لماذا تشتري الصين الذهب في أسوأ شهوره منذ 2008؟
07:34 - 09 أبريل 2026في مشهد اقتصادي يكسر القواعد التقليدية للأسواق، واصل البنك المركزي الصيني تعزيز حيازاته من الذهب للشهر السابع عشر على التوالي، متجاهلاً تسجيل المعدن الأصفر أسوأ أداء شهري له منذ عام 2008 بتراجع بلغت نسبته 12بالمئة.
هذا الإصرار الصيني على الشراء وسط تراجعات حادة أملتها ضغوط حرب إيران وقوة الدولار، يعكس رؤية بكين العميقة لاقتناص الفرص في ذروة التقلبات العالمية، حيث يضعنا هذا التباين أمام تساؤلات اقتصادية جوهرية، لماذا تشتري الصين الذهب رغم أسوأ أداء شهري للمعدن؟ وفي ظل حالة عدم اليقين، هل تنقذ مشتريات الصين أسعار الذهب من ضغوط حرب إيران؟ والأهم من ذلك، في وقت اتجهت فيه بنوك مركزية أخرى للبيع، لماذا خالفت الصين توجه البنوك المركزية واستمرت بشراء الذهب؟
اشترى البنك المركزي الصيني أكبر كمية من الذهب منذ أكثر من عام في مارس الماضي، مما يؤكد استمرار دعم هذا المعدن النفيس كركيزة أساسية، في وقت تتعرض فيه الأسعار لضغوط ناتجة عن حرب مع إيران، بحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" واطلعت عليه سكاي نيوز عربية.
ووفقاً لبيانات رسمية، ارتفعت حيازات بنك الشعب الصيني من الذهب بمقدار 160 ألف أونصة تروي الشهر الماضي، أي ما يعادل 5 أطنان تقريباً. وأوضح التقرير أن البنك المركزي الصيني يعد من بين أكبر المشترين في العالم، حيث واصل زيادة حيازاته للشهر السابع عشر على التوالي.
وأشار التقرير إلى أن الذهب تراجع بنسبة 12بالمئة في مارس، وهو أسوأ أداء شهري له منذ عام 2008، إذ أدت حرب إيران إلى تعزيز قوة الدولار الأميركي، وأثارت تكهنات بأن الاحتياطي الفيدرالي لن يتمكن من خفض أسعار الفائدة في حال ارتفع التضخم، إذ ألقى هذا المزيج بظلاله على المعدن الأصفر، الذي واجه أيضاً ضغوطاً من بعض المستثمرين الذين اضطروا لبيع الذهب لتغطية خسائرهم في قطاعات أخرى.
ولفت التقرير إلى أن مشتريات بنك الشعب الصيني الأخيرة قد تساعد في تعزيز ثقة المستثمرين بالذهب، في وقت اتجهت فيه بعض البنوك المركزية الأخرى نحو البيع، ففي مارس، قام البنك المركزي التركي ببيع ومقايضة حوالي 60 طناً للدفاع عن الليرة.
ومع ذلك، أوضح التقرير أن مشتريات البنوك المركزية تظل سمة رئيسية في السوق العالمية، حيث تسارعت بعد حرب أوكرانيا في عام 2022، وساهمت في طفرة صعودية استمرت لعدة سنوات. وقد عمدت العديد من اقتصاديات الأسواق الناشئة إلى زيادة مخصصاتها من الذهب كتحوط ضد الأصول المقومة بالدولار الأميركي.
ووفقاً لتقديرات مجلس الذهب العالمي الأسبوع الماضي، اشترت البنوك المركزية صافي 25 طناً في أول شهرين من العام، حيث قاد البنك الوطني البولندي عمليات الشراء باقتنائه 20 طناً في فبراير.
استراتيجية "بكين" واقتناص الفرص
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور عماد الدين المصبح أستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي، في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "حين يرى المضارب أن الذهب خسر 12بالمئة من قيمته في شهر واحد، يهرب. لكن حين يرى بنك الشعب الصيني المركزي الأمر ذاته، يشتري".
وأكد أن "هذا التناقض الظاهري هو في الحقيقة جوهر الاستراتيجية الصينية. ففي مارس 2026، أضافت الصين نحو خمسة أطنان من الذهب إلى احتياطياتها، وهو أعلى مستوى شراء منذ أكثر من عام، مكملةً بذلك سلسلة مشتريات متواصلة لم تنقطع منذ سبعة عشر شهراً. بالنسبة لبكين، الأسعار المنخفضة ليست إنذاراً بل فرصة، والقرار مبني على رؤية هيكلية بعيدة المدى لا على توقعات سعرية آنية".
ورداً على سؤال فيما إذا كانت مشتريات الصين تنقذ أسعار الذهب من ضغوط حرب إيران أجاب الدكتور المصبح: "الصورة تزداد تعقيداً حين ندخل عامل الحرب الدائرة في المنطقة، التي دخلت فجر الثامن من أبريل هدنة مدتها أسبوعين. فعلى خلاف ما يتوقعه كثيرون، لم تدفع الحرب الذهب نحو الارتفاع كملاذ آمن كما جرت العادة، بل حدث العكس".
