الأسهم الأوروبية.. هل فقدت جاذبيتها؟
11:50 - 20 أبريل 2026تراقب الأسواق الأوروبية تحولات معقدة تعيد طرح سؤال الجاذبية من جديد، في ظل مزيج ضاغط من التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة، ما يضع المستثمرين أمام معادلة صعبة بين المخاطر والعوائد، ويقوض الزخم الذي دعم صعود الأسهم في مطلع العام.
تتآكل الفجوة التقليدية في التقييمات بين أوروبا ووول ستريت تدريجياً، مع تراجع ميزة "الرخص النسبي" التي طالما جذبت التدفقات الاستثمارية، بالتوازي مع صدمة طاقة تضغط على هوامش الشركات وتعيد تسعير توقعات النمو، لتتحول الأسواق من رهانات التعافي إلى حسابات الحذر والانتقائية.
وفي هذا السياق، تواجه الأسهم الأوروبية اختباراً حقيقياً لقدرتها على الصمود، في وقت تبزغ فيه ضغوط التضخم مع تشدد السياسة النقدية وتباطؤ الاستهلاك، ما يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق: هل ما زالت أوروبا وجهة استثمارية مفضلة، أم أن بوصلة الأموال العالمية بدأت تميل مجدداً نحو أسواق أكثر ديناميكية وأقل تعرضاً للصدمات؟
يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى تحذير شركة بلاك روك من أن ارتفاع تكاليف الطاقة وارتفاع التقييمات يعني أن الأسهم الأوروبية لم تعد الرهان الجذاب الذي كانت عليه قبل بضعة أشهر فقط.
وقالت هيلين جويل، كبيرة مسؤولي الاستثمار الدوليين للأسهم الأساسية في الشركة التي تبلغ أصولها 13.9 تريليون دولار، إن الضربة الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز، فضلاً عن تقلص الفجوة في التقييمات مع الأسهم الأميركية بعد الأداء النسبي القوي في الأشهر الأخيرة، تعني أنها كبحت تفاؤلها الأخير بشأن الأسهم الأوروبية.
وأفادت -في التصريحات التي نقلتها الصحيفة البريطانية- بأنه "من الصعب أن نكون متفائلين بشأن أوروبا كما كنا من قبل"، مشيرة إلى تعرض المنطقة لتأثير صدمة أسعار الطاقة العالمية على الإنفاق الاستهلاكي في القارة.
وأضافت: "لا يمكننا إطلاق تصريحات كبيرة بأن (أسهم) أوروبا تبدو رخيصة الآن.. قبل عام، كان هناك تفاوت كبير في التقييم.. وقد تقلص هذا التفاوت.. ومن منظور الطاقة، أصبحت أوروبا أكثر عرضة للمخاطر... لذا علينا أن نكون أكثر انتقائية في اختيار الفرص المتاحة".
أوضحت جويل أن تفاؤلها بشأن أوروبا في بداية العام كان يعود جزئياً إلى توقعها "توسعاً" في عوائد القطاعات ذات الأداء القوي، كالبنوك والدفاع، لتشمل قطاعات أخرى من السوق. لكن هذا التوسع "تراجع" منذ ذلك الحين بسبب الصراع في الشرق الأوسط، على حد قولها.
ارتفاع تكاليف الطاقة
يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- تأثير أزمة الطاقة على الأسهم الأوروبية ليس بسيطاً أو مباشراً، بل يتم عبر عدة قنوات تضغط على الاقتصاد والشركات في آنٍ واحد.
- ارتفاع تكاليف الإنتاج يُعد من أبرز هذه القنوات؛ نظراً لاعتماد أوروبا الكبير على استيراد الطاقة، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الغاز أو النفط ينعكس سريعاً على تكاليف الشركات، خاصة في القطاعات الصناعية الثقيلة، وهو ما يؤدي إلى تآكل هوامش الربحية ويضغط على تقييمات الأسهم.
- تراجع القدرة الشرائية للأسر نتيجة ارتفاع فواتير الطاقة يُسهم في تقليص الاستهلاك، الأمر الذي ينعكس سلباً على أرباح الشركات الاستهلاكية والخدمية، ومع تباطؤ الاقتصاد تبدأ الأسواق في تسعير مخاطر الركود، مما يدفع الأسهم إلى مزيد من التراجع.
