هل يعيد الذكاء الاصطناعي أمجاد "صنع في أوروبا"؟
10:10 - 27 يونيو 2026
في وقتٍ يعيد فيه الذكاء الاصطناعي صياغة مشهد الإنتاج العالمي، لم يعد تبني حلوله الذكية مجرد ميزة تنافسية للقطاعات الصناعية، بل أصبح ضرورة وجودية تضمن استدامة الأعمال. وهذا الواقع يفسر السباق المحموم بين القوى الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها القارة الأوروبية، التي تسعى لتوظيف الذكاء الاصطناعي كأداة تساعدها في صون ريادتها التاريخية في قطاع التصنيع.
ورغم أن أوروبا تتخلّف عن الولايات المتحدة والصين في مجال تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المُوجّهة للمستهلكين، إلا أن القارة العجوز تمتلك في المقابل رصيداً هائلاً من بيانات الإنتاج والتصنيع وخبرات تمتد لأكثر من قرن، ما يمنحها فرصة لتطوير تكنولوجيا قادرة على أتمتة المصانع بالكامل وفهم المنتجات التي يبحث عنها الناس، وهي ميزة لا تتمتع بها النماذج اللغوية وروبوتات المحادثة الذكية القادمة من الولايات المتحدة أو الصين.
وقد تفتح نقطة القوة هذه الباب أمام أوروبا لتعويض تأخرها في بعض مجالات الذكاء الاصطناعي، حيث تقول وزيرة الاقتصاد الألمانية، كاترينا رايش، إن أوروبا ربما تكون قد خسرت سباق تطوير أفضل نموذج لغوي ولكنها لم تخسر بأي حال من الأحوال سباق توظيف الذكاء الاصطناعي داخل شركاتها، مشددة على أن هذه المسألة تتعلق بالسيادة والتنافسية وبقدرة أوروبا على الحفاظ على مكانتها الاقتصادية في المستقبل.
تريليون دولار على المحك
وبحسب تقرير أعدته "بلومبرغ" واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن المصنّعين الأوروبيين يواجهون ضغوطاً متزايدة لرفع إنتاجيتهم التي بدأت بالتراجع أمام المنافسين وخصوصاً الآسيويين، حيث يُعدّ "الذكاء الاصطناعي الصناعي" وسيلةً يمكن اللجوء إليها لسدّ هذه الفجوة.
وتكتسب مسألة رفع الإنتاجية أهمية خاصة في أوروبا، إذ كشفت تقارير صادرة عن مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) في شهر مايو الماضي، أن نحو تريليون دولار من قيمة التصنيع مُعرّضة لخطر الانتقال من أوروبا الغربية ودول الشمال الأوروبي إلى مناطق أخرى من العالم.
تحالفات ذكية لإنقاذ مصانع أوروبا
وبالفعل يسعى القطاع الصناعي الأوروبي حالياً إلى الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لاستعادة ميزته التنافسية في مجال التصنيع، حيث تركز شركة Mistral AI، المنافس الأوروبي للشركات العالمية الكبرى مثل "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي"، على التطبيقات الصناعية. وفي إطار هذا التوجه، أبرمت Mistral AI شراكات استراتيجية مع عمالقة الصناعة الأوروبية مثل Airbus لتطوير حلول ذكاء اصطناعي في قطاع الطيران والدفاع، ومجموعة BMW لبناء نماذج محاكاة متطورة لهندسة السيارات. ولم تقتصر جهود ميسترال عند هذا الحد، بل عززت قدراتها العلمية بالاستحواذ على شركة Emmi AI المتخصصة في نماذج المحاكاة والفيزياء الموجهة للهندسة الصناعية، مما يعكس سعي القارة الحثيث لتقديم بديل سيادي وقوي، ينافس الهيمنة التكنولوجية الأميركية والصينية.
ووفقاً لتقرير حديث صادر عن مركز "إنترفيس" للأبحاث، باتت أوروبا تضم عدداً أكبر من الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي الصناعي مقارنةً بالولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تعمل شركات هندسية عريقة مثل Siemens وSchneider Electric وDassault Systèmes وABB على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في برامجها وحلول الأتمتة، بهدف مساعدة المصانع على تعزيز الإنتاجية ورفع الكفاءة وتحسين القدرة التنافسية. ويأتي هذا التوجه في وقت يواجه فيه القطاع الصناعي الأوروبي ضغوطاً متزايدة، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع أعداد العمالة الماهرة، واحتدام المنافسة العالمية.
