مليون عاطل وانهيار تاريخي للريال.. اقتصاد إيران تحت المقصلة
07:48 - 08 مايو 2026
تواجه إيران ساعات حاسمة بين السلام والحرب، حيث يمنحها الرئيس ترامب فرصة أخيرة قبل العودة إلى القتال، مطالباً إياها بفتح مضيق هرمز وتجميد تخصيب اليورانيوم.
تعاني إيران من أزمة اقتصادية غير مسبوقة بسبب الحصار، إذ بلغت خسائرها المباشرة 12 مليار دولار، وفقد أكثر من مليون إيراني وظائفهم في شهرين فقط، بينما يعاني 4 ملايين من الفقر نتيجة الغلاء وانهيار الريال.
كما تجاوزت خسائرها خلال أول 40 يوماً من الحرب 270 مليار دولار. وتعيش إيران عزلة بسبب احتجاز 1550 سفينة تحمل 22 ألف بحار من 80 جنسية، يعانون نقص الدواء والغذاء. هكذا، فقدت إيران معظم أوراق قوتها، والسؤال الآن: هل ترضخ لشروط ترامب أم تختار الحرب؟
النموذجان المتضادان: الإمارات وإيران... سياسة تصنع الفارق
في مستهل تحليله، يضع عضو الجمعية المصرية للاقتصاد و التشريع محمد أنيس خلال حديثه الى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية مقاربة لافتة بين نموذجين متناقضين على ضفتي الخليج: الإمارات وإيران. فالدولتان، كما يشير، تنتجان تقريباً العدد نفسه من براميل النفط، لكن نتائج سياساتهما خلال العقود الخمسة الماضية تكشف عن فجوة هائلة. ويقول أنيس: "لو قارنتِ نتائج السياسات التي مارستها الدولتان على مدار الخمسين سنة الماضية، وشهدتِ حال دولة الإمارات الآن وقارنتِها بحال دولة إيران، وشهدتِ الظروف المعيشية للمواطن الإيراني وقارنتِها بالظروف المعيشية للمواطن الإماراتي، ستجدين الإجابة على سبب الاعتداءات التي تُمارس الآن ضد دولة الإمارات الشقيقة".
هذه المقاربة، في جوهرها، تكشف عن أن الهجمات الإيرانية على الإمارات ليست وليدة الصدفة أو الظرف الآني، بل تنبع من عجز أيديولوجي بنيوي أمام نموذج تنموي ناجح يمثل نقيضاً كاملاً للمشروع الإيراني. فالإمارات، التي تلقت، بحسب وصف أنيس، أكبر حجم من الاعتداءات الإيرانية، تجسد شاهداً حياً على فشل النموذج الثوري الإيراني في تقديم رفاه لمواطنيه.
الاتفاق النووي المرتقب: مضاعفة الإيرادات... وتجديد الخطر
ينتقل أنيس إلى تفكيك السيناريو الأكثر خطورة في تقديره، والمتمثل في اتفاق نووي محتمل يُفضي إلى رفع العقوبات عن إيران. فالنظام الإيراني، كما يؤكد، "يُدار بشكل عقائدي، بشكل أيديولوجي"، ما يجعل احتمالية تجدد الصراع "مؤكدة وأكيدة" حتى لو تم توقيع اتفاق مبدئي.
لكن الخطر الأكبر يكمن في البعد الاقتصادي لهذا السيناريو. فإيران، التي كانت تبيع نفطها تحت وطأة العقوبات بنحو 40 دولاراً للبرميل، قد تتمكن بعد رفعها من بيع البرميل بـ 80 أو 90 أو حتى 100 دولار. ويصف أنيس هذا الاحتمال بـ"الأمر الكارثي"، ذلك أن مضاعفة الإيرادات النفطية لن تُستخدم "إلا بالطريقة القديمة نفسها": تمويل الميليشيات في دول الإقليم، ومحاولة تجديد دماء النظام واستعادة قوته. ويحذر قائلاً: "ممكن بعد عشر سنوات من الآن نُفاجأ بنفس القوة التي كانت موجودة ما قبل الحرب".
مضيق هرمز: قرصنة تتستر بالقانون الدولي
يتناول أنيس البعد القانوني للصراع على المضيق الاستراتيجي. فمضيق هرمز، كما يوضح، هو "مضيق ملاحي دولي طبقاً للقانون الدولي"، ولا يجوز على الإطلاق أن يتحول إلى "قناة صناعية محلية مملوكة لدولة". ويرى أنيس أن تحويل المضيق إلى ورقة ضغط إيرانية يمثل "عبثاً بالقانون وعبثاً بالنظام العالمي بالكامل".
