توقعات "ليمند".. هل يطرق الذهب باب 10 آلاف دولار؟
08:14 - 29 يناير 2026في لحظة دولية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الضغوط التجارية الأميركية مع تحوّلات عميقة في بنية النظام الاقتصادي العالمي، يبرز الاتفاق الأوروبي-الهندي كأحد أكثر التطورات دلالة على إعادة تشكّل موازين القوة، فيما يتقدّم الذهب مجددًا إلى واجهة المشهد كأداة تحوّط وملاذ آمن في مواجهة تراجع النفوذ النقدي للدولار.
ضمن هذا السياق، قدّم الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي في NeoVision، الدكتور ريان ليمند، خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، قراءة تحليلية مترابطة لهذه التحوّلات، رابطًا بين الاتفاقات التجارية الجديدة، والضغوط الأميركية، وتغيّر أدوات المواجهة الاقتصادية، وصولًا إلى الدور المتصاعد للذهب في النظام المالي العالمي.
أوروبا بين مظاهر الضعف وأدوات القوة الكامنة
استهل ليمند تحليله بالإشارة إلى أن أوروبا، رغم ما تعانيه من أزمات بنيوية واضحة، لا تزال تمتلك القدرة على الوقوف في وجه الولايات المتحدة اقتصاديًا. وأوضح أن القارة الأوروبية تواجه جملة من التحديات، أبرزها تباطؤ النمو الاقتصادي، وتراجع وزنها النسبي في الاقتصاد العالمي، إذ انخفضت مساهمة الاقتصاد الأوروبي من نحو 26 بالمئة قبل عشرين عامًا إلى أقل من 14 بالمئة حاليًا. كما أشار إلى تفاقم أزمات الهجرة، وارتفاع الضرائب، وتراكم المشكلات الهيكلية.
ورغم ذلك، شدّد ليمند على أن أوروبا تظل القارة الأقدم حضاريًا والأكثر تقدمًا على هذا الصعيد، ما يمنحها أدوات ضغط غير تقليدية في مواجهة الولايات المتحدة، بعيدًا عن منطق الصدام العسكري المباشر.
"الخيار النووي": سندات الخزينة كسلاح اقتصادي
في هذا السياق، حدّد ليمند أداتين رئيسيتين تستطيع أوروبا من خلالهما ممارسة ضغط فعلي على واشنطن، وفي مقدمتهما سندات الخزينة الأميركية.
واعتبر أن ما جرى في هذا الملف يرقى إلى ما وصفه بـ"الخيار النووي"، موضحًا أن تهديدًا مباشرًا وُجّه إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال منتدى دافوس، مفاده أن الاستمرار في السياسات المرتبطة بملف غرينلاند قد يدفع الأوروبيين إلى بيع سندات الخزينة الأميركية.
وأكد ليمند، استنادًا إلى ما وصفه بمعلوماته الخاصة، أن هذا التهديد لم يبقَ في الإطار النظري، بل تُرجم عمليًا، إذ بدأت الدنمارك بالفعل ببيع جزء من حيازتها من السندات الأميركية، في خطوة تهدف إلى إظهار الجدية الأوروبية. ورغم عدم صدور إعلان رسمي عن الحلفاء الأوروبيين، فإن الأرقام – بحسب تعبيره – تعكس بداية هذا المسار، ما يشكّل مشكلة كبرى للإدارة الأميركية في حال توسّع هذا التوجه.
الترابط الصناعي… نقطة ضعف وقوة في آن
وسّع ليمند دائرة التحليل ليشمل الترابط الصناعي بين ضفتي الأطلسي، مستشهدًا بمثال الطائرة الحربية الأكثر تطورًا في العالم، F-35، التي تشكّل الصناعات الأوروبية نحو 26 بالمئة من مكوناتها. ولفت إلى أن شركات مثل رولز رويس تلعب دورًا محوريًا في هذا البرنامج، معتبرًا أن سحب المحركات أو تعطيل سلاسل الإمداد كفيل بشلّ المشروع بالكامل.
وبناءً عليه، رأى ليمند أن الأوروبيين، وإن كانوا غير قادرين على خوض حرب عسكرية ضد الولايات المتحدة، إلا أنهم يملكون القدرة على الدخول في حرب اقتصادية قد يخسرها الطرفان، لكن من دون أن تكون كلفتها أحادية الجانب.
منطق "التنمّر" في العلاقات الدولية
وانتقل ليمند إلى توصيف سلوك الولايات المتحدة في علاقاتها الدولية من زاوية "التنمّر"، معتبرًا أن هذا النمط يولّد خيارين لدى الطرف المقابل: الخضوع أو المواجهة. وأكد أن الخضوع ليس حلًا، لأن المتنمّر – وفق تعبيره – يتحرّك بدافع الضعف ومحاولة إخفائه.
وضرب مثالًا بكندا، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء السابق مارك كارني تصرّف بذكاء في إدارة المواجهة مع واشنطن، مستندًا إلى ما تمتلكه كندا من موارد طبيعية ضخمة، سواء في المعادن النادرة أو النفط. ورأى أن كندا، رغم الخسائر المتوقعة، قادرة على الخروج من هذا السياق بـ"كرامة"، عبر عقد اتفاقيات وتكتلات تضع حدًا لسياسات الضغط.