وأضاف: "عزّزت الحرب الدولار الأميركي ورفعت التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي لن يستطيع خفض الفائدة خشية موجة تضخمية، وكلا الأمرين يضغط على الذهب تاريخياً. زاد على ذلك أن بعض المستثمرين اضطروا لبيع احتياطياتهم من الذهب لتغطية خسائرهم في أسواق أخرى، فتضافرت العوامل لتجعل مارس أسوأ شهر للمعدن الأصفر منذ عام 2008".
رهانات تعزيز الثقة
غير أن الإعلان عن مشتريات الصين أحدث تحولاً فورياً في مزاج السوق، إذ ارتفعت الأسعار بنحو 1بالمئة في اليوم ذاته لتتجاوز 4,690 دولاراً للأوقية. لم تكن هذه المشتريات "إنقاذاً" كاملاً للأسعار، لكنها أعادت جزءاً مهماً من ثقة المستثمرين في وقت بالغ الحساسية، بحسب تعبيره.
وأشار الخبير الاقتصادي الدكتور المصبح إلى أن المشهد لم يكن متجانساً على مستوى البنوك المركزية. ففي الوقت الذي كانت فيه الصين تراكم الذهب، كانت تركيا تبيع وتقايض نحو ستين طناً منه لدعم الليرة التي يتراجع سعر صرفها منذ أمد.
وأوضح أن "هذا التباين لا يعني تعارضاً في التوجهات، بل يعكس فارقاً جوهرياً في الأوضاع. فتركيا كانت في أزمة عملة طارئة تحتاج سيولة فورية، أما الصين فهي في مرحلة بناء استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي في احتياطياتها.
ونوه بأن هذا التوجه ليس صينياً خالصاً، إذ تشاركها فيه اقتصادات ناشئة عديدة منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 التي كشفت هشاشة الاحتياطيات المقومة بالدولار. وقد اشترت بولندا وحدها عشرين طناً في فبراير، ليبلغ صافي مشتريات البنوك المركزية عالمياً خمسة وعشرين طناً في أول شهرين من العام.
وخلص الدكتور المصبح إلى أن ما تفعله الصين اليوم هو قراءة صحيحة للتاريخ. فالذهب بلغ رقماً قياسياً قارب 5,600 دولار للأوقية في يناير 2026، وما نشهده الآن مجرد تصحيح مؤقت تستغله بكين بهدوء ودراية. الاتجاه الهيكلي للبنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة لا يزال نحو تراكم الذهب كوقاء من هيمنة الدولار، والصين ببساطة تسير في طليعة هذا الركب.
الهروب من الدولار وتسييل السندات
وأكد الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة في حديثه، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن إقدام الصين على شراء المعدن الأصفر رغم الأداء المتراجع والتحديات الاقتصادية والسياسية العالمية، ينبع من هدف استراتيجي طويل الأمد، يتمثل في بناء مخزون ضخم من الذهب كبديل للعملة الخضراء (الدولار).
ويرى أن هذا التوجه يتواءم مع سياسة بكين في تقليص حيازاتها من السندات الأميركية تدريجياً، مشيراً إلى أن الصين استغلت تراجع الأسعار عالمياً، وخصوصاً في الشهر الماضي، لتعزيز هذا المسار.
وأوضح الدكتور بدرة أن التوجه نحو "الملاذ الآمن" لم يعد مقتصراًعلى الصين، بل بات ظاهرة عالمية، مستشهداً بقرار فرنسا استعادة احتياطياتها الذهبية من الفيدرالي الأميركي وتخزينها محلياً، وهو ما يعطي ملامح لتوجه عالمي نحو تأمين المخزونات الاستراتيجية عبر الشراء المباشر من الأسواق.
ووصف الدكتور بدرة شهر مارس بـ "الاستثنائي"، وقال: "إن السوق شهد حالة من التخارج الجزئي لبعض الصناديق والمؤسسات التي كانت تضارب على الذهب بعد وصوله لمستويات قياسية (قرابة 5500 دولار)، وذلك تزامناً مع تأزم الأوضاع الجيوسياسية منذ أواخر فبراير مع بدء حرب إيران".
تباين سلوك البنوك المركزية عالمياً
وأشار إلى أن حالة التخوف دفعت المستثمرين للتحول من اكتناز الذهب نحو المضاربة على العملات، وتحديداً الدولار، بالإضافة إلى التوجه نحو قطاع النفط الذي قفزت أسعاره لتلامس 120 دولاراً للبرميل، ما أدى لتدفق السيولة الخارجة من الذهب نحو هذين القطاعين.
وفيما يخص سلوك البنوك المركزية، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور بدرة أن الشهر الماضي شهد تبايناً واضحاً، فبينما قللت بنوك مركزية من مشترياتها أو تخلصت من جزء من حيازاتها لتوفير السيولة وتغطية الخسائر -كما فعل البنك المركزي التركي- ظل "المسار الشرائي" الأساسي مدفوعاً من البنوك الآسيوية، وعلى رأسها البنك المركزي الصيني.














