على حافة حرب تجارية أوسع.. تصعيد مقلق بين واشنطن وبروكسل
14:04 - 20 يناير 2026
تتصاعد حدة التوتر عبر الأطلسي على نحو غير مسبوق، مع دخول العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الملفات التجارية مع القضايا السيادية والأمنية، في مشهد يعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة التحالف الغربي الذي ظلّ لعقود أحد ركائز النظام الدولي.
تلوّح العواصم الأوروبية بأدوات اقتصادية وتجارية ثقيلة، تشمل فرض رسوم جمركية واسعة وتقييد وصول الشركات الأميركية إلى السوق الأوروبية، رداً على تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن قضية غرينلاند، وبما أعاد إلى الواجهة سيناريوهات الصدام المفتوح، وأثار مخاوف من انزلاق الخلافات السياسية إلى حرب تجارية شاملة.
تكشف هذه التطورات عن اختبار حقيقي لمتانة الشراكة عبر الأطلسي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية عالمياً.
ووفق "فايننشال تايمز"، تدرس عواصم الاتحاد الأوروبي فرض رسوم جمركية على الولايات المتحدة بقيمة 93 مليار يورو أو تقييد الشركات الأميركية من سوق التكتل رداً على تهديدات دونالد ترامب لحلفاء الناتو المعارضين لحملته للاستيلاء على غرينلاند.
- تُمثل هذه الخطوة أخطر أزمة في العلاقات عبر الأطلسي منذ عقود.
- أفاد مسؤولون مشاركون في التحضيرات بأن إجراءات الردّ تُصاغ لمنح القادة الأوروبيين نفوذاً في اجتماعاتهم المحورية مع الرئيس الأميركي في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
- إنهم يحاولون إيجاد حل وسط من شأنه تجنب حدوث شرخ عميق في التحالف العسكري الغربي، الأمر الذي من شأنه أن يشكل تهديداً وجودياً لأمن أوروبا.
- أُعدّت قائمة الرسوم الجمركية العام الماضي، لكن تم تعليق العمل بها حتى السادس من فبراير لتجنب حرب تجارية شاملة. وناقش سفراء الاتحاد الأوروبي الـ27 إعادة تفعيلها يوم الأحد، إلى جانب ما يُسمى بأداة مكافحة الإكراه (ACI) التي تُقيّد وصول الشركات الأميركية إلى السوق الداخلية، في ظلّ نقاشات الاتحاد حول كيفية الرد على تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية عقابية.
ودعت فرنسا الاتحاد الأوروبي إلى الرد باستخدام آلية ACI ، التي لم يتم استخدامها منذ اعتمادها في عام 2023. وتشمل هذه الأداة قيودًا على الاستثمار ويمكنها كبح صادرات الخدمات مثل تلك التي تقدمها شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى في الاتحاد الأوروبي.
حرب تجارية مفتوحة
من جانبه، يقول خبير العلاقات الدولية، أبو بكر الديب، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
هذه من أكثر لحظات التوتر الحاد في تاريخ العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا منذ عقود.
- الحديث عن "حرب تجارية مفتوحة" لم يعد سيناريو افتراضياً، بل بات واقعاً يلوح في الأفق بقوة نتيجة التصعيدات غير المسبوقة التي شهدتها الأيام الأخيرة.
- فتيل الأزمة الجديد يتمثل في ما بات يُعرف بـ"قضية غرينلاند"، إذ هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 17 يناير 2026 بفرض رسوم جمركية تصاعدية على ثماني دول أوروبية، من بينها الدنمارك وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، تبدأ بنسبة 10 بالمئة اعتباراً من الأول من فبراير، وترتفع تدريجياً إلى 25 بالمئة بحلول يونيو المقبل، ما لم تستجب أوروبا للمطالب الأميركية المرتبطة بغرينلاند.