أدوار تفاوضية واحتمال تفكك "الناتو"
وفي قراءته للسلوك الأوروبي، طرح ليمند احتمالين: الأول أن الأوروبيين يعتمدون أسلوب توزيع الأدوار في التفاوض مع واشنطن، بحيث يتولى طرف التشدد وآخر التليين، في محاولة لتحقيق مكاسب من رئيس يتمتع بشخصية تفاوضية خاصة، تميل إلى الاستجابة للمديح وإشارات الاحتواء.
أما الاحتمال الثاني، فيتعلق بمستقبل حلف شمال الأطلسي، إذ حذّر من أن خروج الولايات المتحدة من "الناتو" سيعني عمليًا انتهاء دور الحلف، وتحويل أمينه العام إلى موقع بلا وظيفة، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل المنظومة الأمنية الغربية برمتها.
الذهب… من "حجر" إلى مرآة التاريخ النقدي
الجزء الأوسع من حديث ليمند خُصص للذهب، حيث عاد إلى تجربته الشخصية منذ عام 2017، عندما كان سعر الأونصة دون 2000 دولار، في وقت كانت فيه مؤسسات كبرى مثل "غولدمان ساكس" تعتبر أن الذهب بلغ ذروته. وأوضح أنه، بصفته مدير استثمار، تعرّض لانتقادات بسبب نظرته الإيجابية تجاه الذهب، لكنه استند في قناعته إلى قراءة تاريخية معمّقة.
واستعرض ليمند مسار الحضارات الكبرى، من الإمبراطورية البريطانية التي سيطرت في ذروتها على 38 مليون كيلومتر مربع، وكان الجنيه الإسترليني عملة الاحتياط العالمية، إلى لحظة فك ارتباطه بالذهب خلال الحرب العالمية الأولى، ثم انتقال مركز الثقل إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية واتفاق بريتون وودز، الذي ربط الدولار بالذهب.
فك الارتباط… وبداية دورة الدين الأميركية
وتوقّف ليمند عند قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب خلال حرب فيتنام، بهدف توسيع الكتلة النقدية ودفع النمو، معتبرًا أن هذا القرار أطلق مسارًا طويلًا من الاستدانة. وأشار إلى أن الولايات المتحدة تضيف اليوم نحو تريليون دولار إلى دينها كل 180 يومًا عبر إصدار سندات الخزينة، التي تشتريها دول كأوروبا واليابان والصين.
وبحسب ليمند، فإن الدين الأميركي بات ينمو بوتيرة "خرافية"، ما يضع الولايات المتحدة في مسار مشابه لما شهدته بريطانيا سابقًا، مع تراجع تدريجي في دور الدولار كعملة احتياط عالمية، من 52 بالمئة إلى نحو 40 بالمئة خلال فترة قصيرة.
الذهب كملاذ في عالم ما بعد الدولار
في ظل هذا التحول، شدّد ليمند على أن الذهب أصبح وسيلة ادخار وتحوط وملاذًا آمنًا في مواجهة تراجع النفوذ الأميركي والدولار، مؤكدًا أن هذا المسار لا يعني انهيارات مفاجئة، بل تراجعًا بطيئًا يمتد على عقود، بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي لكنه يتسارع اليوم.
وأشار إلى أن القدرة الشرائية للدولار تآكلت بشكل حاد خلال خمسين عامًا، في حين بقي الذهب الأصل الوحيد القادر على الحفاظ على القيمة. وانطلاقًا من هذه المعطيات، قال ليمند إن "السبيل الوحيد للخلاص والتحوط هو الذهب"، معتبرًا أن استمرار العوامل الحالية قد يدفع سعره إلى 10 آلاف دولار، بل وذهب أبعد من ذلك بالقول إن تراجع الدولار إلى أقل من 20 بالمئة كعملة احتياط قد يرفع سعر الذهب نظريًا إلى 39 ألف دولار.
تقاطع الرؤى: من ليمند إلى ساويرس
وفي هذا الإطار، تتقاطع رؤية ليمند مع ما قاله في حوار سابق لسكاي نيوز عربية الملياردير المصري نجيب ساويرس، الذي أكد أن الذهب، بعد وصوله إلى مستوى 3000 دولار، يتجه إلى 5000 دولار، معتبرًا أن هذا الارتفاع مبرّر في ظل التحولات النقدية والاقتصادية العالمية. ويأتي هذا الطرح منسجمًا مع قراءة ليمند التي ترى في الذهب المرآة الأكثر دقة لمرحلة "ما بعد الدولار" التي يستعد لها العالم.
عالم يتهيأ لمرحلة انتقالية
وختم ليمند حديثه بالتأكيد على أن العالم بات يتهيأ لمرحلة انتقالية شبيهة بتلك التي سلّمت فيها بريطانيا راية القيادة إلى الولايات المتحدة، معتبرًا أن الولايات المتحدة اليوم، بسياسات إدارتها، تسرّع تراجع نفوذها، لا انهياره. وبينما يتراجع الدولار، وتُعاد صياغة التحالفات، يبقى الذهب – وفق هذا المنظور – الثابت الوحيد في مشهد عالمي سريع التحوّل.





