كيف فرض الذكاء الاصطناعي واقعاً جديداً على صانعيه؟
13:08 - 13 أبريل 2026
بعد مرور ما يقارب الـ 4 سنوات على إطلاق OpenAI لثورة الذكاء الاصطناعي من خلال روبوت الدردشة ChatGPT، بدأت ملامح التحوّل العميق الذي أحدثته هذه التقنية تتضح بشكل غير مسبوق، لا سيما داخل القطاع الذي قاد هذه الثورة.
ففي مفارقة ملفتة، بات من الواضح أن العاملين في مجال التكنولوجيا يقومون اليوم بتطوير بدلاء عنهم، مع مع تصميمهم لأنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على أداء جزء متزايد من وظائفهم، ما يجعلهم في طليعة من يختبر التحوّلات العميقة التي يُحدثها الذكاء الاصطناعي في سوق العمل.
وبالفعل، يشهد نموذج بناء الشركات التكنولوجية تحوّلاً عميقاً، مع تزايد اعتماد هذه الشركات، ولا سيما الناشئة منها، على الذكاء الاصطناعي لإنجاز مهام تطوير تطبيقات وبرامج كانت تتطلب عشرات المبرمجين المهرة قبل بضع سنوات فقط.
من البشر إلى الأكواد
وبحسب تقرير أعدته "نيويورك تايمز"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي طورتها شركات مثل OpenAI وAnthropic وGoogle، تستطيع القيام بالعديد من المهام، حيث برعت هذه التقنيات بشكل خاص في برمجة الحاسوب، ما أتاح للعديد من شركات التكنولوجيا فرصة لإعادة هيكلة مؤسساتها.
ومنذ مطلع هذا العام، قامت أكثر من 70 شركة تقنية بخفض قوتها العاملة عبر تسريح ما لا يقل عن 40 ألف موظف، وفقاً لموقع Layoffs.fyi، الذي يرصد عمليات تسريح الموظفين في هذا القطاع.
وقد سرّحت شركة Block، وهي شركة خدمات مالية تمتلك خدمات Square وCash App وTidal، نحو 40 بالمئة من قوتها العاملة في شهر فبراير 2026، أي ما يقارب الـ 4000 موظف.
وكتب جاك دورسي، الرئيس التنفيذي لشركة Block، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن أدوات الذكاء التي تستخدمها الشركة، إلى جانب فرق عمل أصغر حجماً وأكثر مرونة، تُتيح أسلوب عمل جديد يُغير جذرياً مفهوم بناء الشركات وإدارتها.
وفي يناير الماضي، قال مارك زوكربرغ الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، إن المشاريع التي كانت تتطلب فرقاً كبيرة، باتت تُنجز الآن بواسطة شخص واحد موهوب للغاية. أما آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، فقد كشف في شهر يونيو 2025 أن شركته ستعمل بعدد أقل من الموظفين تدريجياً.
وادي السيليكون يتغير
وبحسب تقرير "نيويورك تايمز"، فإن سوق العمل والمواهب في وادي السيليكون يشهدون عملية إعادة هيكلة واضحة، إذ يُعدّ الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات هذا التحوّل، فقد بات بإمكان شركات البرمجيات إطلاق عدد من "الوكلاء الرقميين" القادرين، في بعض الحالات، على أداء مهام ما يعادل الـ 10 إلى 20 موظفاً.
ولكن تأثير الذكاء الاصطناعي في قطاع التكنولوجيا، قد لا يكون بالضرورة نموذجاً قابلاً للتعميم على باقي القطاعات، فمطور البرمجيات يستطيع قياس جودة الكود الذي يولّده الذكاء الاصطناعي بسرعة وموضوعية نسبية، في حين أن تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي في مجالات أخرى، مثل المحاماة، قد يبقى أكثر تعقيداً ونسبية.
شركات رشيقة للغاية
ويقول خبير التحول الرقمي، ربيع سعادة، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن قطاع التكنولوجيا يعيش اليوم لحظة تاريخية مع الإعلان عن نهاية عصر النمو عبر التوظيف الكثيف الذي ساد لثلاثة عقود، ففي السابق كانت قوة شركات وادي السيليكون تُقاس بعدد المهندسين الموهوبين لديها، أما اليوم باتت هذه القوة تُقاس بقدرة الشركات على دمج الذكاء الاصطناعي في بنيتها الأساسية، لافتاً إلى أن هذا التحول أدى إلى ظهور نموذج "الشركات الرشيقة للغاية"، حيث بدأنا نرى شركات ناشئة تحقق تقييمات بعشرات ملايين الدولارات بفريق عمل لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
ويضيف سعادة إنه عندما يستطيع "وكيل رقمي" إنجاز مهام 20 موظفاً، فهذا يعني أن العالم أمام نموذج اقتصادي جديد كلياً، وأن الشركات لم تعد تبني قوتها التنافسية على حجم فرق العمل، بل على كفاءة الخوارزميات وقدرتها على تعظيم الإنتاجية، وهذا التحوّل ليس استثنائياً بقدر ما هو انعكاس طبيعي لمنطق ابتكار الذكاء الاصطناعي نفسه.