3 سنوات قبل فوات الأوان
ورغم امتلاك أوروبا ثروة هائلة من البيانات الصناعية والمعرفة التشغيلية المتراكمة، فإنها في الوقت نفسه تعاني من تحدي يتمثل بضرورة تسريع تبني الذكاء الاصطناعي داخل مصانعها للحفاظ على قدرتها التنافسية، حيث تقول سابين شوينرت، المديرة الإدارية لمنطقة أوروبا الوسطى في شركة داسو سيستمز، إن القارة ربما أمامها سنتان أو ثلاث سنوات، لا أكثر، مشيرة إلى أنه في حال لم يدمج المصنّعون الأوروبيون الذكاء الاصطناعي في عملياتهم خلال تلك الفترة، فإنهم لن يتمكنوا من اللحاق بركب آسيا.
غير أن تسريع تبني المصانع الأوروبية للذكاء الاصطناعي ليس بالأمر السهل، فهذه التكنولوجيا تتطلب تمويلاً كبيراً وكوادر مؤهلة وعمليات تصنيع موحدة وكبيرة تسمح بأتمتتها، حيث يفتقر جزء كبير من القاعدة الصناعية الأوروبية إلى واحد أو أكثر من هذه العناصر، علماً أن بعض الشركات في القارة تعاني من وضع مالي صعب، مما يحول دون قدرتها على القيام باستثمارات كبيرة، في حين أن الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم في أوروبا غالباً ما تنتج كميات صغيرة من السلع، وهو ما لا تتناسب مع متطلبات الأتمتة.
مشكلة أخرى
وبغضّ النظر عن تحدي تسريع تبني الذكاء الاصطناعي داخل المصانع الأوروبية، تبرز عقبة أخرى أمام القارة تتمثل في أمن البيانات، فالعديد من المصنّعين الأوروبيين يتوخون الحذر الشديد في مشاركة هذه المعلومات الحساسة مع جهات خارجية، خشية أن يؤدي ذلك إلى تسرب أسرارهم الصناعية أو منح منافسيهم أفضلية تنافسية.
الورقة الاستراتيجية الأخيرة
وتقول مستشارة الذكاء الاصطناعي المعتمدة من أكسفورد هيلدا معلوف ملكي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الرهان الأوروبي على الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بتحسين أداء المصانع أو زيادة الإنتاجية، بل بمحاولة منع موجة جديدة من هجرة الصناعة خارج القارة، فخلال العقدين الماضيين خسرت أوروبا جزءاً مهماً من الصناعات لصالح آسيا والولايات المتحدة، كما تراجعت حصتها من الإنتاج الصناعي العالمي بشكل ملحوظ مقارنة بالصين التي أصبحت اليوم أكبر قاعدة صناعية في العالم، مشيرةً إلى أن أوروبا وجدت نفسها في موقف صعب، فهي لم تنجح في الهيمنة على الاقتصاد الرقمي كما فعلت الولايات المتحدة، ولم تستطع منافسة آسيا في تكاليف الإنتاج المنخفضة، ولذلك أصبح الذكاء الاصطناعي الصناعي بمثابة "الورقة الاستراتيجية الأخيرة" التي يمكن أن تسمح لها بالحفاظ على مكانتها الاقتصادية.
ما أهمية البيانات الصناعية؟
وتكشف معلوف ملكي أن القوة الحقيقية لأوروبا لا تكمن بقدرتها على تطوير أفضل روبوت محادثة ذكي، بل بامتلاكها لقاعدة بيانات صناعية ضخمة تتعلق بالسيارات والطائرات والآلات والدواء، وبناءً على ذلك، فإن القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في القارة العجوز تتركز بما يُعرف بـ "الذكاء الاصطناعي الفيزيائي" وهو النمط المعني بإدارة المصانع، وسلاسل الإمداد، والروبوتات الصناعية، والذي يؤهل هذه القطاعات لتحقيق قفزات نوعية وضخمة.
