شبح أزمة الطاقة يطارد القارة العجوز مجدداً
10:12 - 04 مارس 2026
لم تكد القارة العجوز تلملم جراح أزمة الطاقة الماضية، حتى استفاقت الأسواق العالمية على وقع طبول حرب جديدة في الشرق الأوسط، عصفت بآمال الاستقرار الهش في سوق الغاز. فبين ليلة وضحاها، قفزت أسعار الغاز الأوروبي بنحو 80 بالمئة، مدفوعة بتوقف مفاجئ في إمدادات عالمية حيوية وتمثل شريان حياة للسوق، إثر هجمات طالت منشآت رئيسية تابعة لشركة قطر للطاقة وتوترات خانقة في مضيق هرمز.
هذا التصعيد يضع أوروبا أمام معضلة كبرى، فهي تدخل الفصل الأخير من الشتاء بخزانات مستنفدة، وفي الوقت نفسه تجد نفسها في صراع محموم مع الأسواق الآسيوية لتأمين أي شحنات بديلة.
ومع تصاعد وتيرة المخاوف من انقطاع طويل الأمد، تبرز التحديات الوجودية لأمن الطاقة في القارة، فهل عادت أزمة الطاقة لتهدد مخزونات أوروبا من جديد؟ وكيف ستعوض أوروبا نقص الغاز مع اشتعال الصراع في مضيق هرمز؟ وماذا سيفعل الأوروبيون بعد قفزة أسعار الغاز بنسبة ثمانين بالمئة؟
وشهدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزة هائلة لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023، بحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" واطلعت عليه "سكاي نيوز عربية"، حيث أرجع التقرير هذا الارتفاع إلى حالة من عدم اليقين بشأن المدة التي سيستغرقها إغلاق محطة "قطر للطاقة"، وتأثير ذلك على إمدادات الطاقة العالمية بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة إيرانية وتوقف إنتاج بعض مشتقاتها.
وأوضح التقرير أن العقود الآجلة القياسية سجلت ارتفاعاً وصلت نسبته إلى 48 بالمئة، بينما ارتفع الغاز الأوروبي بنحو 80 بالمئة منذ إغلاق الجمعة الماضية، وهي مستويات تذبذب لم تُشهد منذ أزمة الطاقة في عام 2022. وبيّن أن هذا الارتفاع يأتي في وقت حساس، حيث تدخل أوروبا المرحلة الأخيرة من الشتاء بخزانات وقود مستنفدة، مما سيجبرها على التنافس مع مشترين رئيسيين آخرين لتأمين التدفقات العالمية.
وأشار التقرير إلى ضغوط تمارسها الصين، أكبر مستورد للغاز المسال عالمياً، على المسؤولين الإيرانيين لتجنب أي أعمال تزيد من تعطيل الصادرات القطرية، مع مطالبتها بضمان العبور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز. وفي السياق ذاته، لفتت وكالة الطاقة الدولية في وثيقة اطلعت عليها "بلومبرغ" إلى أن مرونة الإمدادات محدودة للغاية لتغطية أي توقف كامل للصادرات عبر المضيق، خاصة وأن خطوط الأنابيب النرويجية والروسية تعمل حالياً بأقصى طاقتها.
سباق محموم وتوقعات دولية بموجة غلاء مستمرة
وذكر التقرير أن محللي "غولدمان ساكس" رفعوا توقعاتهم لأسعار الغاز الأوروبي لشهر أبريل 2026 إلى 55 يورو لكل ميغاوات في الساعة. كما نقل التقرير عن خبراء، ومنهم روس ويينو من "إس آند بي غلوبال إنرجي"، توقعاتهم باستمرار التقلبات السعرية الجوهرية مع تقييم الشركات لحجم الخسائر في محافظ إمداداتها، مؤكدين أن المشترين في أسواق آسيا والمحيط الهادئ سيكونون الأكثر "عدوانية" في عمليات الشراء الفورية لتأمين احتياجاتهم.
واختتم التقرير بالإشارة إلى تزايد المخاوف في سوق الخيارات الأوروبية، حيث سجلت التقلبات الضمنية أعلى مستوياتها منذ صيف 2023.
ونقل التقرير عن هويبرت فيجيفينو، الرئيس التنفيذي لمجموعة "إم إي تي" السويسرية، قوله إن "أمن الإمدادات قد يصبح قضية تؤرق أوروبا مرة أخرى"، خاصة مع تداول العقود الهولندية (المعيار الأوروبي) بارتفاع قدره 28 بالمئة لتصل إلى 57.19 يورو لكل ميغاوات في الساعة.