في هذا السياق، يبرز الحصار البحري الأميركي بوصفه الأداة التي تجرد إيران من أهم أوراقها: "القرصنة البحرية على مضيق هرمز" من جهة، و"إيرادات النفط" من جهة ثانية. ويؤكد أنيس أن استمرار هذا الحصار "سيؤدي إلى خلق تبعات اقتصادية وسياسية واجتماعية فادحة للغاية في الداخل الإيراني".
الحرب الطويلة: حصار بحري أم حملات جوية؟
يقدم أنيس تمييزاً جوهرياً بين نوعين من الحرب الطويلة. فالحملات الجوية الممتدة على الداخل الإيراني، كما يقول، "ممكن يتحملوها". أما الحرب الطويلة بمعنى "حصار بحري يمنع أي صادرات نفط إيرانية ويمنع إيران من استخدام ورقة القرصنة البحرية"، فهي "أمر لا تتحمله إيران على الإطلاق".
ويكشف المحلل عن مفارقة لافتة في التصورات الإيرانية، إذ إن طهران تراهن على أن الاقتصاد العالمي سيتضرر من استمرار الحصار، بينما الواقع، بحسب تحليله، هو "العكس تماماً". فالاقتصاد العالمي قد يتأثر بالفعل، وقد تنخفض معدلات النمو وترتفع معدلات التضخم، لكن "الذي سيختنق إلى حالة الموت هو الداخل الإيراني". والسبب في ذلك، كما يوجز أنيس، هو "صفر إيرادات دولارية، صفر استخدام الأوراق السياسية، وفقدان القدرة على استخدام الميليشيات في الإقليم والقرصنة البحرية في مضيق هرمز"، ما يؤدي إلى "اختناق كامل لنظام الحكم الحالي في إيران".
الاحتياطيات النفطية العالمية: شهران إلى ثلاثة تحت الضغط
ينتقل التحليل إلى تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي. فالعالم، كما يوضح أنيس، كان يمتلك احتياطياً استراتيجياً يبلغ نحو 2.5 مليار برميل قبل الحرب على إيران. وخلال الشهرين الماضيين، تم استنفاذ ما بين 800 مليون إلى مليار برميل. وبناءً على هذه المعطيات، يرى المحلل أن العالم "نظرياً" قادر، من منظور الإمدادات، على التحمل لمدة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر مقبلة.
لكن الخطر الحقيقي على الاقتصاد العالمي لا يكمن في حجم الإمدادات فحسب، بل في الأسعار.
ويحذر أنيس من أنه "لو استقر سعر مزيج خام برنت فوق 120 دولاراً، فسيسبب هذا مشكلة كبيرة، ويؤدي إلى معاودة ارتفاع معدلات التضخم العالمي لموجة شبيهة بموجة ما بعد كورونا، وانخفاض معدلات النمو العالمي بظروف شبيهة بظروف كورونا".
أوروبا الغائبة: لماذا لا تشارك في تأمين هرمز؟
في تحليله لموقف القارة العجوز، يعدد أنيس أربعة أسباب رئيسية تمنع تحركاً أوروبياً فعلياً للمشاركة في تأمين مضيق هرمز. الأول بنيوي يتعلق بهيكل السياسة الأوروبية، إذ أن "أوروبا ليست دولة فيدرالية كالولايات المتحدة، فلا يوجد قرار يخص الأمن القومي يُتخذ جماعياً أو من شخص واحد". أما السبب الثاني فيتمثل في الهواجس الانتخابية الدائمة لصانع القرار الأوروبي. والثالث هو الافتقار إلى القدرات العسكرية اللازمة، إذ لا تملك أوروبا بأكملها، بالإضافة إلى بريطانيا، سوى "حاملتي طائرات: واحدة بريطانية وواحدة فرنسية". أما السبب الرابع، فيتجسد في الأزمة المالية الخانقة، لا سيما في فرنسا التي يصفها أنيس بـ"القلب النابض للعسكرية في أوروبا"، والتي "لا تقدر على تحمل النفقات البالغة 30 أو 40 مليار دولار التي تحملتها أميركا في الحرب لمدة 40 يوماً".
إعادة التمركز الاستراتيجي: من روسيا إلى الصين
في قراءة لتحركات واشنطن، يقدم أنيس تحليلاً استراتيجياً شاملاً لإعادة التموضع الأميركي. فالإمبراطوريات الكبرى، كما يقول، "لما تدخل في مرحلة اضمحلال، يكون من أسباب هذا الاضمحلال أنها تتوسع عسكرياً بشكل كبير. أميركا تحاول أن تتجنب هذا". والسؤال الاستراتيجي المطروح على صانع القرار الأميركي الآن هو: "ما الخطر عليَّ الآن كقوة عظمى؟ الخطر هو الصين وليس روسيا".