- خطورة هذه الخطوة لا تكمن فقط في الرسوم نفسها، بل في ربط واشنطن الملفات التجارية بقضايا سيادية ودفاعية، مثل منظومات الحماية والأمن، وهو ما تعتبره العواصم الأوروبية شكلاً من أشكال الابتزاز السياسي غير المقبول.
- الموقف الأوروبي هذه المرة يبدو أكثر صلابة، إذ انتقل الاتحاد الأوروبي من مرحلة ضبط النفس إلى الاستعداد الكامل للمواجهة، ملوحاً بحزمة رسوم انتقامية تتجاوز 107 مليارات دولار تستهدف سلعاً أميركية استراتيجية، إلى جانب تفعيل "آلية مكافحة الإكراه" للرد الجماعي على الضغوط الأميركية، فضلاً عن تجميد المصادقة على اتفاقيات تجارية كبرى أُبرمت في يوليو 2025، ما يعيد العلاقات الاقتصادية عملياً إلى نقطة الصفر.
ويتابع أن جبهات الصراع لا تقتصر على السلع التقليدية، بل تمتد إلى قطاعات أكثر حساسية، أبرزها الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا، حيث تشدد أوروبا تنظيماتها على شركات التكنولوجيا الأميركية، فيما تعتبر واشنطن هذه السياسات حرباً اقتصادية مباشرة ضد شركاتها. كما تشمل المواجهة قطاع الطاقة، إذ باتت صفقات طاقة ضخمة مهددة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا وزيادة اضطراب الأسواق العالمية.
ويؤكد الديب أن التداعيات بدأت بالفعل في الظهور على الأسواق، مع اتجاه المستثمرين إلى تجنب المخاطر، حيث سجلت الأسهم والعملات المشفرة تراجعات حادة، في مقابل صعود الذهب إلى مستويات قياسية كملاذ آمن، محذراً في الوقت نفسه من أن الخطر الأكبر يتمثل في تآكل التحالفات التقليدية، وعلى رأسها حلف الناتو، مع استخدام التجارة كسلاح ضغط سياسي مباشر.
ويشدد الديب على أن العالم يعيش حالياً مرحلة "العدّ التنازلي" لحرب تجارية شاملة عبر الأطلسي، مشيراً إلى أنه إذا فشلت القنوات الدبلوماسية أو مفاوضات منظمة التجارة العالمية في نزع فتيل الأزمة قبل الأول من فبراير، فقد نشهد أكبر مواجهة تجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، مع ما يحمله ذلك من إعادة تشكيل جذرية لسلاسل الإمداد العالمية، ودفع الشركات إلى البحث عن بدائل أكثر استقراراً في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويضيف أن غرينلاند قد لا تكون المسمار الأخير في نعش الناتو، لكنها أول مسمار مرئي، إذ كشفت بوضوح اختلاف تعريف التهديد داخل الحلف بين مركز أميركي وأطراف أوروبية، وتآكل فكرة الإجماع، مؤكداً أن الناتو قد لا ينهار بضربة واحدة، بل سيتآكل ملفاً بعد ملف، وكانت غرينلاند أول اختبار علني لهذا التآكل.
من هو الخاسر الأكبر؟
وتحت عنوان "من هو الخاسر الأكبر من أي حرب تجارية؟"، يشير تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية إلى أن:
- القيمة الإجمالية لواردات الولايات المتحدة من الدول التي يستهدفها ترامب بلغت أكثر من 365 مليار دولار العام الماضي، أي ما يعادل نصف صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة تقريباً. وكانت ألمانيا أكبر صادرات بقيمة تزيد عن 160 مليار دولار، تليها المملكة المتحدة بقيمة 68 مليار دولار، ثم فرنسا بقيمة 60 مليار دولار.
- تشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أن فرض تعريفة جمركية بنسبة 10 بالمئة سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الدول الأوروبية المتضررة بنسبة تتراوح بين 0.1 بالمئة و0.2 بالمئة نتيجة انخفاض الصادرات. وستكون ألمانيا الأكثر تضرراً، حيث تصل نسبة الانخفاض إلى 0.3 بالمئة في حال تطبيق تعريفة شاملة على جميع السلع. أما بالنسبة لمنطقة اليورو ككل، فستبلغ نسبة الانخفاض المتوقعة حوالي 0.1 بالمئة، مع تأثير مماثل على المملكة المتحدة.
- لكن الولايات المتحدة لن تفلت من العواقب. إذ ستدفع الشركات والمستهلكون الأميركيون ضرائب حدودية إضافية على الواردات الأميركية، مما سيؤثر سلباً على النشاط والاستثمار، وربما يؤدي إلى زيادة التضخم.
حذّر كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، بيير أوليفييه غورينشاس، من أن حرباً تجارية متبادلة قد تؤدي إلى انخفاض الناتج العالمي بنحو 0.3 بالمئة. وقال: "نعلم جميعاً أنه لا يوجد رابح في الحرب التجارية، وهذا ما يجب أن نتذكره"، بحسب الصحيفة.
إجراءات مضادة
يقول خبير الشؤون الأوروبية، محمد رجائي بركات، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- قادة دول وحكومات الاتحاد الأوروبي قد يتجهون، خلال اجتماعهم المرتقب هذا الأسبوع إلى تبنّي إجراءات مضادة في مواجهة الولايات المتحدة، تشمل فرض رسوم جمركية على بعض البضائع الأميركية، وربما منع الشركات الأميركية من المشاركة في العطاءات والمناقصات الحكومية داخل دول الاتحاد الأوروبي.
- مثل هذه الإجراءات، رغم طرحها على الطاولة، لا تصب في مصلحة أي من الطرفين.
- الولايات المتحدة قد تكون المتضرر الأكبر في حال تصعيد المواجهة التجارية.
- الموقف الأوروبي الحالي يتسم بقدر من التشدد، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيُقدم على مراجعة موقفه أم لا.
ويشير إلى أن ترامب كان قد تحدث في البداية عن إمكانية احتلال أو ضم جزيرة غرينلاند بالقوة العسكرية، لكنه عاد لاحقاً ليربط الأمر بفرض عقوبات اقتصادية، تشمل رفع الرسوم الجمركية على بعض الصادرات الأوروبية بنسبة تتراوح من 10 بالمئة بحلول فبراير لتصل إلى 25 بالمئة بحلول يونيو في حال رفض الدول الأوروبية فكرة ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، معتبراً ذلك تراجعاً نسبياً في الخطاب الأميركي، لكنه لا ينفي إصرار واشنطن على المضي في هذا الملف.
ويتابع بركات متسائلاً عمّا إذا كانت دول الاتحاد الأوروبي قد تلجأ، في حال تصعيد الخلافات، إلى مطالبة الولايات المتحدة بإخلاء قواعدها العسكرية المنتشرة داخل أوروبا، لافتاً إلى وجود أكثر من 30 قاعدة عسكرية أميركية، إضافة إلى ما يقارب 100 ألف جندي أميركي على الأراضي الأوروبية، رغم وجود تباين في الأرقام المتداولة.
ويؤكد أن المواقف داخل الاتحاد الأوروبي ليست موحّدة، ففي الوقت الذي يتبنى فيه بعض القادة نهجاً متشدداً، نجد أن نائب رئيس المفوضية الأوروبية يدعو إلى تغليب الحلول الدبلوماسية والاستمرار في التفاوض مع واشنطن، ما قد يفتح المجال أمام الرئيس ترامب لاستغلال هذه التناقضات.
ويختتم بركات حديثه بالإشارة إلى أن القمة الأوروبية المرتقبة هذا الأسبوع ستكشف بوضوح عن طبيعة القرارات التي سيتبناها الاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة الحساسة من العلاقات مع الولايات المتحدة.