وتشرح معلوف ملكي أن الكثير يعتقد أن الذكاء الاصطناعي يعتمد فقط على الرقائق والحواسيب القوية والطاقة، بينما الحقيقة هي أن هذه التكنولوجيا تعمل أيضاً على البيانات، فكما يحتاج الإنسان إلى الخبرة ليتخذ قرارات أفضل، يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات دقيقة وعالية الجودة كي يصبح أكثر كفاءة، وأوروبا تمتلك مليارات البيانات المتعلقة بأداء الآلات وخطوط الإنتاج واستهلاك المواد الخام ومعدلات الأعطال وجودة المنتجات، لافتةً إلى أنه عندما يتم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على بيانات تشغيلية متراكمة لعشرات السنين، تصبح قادرة على التنبؤ بالأعطال قبل حدوثها وتحسين استهلاك الطاقة وتقليل الهدر ورفع الإنتاجية بشكل كبير.
أصول استراتيجية
وتضيف معلوف ملكي إن البيانات الصناعية تختلف جذرياً عن البيانات المستخدمة في تطبيقات المحادثة أو وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تعكس كيفية عمل الاقتصاد الحقيقي داخل المصانع، ولذلك يمكن القول إن البيانات الصناعية هي أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها أوروبا اليوم في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
هل تستعيد أوروبا مجدها الصناعي؟
وترى معلوف ملكي أن الذكاء الاصطناعي وحده لن يعيد أوروبا إلى قمة التصنيع، ولكنه بالتأكيد يمثل أفضل فرصة متاحة أمام القارة لتحقيق ذلك خلال العقد المقبل، مشيرةً إلى أن المشكلة الكبيرة التي تواجه أوروبا هي في ارتفاع التكاليف وتحديداً تكاليف الطاقة مقارنة ببعض المنافسين العالميين، ولكن اذا نجحت القارة في دمج الذكاء الاصطناعي داخل قطاعاتها الصناعية بسرعة، فإنها قد تتمكن من الحفاظ على مكانتها كأحد أهم المراكز الصناعية في العالم ولكن ليس أفضلها.
قيود بيروقراطية معقدة
من جهته يقول أخصائي صناعة وتسويق المواد الغذائية وليد جبارة، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إنه لا يمكن مناقشة طموح أوروبا الصناعي بمعزل عن البيئة التشغيلية والتنظيمية التي تتحكم في مفاصل القارة، فصحيح أن أوروبا تمتلك بنك بيانات صناعية لا يُقدّر بثمن، ولكن تحويل هذه البيانات إلى قيمة إنتاجية مضافة يصطدم بحاجزين، الأول هو شح الاستثمارات المخاطرة، والثاني يتمثل بحزمة التشريعات الأوروبية الصارمة، وعلى رأسها "قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي" الذي يضع قيوداً بيروقراطية معقدة على أنظمة الذكاء الاصطناعي المصنفة عالية المخاطر، وهي الأنظمة نفسها التي تدير خطوط الإنتاج والصيانة التنبؤية وإمدادات الطاقة والمصانع الثقيلة، كاشفاً أن هذه الرقابة المفرطة تدفع الشركات الناشئة لتهريب خوارزمياتها إلى أسواق أكثر مرونة تشريعياً مثل الولايات المتحدة أو جنوب شرق آسيا.
الفرق بين أميركا وأوروبا
وبحسب جبارة فإنه عند مقارنة الموقف الأوروبي بنظيره الأميركي، نجد أن واشنطن تعتمد على نهج الابتكار أولاً ثم التنظيم لاحقاً، ما يمنح المصانع هناك حرية تامة في اختبار وتطبيق خوارزميات التعلم العميق دون خوف من الغرامات المليارية، في المقابل، يواجه المُصنّع الأوروبي معضلة مالية، إذ
أن تكلفة عدم الامتثال للتشريعات الجديدة قد تكون باهظة، ما قد يعرّض الشركات لغرامات وعقوبات تستنزف الموارد المخصصة للبحث والتطوير، ولا سيما لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة.
إنقاذ صُنع في أوروبا
ويشرح جبارة أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تيار كهربائي رخيص ومستقر لتشغيل وحدات المعالجة الرسومية والمستشعرات الضخمة، وهو ما تفتقده المصانع الأوروبية حالياً، لذلك يمكن اعتبار أن مهلة الثلاث سنوات ليست مجرد تحذير تقني، بل هي مهلة سياسية واقتصادية، فإما أن تخفف بروكسل قبضتها التنظيمية وتضخ حوافز مالية مباشرة على غرار ما قامت به أميركا، أو أن شعار "صنع في أوروبا" سيتحول قريباً إلى جزء من التاريخ.








