كيف يمكن لروبوتات الدردشة إحداث تحول في قطاع التجزئة؟
13:09 - 30 يناير 2026
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مشهد التجارة الإلكترونية بوتيرة متسارعة، بعدما تجاوز دوره حدود الدعم الفني وخدمة العملاء ليصبح طرفاً فاعلًا في قرارات الشراء نفسها.
المحادثة التي كانت تُستخدم للإجابة عن سؤال، تتحول إلى أداة بحث ومقارنة وتوصية، تختصر على المستهلك رحلة طويلة بين الصفحات والعروض.
تغير روبوتاتُ الدردشة طبيعة تجربة التسوق من عملية قائمة على التصفح اليدوي إلى تفاعل ذكي يفهم السياق ويحلل التفضيلات ويقترح البدائل في لحظات.
يرفع هذا التحول مستوى الراحة لدى المستخدم، كما يعيد تعريف مفهوم "المتجر الرقمي"، ليصبح أقرب إلى مساعد شخصي دائم الحضور يوجّه قرارات الشراء خطوة بخطوة.
كما تفتح هذه القفزة التقنية الباب أمام مرحلة جديدة في قطاع التجزئة، تتداخل فيها الخوارزميات مع السلوك الاستهلاكي بصورة غير مسبوقة، ما يمنح الشركات أدوات أكثر دقة للتأثير في قرارات العملاء، وفي الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بالخصوصية والثقة ومستقبل العلاقة المباشرة بين العلامات التجارية وجمهورها.
المبيعات المدفوعة عبر منصات الـ AI
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية إلى أن المبيعات المدفوعة عبر منصات الذكاء الاصطناعي ستشكّل نحو 1.5 بالمئة من إجمالي تجارة التجزئة الإلكترونية في الولايات المتحدة هذا العام، وفقًا لتوقعات شركة الأبحاث Emarketer.
وينقل التقرير عن الرئيس التنفيذي لشركة غوغل، سوندار بيتشاي، قوله: "لسنوات طويلة، كان التسوق عبر الإنترنت يعتمد على الكلمات المفتاحية والفلاتر والقوائم المنسدلة، وعلى تصفح صفحات متعددة من نتائج البحث حتى تجد ما تريد.. أما الآن، فيمكن للذكاء الاصطناعي القيام بالعمل الشاق".
ووفق التقرير، فإن الذكاء الاصطناعي الوكيل قد يمثل خطوة متقدمة تماثل في أهميتها بدايات التسوق عبر الإنترنت في التسعينيات، أو ظهور الهواتف الذكية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إذ يعمل الوكلاء المستقلون على التخلص من عناء البحث والمقارنة.
تسعى الشركات الناشئة، بما في ذلك Perplexity وOpenAI، إلى جانب عمالقة التكنولوجيا مثل غوغل، إلى جعل هذه الأدوات الخيار الأول لشراء السلع، بما يجعل منصات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي واجهات جديدة للتسوق الرقمي.
وأشادت الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة إنستاكارت، والتي تشغل حالياً منصب رئيسة قسم التطبيقات في شركة أوبن إيه آي، فيدجي سيمو، بالفرصة التي تتيحها هذه التقنية لتحسين جودة حياة المستخدمين. وكتبت في مدونة أوبن إيه آي العام الماضي: "لدينا فرصة لجعل هذه الإمكانيات الموفرة للوقت ليست مفيدة فحسب، بل روتينية أيضاً".
ومع ذلك، فإن صعود الذكاء الاصطناعي الوكيل يهدد أيضًا بإعادة تشكيل منظومة تجارة التجزئة الإلكترونية التي استُثمرت فيها مليارات الدولارات، وقد يؤدي إلى تراجع سيطرة الشركات على علاقات العملاء وقواعد البيانات الضخمة التي راكمتها على مدى عقود، لصالح وسطاء تقنيين جدد، بحسب التقرير.