بناءً على هذه الرؤية، تتحرك الولايات المتحدة لسحب قواتها من أوروبا وإعادة تمركزها في "مسرح المحيطين الهندي والهادئ" لمحاصرة الصين، بينما تُحمّل الشريك الأوروبي أعباءه المالية في مجال الأمن الذاتي. ويؤكد أنيس أن هذا التحول "لا يعتبر تصدعاً استراتيجياً بين ضفتي الأطلسي، ولكنه إعادة تمركز بناءً على الخطر الاستراتيجي على المعسكر الغربي".
ترامب وأوروبا: عقاب آني أم علاقة جديدة؟
في إجابته عن سؤال حول دوافع قرارات ترامب بسحب جنود من ألمانيا ورفع الرسوم على السيارات الأوروبية، يرى أنيس أن التفسير يجمع بين الأمرين. فهي من جهة "عقاب لهم" على الموقف الأوروبي، لكنها من جهة أخرى جزء من استراتيجية أوسع لإعادة الانتشار "لتقليل الإنفاق الأميركي على الأمن الأوروبي وتحميلهم مسؤولية أمنهم الذاتي في مواجهة روسيا".
ويشير المحلل إلى أن روسيا "لم يعد لديها قدرة على التوسع الاستراتيجي بعد أن خسرت أكثر من 600 مليار دولار في الأربع سنوات الماضية في استنزاف استراتيجي داخل مسرح العمليات العسكري في أوكرانيا". وبناءً على ذلك، لم تعد روسيا تشكل خطراً حقيقياً على الأمن الأوروبي، ما يُمكّن الأوروبيين من تحمل أمنهم الذاتي "بنسبة كبيرة من قدراتهم"، بينما تتفرغ أميركا لمواجهة الصين وحصرها استراتيجياً.
نهاية دولة الرفاهة الأوروبية؟
يخلص أنيس إلى نتيجة مفادها أن الدول الأوروبية "ستُضطر إلى التخفيف من صفات دولة الرفاهة". فبرامج الحماية الاجتماعية، والتعليم المجاني، وبدلات البطالة، كلها أعلى كثيراً مما هو معمول به في الولايات المتحدة. وفي ظل الحاجة إلى زيادة الإنفاق العسكري، وعدم القدرة على زيادة الديون السيادية أكثر من ذلك، مستشهداً بأزمة الديون الفرنسية، ستواجه الحكومات الأوروبية معضلة إعادة توزيع الموارد بين الرفاه الاجتماعي والأمن القومي.
غير أن بناء القدرات العسكرية الأوروبية المستقلة، وفق تقدير أنيس، عملية طويلة الأمد: "ستأخذ من 10 إلى 15 سنة لإنتاج السلاح واستيعابه داخل الجيوش". وخلال هذه الفترة الانتقالية، ستشهد أوروبا تغيراً في موازين القوى الداخلية، إذ "تصعد بولندا، وتصعد ألمانيا، وتجد فرنسا نفسها في مواجهة وتوازن لم يكن موجوداً في السنوات الماضية".
الورقة الصينية: هامش المناورة الأوروبي المحدود
في ختام تحليله، يرسم أنيس حدود المناورة الأوروبية في اللعب بالورقة الصينية. فبإمكان أوروبا أن تستخدمها "تجارياً واقتصادياً لتخفيف الضغوط الترامبية"، لكن التحول الاستراتيجي نحو الصين على حساب التحالف مع الولايات المتحدة "أمر غير وارد بسطوة الجيل على الإطلاق". والسبب في ذلك أن النموذج الصيني القائم على أن تكون بكين "مصنع العالم" لا يمكن أن تقبل به أوروبا، لأنه يعني أن "العالم يبيع موارده الطبيعية ويعطي الصين الكاش، والصين تصنع وتأخذ الأرباح".
أما فيما يتعلق بروسيا، فيتوقع أنيس أنه "بمجرد تسوية القضية الأوكرانية، سترجع العلاقات الروسية الأوروبية بشكل ما، وحتى فيما يخص إنجازات الغاز سترجع". لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن التحالف الاستراتيجي الأمني المعلوماتي الاستخباراتي مع واشنطن سيظل غير قابل للمساس، وستبقى قدرة أوروبا على المناورة بالورقة الصينية محدودة بحدود لا يمكن تجاوزها.