تحديات أمن الطاقة وتوقعات الصدمة القادمة
في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" قال مستشار الطاقة الدولي عامر الشوبكي، حول تداعيات هذا المشهد : "إن أوروبا لم تخرج أصلاً من أزمة الابتعاد عن الطاقة الروسية، لتجد نفسها الآن أمام أزمة جديدة مع إغلاق الصادرات القطرية، التي كانت تمثل المنفذ البديل والأبرز للاستعاضة عن الغاز الروسي".
وأكد الشوبكي أن الخيارات الأوروبية باتت محصورة حالياً في استيراد الغاز من الولايات المتحدة، والنرويج، والجزائر، وبعض الدول الإفريقية. ورأى أن "عنصر الوقت" يصب حالياً في مصلحة الاتحاد الأوروبي كوننا في نهاية فصل الشتاء والمخزونات لا تزال ممتلئة.
واستدرك أن ظهور "شبح أزمة طاقة حقيقية" يعتمد كلياً على طول أمد الصراع في الشرق الأوسط أو مدة الإغلاق الجزئي الذي يشهده مضيق هرمز.
وأشار إلى أن أوروبا تترقب صدمة جديدة قد تضرب أسواقها في الفترة القادمة، وهو أمر يُناقش حالياً على "مستويات عليا" داخل دول الاتحاد الأوروبي، رغم عدم الاعتراف الرسمي بوجود أزمة حتى الآن. ولفت إلى ضرورة تحصين أمن الطاقة الأوروبي عبر البحث عن مصادر بديلة للغاز القطري في حال استمرار الانسداد.
وأضاف مستشار الطاقة الدولي الشوبكي: "إن الضغوط على الاتحاد الأوروبي تضاعفت أيضاً مع إغلاق حقول شرق المتوسط، وتحديداً حقلي "ليفاثيان" و"تمار" الإسرائيليين، ما يقلص الخيارات المتاحة ويضع أمن الطاقة الأوروبي أمام اختبار هو الأصعب منذ أعوام".
تآكل المخزونات وسيناريوهات "التقنين الإلزامي"
ومن برلين قال مصطفى السيد الخبير بشؤون الطاقة في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "إن مخزونات الغاز الأوروبية سجلت قرابة 30 بالمئة فقط من طاقتها التخزينية، وهي أدنى مستوياتها نتيجة الشتاء البارد والطويل، لافتاً إلى أنها كانت قبل اندلاع النزاع أقل بنسبة 9 بالمئة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي".
وأكد السيد أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز عقب التصعيد العسكري، وتوقف الإنتاج في "رأس لفان" و"مسيعيد"، يعني فقدان نحو 20 بالمئة من الإمدادات العالمية مؤقتاً، ما يهدد بخسارة تتراوح بين 86 و120 مليار متر مكعب سنوياً. وحذر من أن هذا الوضع يهدد بإعادة سيناريو عام 2022، حيث قد تنخفض المخزونات إلى أقل من 20 بالمئة بحلول نهاية الصيف إذا استمر الإغلاق، مما قد يفرض "تقنيناً صناعياً" وتخفيضات إلزامية في الاستهلاك.
وأشار السيد إلى أن أوروبا تواجه عوائق كبيرة في تعويض هذا النقص، خاصة وأنها تعتزم استكمال خطة الحظر النهائي للغاز الروسي بحلول عام 2027. وأوضح أن الاعتماد على زيادة الواردات من الولايات المتحدة وأستراليا سيصطدم بتوافر الشحنات وبمنافسة شرسة من الأسواق الآسيوية، ما سيدفع الأسعار لمزيد من الارتفاع. كاشفاً أن ألمانيا أعادت بالفعل تفعيل "فريق عمل" لمراقبة الأسواق ومنع حدوث نقص حاد.
وأضاف السيد أن الحلول قصيرة الأجل المتمثلة في محاولة إعادة توجيه بعض الشحنات من آسيا أو زيادة الإنتاج المحلي في النرويج تبقى "محدودة التأثير".
وبيّن أن التحدي الأكبر يكمن في الفجوة الرقمية للمخزونات، حيث بدأت أوروبا عام 2026 بمخزونات منخفضة جداً بلغت 46 مليار متر مكعب مقارنة بـ 77 ملياراً في عام 2024.
واختتم الخبير بشؤون الطاقة السيد حديثه بطرح تساؤل استراتيجي: "هل تضطر الأزمة الأوروبيين إلى تعديل خططهم تجاه الاعتماد على الغاز الروسي بدل التوقف عن استيراده؟"، مؤكداً أن الإجابة تعتمد على مدى قدرة المخزونات على الصمود في الأسابيع المقبلة.