ويحذر بعض خبراء الأمن السيبراني من أن تسليم البيانات الشخصية لبرامج التسوق الآلية قد يسهّل عمليات الاحتيال، كما قد يتعرض المستخدمون للتضليل عبر مواقع إلكترونية مصممة بذكاء لخداع أنظمة الشراء الآلي. كذلك، هناك احتمال أن يفضّل بعض المتسوقين عدم الاعتماد الكامل على هذه الأدوات، باعتبار التسوق نشاطًا ممتعًا، تمامًا كما لم يتخل كثيرون عن المتاجر التقليدية.
عنصر محوري
من جانبه، يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بجامعة سان هوزه الحكومية في كاليفورنيا، د. أحمد بانافع، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- روبوتات الدردشة الذكية باتت تشكل عنصراً محورياً في تطوير التجارة الإلكترونية وتعزيز تنافسية الشركات، لما توفره من تحسين شامل لتجربة العملاء وزيادة المبيعات وخفض التكاليف التشغيلية.
- أول أبرز المكاسب يتمثل في تحسين تجربة العملاء، حيث تتيح روبوتات الدردشة خدمة فورية على مدار الساعة (24/7) دون انتظار، ما يرفع مستويات الرضا ويقلل من حالات التخلي عن الشراء.
- كما تتميز بقدرتها على تقديم تجربة مخصصة عبر فهم سلوك المستخدم وتاريخه الشرائي، بما يشبه وجود “مساعد تسوق شخصي” لكل عميل.
ويضيف أن الذكاء الاصطناعي يسهم بشكل مباشر في زيادة المبيعات من خلال اقتراح منتجات مرتبطة باهتمامات العميل، ما يعزز استراتيجيات البيع الإضافي (Upselling) والبيع المتقاطع (Cross-selling)، فضلًا عن إرسال رسائل مخصصة للعملاء الذين لم يكملوا عمليات الشراء، وتشجيعهم على العودة واستكمال الطلب.
ويشير بانافع إلى أن تقليل التكاليف التشغيلية يعد من أهم المزايا؛ إذ تتولى الروبوتات أتمتة الرد على الاستفسارات المتكررة مثل تتبع الشحنات وسياسات الإرجاع ومواصفات المنتجات، ما يقلل الحاجة إلى فرق دعم كبيرة، ويحد من الأخطاء البشرية عبر تقديم إجابات موحدة ودقيقة.
وفيما يتعلق بالبيانات، يوضح أن روبوتات الدردشة توفر تحليلات ذكية لسلوك العملاء من خلال تسجيل وتحليل التفاعلات، ما يساعد الشركات على فهم اهتمامات العملاء ونقاط الألم وتحسين استراتيجيات التسويق. كما يمكن استخدامها لاختبار الحملات التسويقية وقياس التفاعل معها بسرعة وكفاءة.
ويؤكد بانافع أن دعم تعدد اللغات يمنح الشركات قدرة أكبر على دخول الأسواق العالمية دون أعباء توظيف إضافية، إضافة إلى دور الروبوتات المدمجة مع منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وواتساب وإنستاغرام في الرد الفوري على العملاء وتحويل المتابعين إلى مشترين فعليين.
ويختم بانافع حديثه بالإشارة إلى عددٍ من التحديات المحتملة؛ أبرزها ضرورة ضمان خصوصية البيانات، وتدريب الروبوتات على فهم اللهجات والتعابير المختلفة، إضافة إلى تحديد اللحظة المناسبة لتحويل العميل إلى دعم بشري لتجنب الإحباط وتعزيز الثقة.
تحول
ووفقاً لأحدث دراسة أجرتها شركة بي سي سي للأبحاث بعنوان "الذكاء الاصطناعي في تجارة التجزئة الغذائية والتجارة الإلكترونية"، من المتوقع أن تنمو السوق من 3.5 مليار دولار في عام 2025 لتصل إلى 13.4 مليار دولار بحلول نهاية عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 30.8 بالمئة خلال فترة التوقعات من 2025 إلى 2030.
وبحسب التقرير، تشمل العوامل الدافعة لنمو السوق ما يلي:
- توسع منصات البقالة الإلكترونية والتجارة السريعة: يُسهم النمو السريع لخدمات البقالة الإلكترونية والتجارة السريعة (التوصيل خلال 10-30 دقيقة) في تعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي.. يُمكّن الذكاء الاصطناعي من التنبؤ بالطلب، وتحسين المخزون، وتخطيط المسارات، مما يضمن توصيلاً أسرع وتكاليف تشغيلية أقل.
