20 بالمئة للذهب والفضة، مقابل نحو 5 بالمئة لقطاع العملات المشفّرة، مع التركيز على البتكوين والإيثريوم وسولانا، والحذر من بقية العملات.
وفي سوق العملات، توقّع احتمال تراجع الدولار إلى مستويات قرب 90، مفضّلاً الدولارين الكندي والأسترالي لارتباطهما بالسلع، إضافة إلى الفرنك السويسري في أوقات الاضطراب الجيوسياسي. كما رأى أن اليورو قد يتداول بين 120 و125، مدعوماً بنمو اقتصادي أوروبي واستثمارات كبيرة وحزم مالية في ألمانيا.
بهذه القراءة، رسم جو يرق صورة لأسواق تتسم بتصحيحات حادة، لكنها – في المعادن على الأقل – تستند إلى أساسيات يراها متماسكة، في مقابل مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً للعملات المشفّرة في المدى القريب.