ويشير صليبي إلى وجود تفاوت في تأثير الأزمة بين القطاعات؛ إذ تستفيد شركات النفط والغاز من ارتفاع الأسعار عبر تحقيق أرباح قياسية، في حين تتعرض قطاعات مثل الصناعة والنقل والطيران لضغوط كبيرة. كما يلفت إلى أن القطاع المصرفي قد يواجه ضغوطاً غير مباشرة في حال ارتفاع معدلات التعثر الائتماني نتيجة الركود.
وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، يؤكد أن أزمة الطاقة تُغذي التضخم، ما يدفع المركزي الأوروبي إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة أو تأجيل خفض أسعار الفائدة، وهو ما يرفع تكلفة التمويل ويؤثر سلباً على تقييمات الأسهم، خصوصاً أسهم النمو.
ويختتم صليبي حديثه بالإشارة إلى أن الأزمة قد تُحدث تحولاً هيكلياً في الأسواق الأوروبية، من خلال تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة والبنية التحتية المرتبطة بها، مما يخلق فرصاً طويلة الأجل في قطاع الطاقة النظيفة، رغم التكاليف الانتقالية التي قد تظهر على المدى القصير.
- كان أداء الأسهم الأوروبية أقل من أداء وول ستريت لسنوات، لكنها عادت إلى الواجهة في بداية هذا العام حيث بحث المستثمرون عن بدائل لأسهم التكنولوجيا الأميركية باهظة الثمن، وشهدت صناديق الأسهم في المنطقة تدفقات قياسية .
- لكن بعد أداء قوي في نهاية العام الماضي وبداية العام الجديد، تراجعت أسواق الأسهم الأوروبية بشدة عقب اندلاع حرب إيران، حيث خسر مؤشر ستوكس 600 الأوروبي ما يقارب 12 بالمئة من مستواه قبل النزاع بحلول أدنى مستوى له في مارس.
- في المقابل، لم يتراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في وول ستريت إلا بنسبة 8%، وسرعان ما تعافى مسجلاً مستويات قياسية جديدة.
انعكاس مباشر
من جانبها، تؤكد أستاذة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:
- تصاعد القلق والتوتر في أسواق الطاقة انعكس بشكل مباشر على أداء الأسواق المالية الأوروبية، خاصة في ظل اعتماد أوروبا الكبير على واردات الطاقة، ما جعلها الأكثر تأثراً بالتداعيات الجيوسياسية الأخيرة.
- الأسواق الأوروبية تواجه ما يمكن وصفه بـ"الازدواج التكاليفي"، إذ تتزايد أعباء الاستهلاك بالتوازي مع تراجع أرباح الشركات، نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما يفرض ضغوطاً تضخمية على المصنعين والمستهلكين ويؤدي إلى تآكل هوامش الربحية.
- عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها السياحة والطيران، تأثر بشكل ملحوظ، خاصة مع ارتفاع أسعار وقود الطائرات، ما دفع الشركات إلى تقليص الرحلات وتعديل جداول التشغيل وخفض السعات.
- رغم أن أوروبا ليست طرفاً مباشراً في الصراع، فإنها تتحمل تكلفة اقتصادية مرتفعة، خصوصاً مع التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.
وتشير إلى أن البنك المركزي الأوروبي يواجه تحدياً مزدوجاً، إذ قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، في وقت يشهد فيه إنفاق المستهلكين تباطؤًا ملحوظاً.
وفي المقابل، تلفت إلى أن شركات النفط والغاز الكبرى تستفيد من ارتفاع الأسعار، ما يدعم أداء بعض الأسهم الأوروبية ويعزز من مؤشرات السوق، كما يدفع شركات الطاقة المتجددة إلى توسيع استثماراتها وتحقيق نمو في أسهمها.
وتحتتم حديثها بالإشارة إلى أن أية تهدئة مؤقتة في التوترات تؤدي إلى تراجع أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس سريعاً على الأسواق الأوروبية التي تدخل في حالة من التذبذب، مؤكدة أن هذه الأسواق تحتاج إلى قدر من الاستقرار والهدوء النسبي على المدى القصير لدعم تعافي ونمو الأسهم.