لماذا وادي السيليكون أول المتأثرين؟
ويشرح سعادة أن السبب الرئيسي الذي جعل قطاع التكنولوجيا الأسرع والأكثر تأثراً بتقنية الذكاء الاصطناعي، يعود إلى طبيعته الرقمية البحتة، إذ أن معظم الوظائف في هذا القطاع قائمة على التعامل مع البيانات والبرمجيات، وهي البيئة المثالية التي يتفوّق فيها الذكاء الاصطناعي، وذلك بخلاف القطاعات التقليدية الأخرى التي تتطلب تفاعلاً مادياً أو بشرياً مباشراً، كما أن العاملين في قطاع التكنولوجيا هم أنفسهم من طوّروا أدوات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل عملية تبنّي هذه التقنية من قبلهم أسرع وأكثر سلاسة، فالمهندسون يدركون قدرات الأدوات الذكية ويستطيعون دمجها مباشرة في سير العمل اليومي، ما يسرّع من تأثيرها على الإنتاجية وهيكلة الوظائف.
حصانة المهن الإنسانية
ويشدد سعادة على أنه لا يمكن اعتبار ما يحدث اليوم في قطاع التكنولوجيا، مؤشراً على مستقبل كل القطاعات الأخرى، فخصوصية قطاع التكنولوجيا تكمن في قابليته العالية للأتمتة، أما في القطاعات الأخرى، فالعامل البشري سيظل حاسماً لفترة أطول، إذ تفتقر الخوارزميات حتى الآن إلى القدرة على فهم السياقات الأخلاقية المعقدة، وبناء علاقات الثقة القائمة على الذكاء العاطفي، واتخاذ قرارات مصيرية في بيئات غير منظمة رقمياً، لافتاً إلى أنه بينما يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج كود برمجي مثالي، فإنه لا يزال عاجزاً عن ممارسة التقدير النسبي في قاعة محكمة، أو تقديم المواساة والتشخيص النفسي العميق لمريض، ما يجعل اللمسة البشرية في تلك المجالات، ركيزة أساسية لا يمكن للرموز الرقمية محاكاتها أو استبدالها في المدى المنظور.
الجانب الإيجابي
من جهته يقول المحلل التقني جوزيف زغيب، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الجانب الإيجابي الذي يتم إغفاله وسط أرقام التسريحات، هو أن الإنتاجية الفردية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ البشرية بسبب الذكاء الاصطناعي، ففي السابق كان المبتكر بحاجة إلى تأمين تمويل ضخم لتوظيف مئات الأشخاص قبل أن يرى منتجه النور، أما اليوم فيمكن لشخص واحد موهوب يمتلك رؤية فريدة، أن يطلق منصة عالمية تنافس كبرى الشركات بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي.
مكاسب الاقتصاد العالمي
وبحسب زغيب فإن إعادة الهيكلة في شركات مثل Meta وAmazon تهدف إلى إلغاء الطبقات الإدارية الزائدة، والعودة إلى جوهر العمل التقني، مشيراً إلى أنه عندما يقول مارك زوكربرغ إن شخصاً واحداً بات بامكانه إنجاز مهام فريق كامل، فهذا يعني تزويد الموظف بأدوات ذكية، تمنحه ما يشبه القدرات الخارقة في الإنتاج والتحليل والتطوير، وبهذا المعنى، فإن الشركات لا تستبدل الإنسان بالكامل، بل تعيد هندسة طريقة عمله ليصبح أكثر قدرة على التوسع والإنتاجية، دون زيادة موازية في حجم فريق العمل وبكلفة أقل من السابق.
ويشرح زغيب أنه من الناحية الاقتصادية، فإن تقليل الكلفة وزيادة الإنتاجية في قطاع التقنية، سيعود بالنفع على المستهلك النهائي وعلى الاقتصاد العالمي ككل، إذ أن خفض تكلفة تطوير البرمجيات وتسريع دورة الابتكار يعني وصول المنتجات والخدمات إلى السوق بوتيرة أسرع وبأسعار أقل، ما يوسع قاعدة المستخدمين ويعزز التنافسية بين الشركات، وهذا التحول يخلق دورة اقتصادية أكثر ديناميكية، حيث تتحول وفورات التكلفة إلى استثمارات جديدة في مجالات ناشئة، مشيراً إلى أن التاريخ الاقتصادي يُظهر أن كل موجة تكنولوجية كبرى من الثورة الصناعية إلى الثورة الرقمية، كانت تبدأ بمرحلة إعادة هيكلة مؤلمة، لكنها تنتهي عادةً بتوسيع حجم الاقتصاد وخلق أسواق وفرص جديدة أكثر تنوعاً.
فجوة المهارات
ويعتبر زغيب أن التحدي الأساسي اليوم، لا يكمن في سرعة تطور الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في الفجوة الزمنية المتسارعة بين هذا التطور وبين قدرة سوق العمل على التكيّف معه، فبينما تتغير الأدوات والمنصات وأساليب الإنتاج بوتيرة شبه يومية، لا تزال منظومات التعليم والتدريب، وإعادة التأهيل المهني تتحرك بإيقاع أبطأ بكثير، ما يخلق فجوة واضحة في المهارات المطلوبة فعلياً داخل الاقتصاد الجديد، لافتاً إلى أن هذه الفجوة تعني أن عدداً متزايداً من الوظائف التقليدية لم يعد مطلوباً كما كان في السابق، في حين أن المهارات الجديدة مثل إدارة الأنظمة الذكية، وتوجيه نماذج الذكاء الاصطناعي، وفهم أنظمة الأتمتة ما زالت غير متوفرة بشكل واسع أو منتشرة بين العاملين في السوق.