- طلب المستهلكين على تجارب تسوق شخصية: يتوقع المتسوقون توصيات مصممة خصيصاً لهم وعروضاً ديناميكية.. يدعم الذكاء الاصطناعي محركات التوصيات والعروض الترويجية الشخصية والمساعدين الافتراضيين، مما يخلق تجربة تسوق أكثر جاذبية وتخصيصًا تعزز ولاء العملاء.
- طلب المستهلكين على خدمات التوصيل الذاتي والتوصيل إلى الوجهة النهائية: يرغب العملاء في خيارات توصيل أسرع وأكثر ملاءمة مثل الطائرات بدون طيار والروبوتات.. يدعم الذكاء الاصطناعي الملاحة الذاتية والتتبع في الوقت الفعلي وتحسين التوصيل إلى الوجهة النهائية، مما يقلل وقت التوصيل ويعزز الشفافية.
وكلاء الذكاء الاصطناعي
بدوره، يقول استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في شركة G&K، عاصم جلال، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- إن وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) يمثلون نقلة نوعية في علاقة التكنولوجيا بحياتنا اليومية، إذ لم تعد الأنظمة الذكية مجرد أدوات تنفيذية تنتظر الأوامر، بل تحولت إلى شركاء استباقيين قادرين على فهم السياق، واستيعاب تفضيلات المستخدمين، واتخاذ قرارات مستقلة نيابةً عنهم.
- وكلاء الذكاء الاصطناعي هم أنظمة برمجية ذكية قادرة على العمل بشكل مستقل لإنجاز مهام وأهداف محددة، ومع تطور قدراتهم، سيشهد قطاع التسوق تحولاً جذرياً. فبدلاً من الاكتفاء بتقديم توصيات بسيطة، سيصبح هؤلاء الوكلاء متسوقين شخصيين متطورين، قادرين على البحث عن المنتجات، ومقارنة الأسعار عبر مختلف المنصات، والتفاوض على الصفقات، بل وإتمام عمليات الشراء بالكامل وفق معايير محددة مسبقاً وتفضيلات مكتسبة بمرور الوقت.
ويضيف أن هذا التحول سيعيد تشكيل المشهد التجاري العالمي، من خلال نقل القوة بشكل أكبر إلى المستهلكين، وتقليص تأثير آليات التسويق التقليدية. فعندما يتولى وكلاء الذكاء الاصطناعي قرارات الشراء، سيكونون أقل تأثراً بالمحفزات النفسية التي تدفع إلى الشراء الاندفاعي، مثل الإعلانات البراقة، والنداءات العاطفية، والعروض محدودة الوقت، إذ إن هذه الأساليب تفقد فعاليتها أمام خوارزميات مصممة حصرياً لتعظيم القيمة الفعلية للمستخدم.
بدلاً من ذلك، سيعتمد وكلاء الذكاء الاصطناعي على تحليل عوامل موضوعية، مثل تاريخ الأسعار، ومراجعات المستخدمين، وجودة المكونات، ومستويات المتانة، والتكلفة الحقيقية للملكية على المدى الطويل. وهو ما يضع الموردين والشركات أمام ضغوط غير مسبوقة للمنافسة على أساس القيمة الحقيقية للمنتج، لا على أساس البراعة التسويقية.
ويؤكد جلال أن الشركات ستُجبر في هذا السياق على التركيز على تقديم جودة أعلى، أو أسعار أكثر تنافسية، أو ابتكار حقيقي، باعتبارها العوامل التي سيعطيها وكلاء الذكاء الاصطناعي الأولوية. والنتيجة المتوقعة هي سوق أكثر شفافية وكفاءة، تتحقق فيه الميزة التنافسية المستدامة من جوهر المنتج لا من حجم الإنفاق الإعلاني، بما يعود بالنفع على المستهلكين من حيث الحصول على منتجات أفضل بأسعار أكثر عدالة، ويدفع الشركات إلى التركيز على القيمة الحقيقية بدلاً من الشكل الخارجي.






