قطاع البرمجيات "في أزمة".. ما السبب؟
11:55 - 09 فبراير 2026
"ثمة حالة من الارتباك الوجودي لدى المستثمرين، مع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة التنفيذ الفعلي".. هكذا وصف استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في شركة G&K، عاصم جلال، لدى حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أسباب التراجعات الحادة التي شهدها قطاع البرمجيات مؤخراً.
في تقدير جلال، فإن "ما يحدث ليس مجرد حركة تصحيحية عابرة، بل هو إعادة تقييم شاملة لنموذج البرمجيات كخدمة" (SaaS)؛ حيث بدأ الذكاء الاصطناعي في تمكين غير المتخصصين من بناء أدوات إدارية معقدة في دقائق معدودة، وهو ما يهدد الشركات التي تعتمد على "قشور" الوظائف البرمجية ولا تمتلك أنظمة أساسية (Deep Infrastructure) يصعب استنساخها.
تأتي التراجعات الأخيرة في القطاع بعد أن تأثرت أسهم شركات التحليلات والبرمجيات في الأسبوع الماضي بشكل ملحوظ بعد أن أطلقت شركة أنثروبيك، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، أدوات إنتاجية قد تُغني، مع مرور الوقت، عن الكثير من وظائفها.
- " شهدت أسهم شركات البرمجيات وخدمات البيانات والناشرين ومزودي المعلومات المالية ومديري الأصول البديلة وشركات الألعاب انخفاضاً حاداً نتيجة لتزايد المخاوف من الاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي"، بحسب تقرير لفايننشال تايمز.
- قطاع البرمجيات انخفض بنسبة 16 بالمئة حتى الآن هذا العام، وفق محللة الأسهم في غولدمان ساكس شارون بيل.
- لا تكمن المشكلة هنا في أن الحماس لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي قد تحول إلى فقاعة كما خشي الكثيرون، أو على الأقل، لم تنفجر هذه الفقاعة لأن التكنولوجيا نفسها أثبتت فشلها. بل على العكس تمامًا، ففي بعض المجالات، يعمل الذكاء الاصطناعي بكفاءة عالية جدًا.
بيع عشوائي
وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت هذه التراجعات مبالغاً فيها، يعتبر عاصم جلال أن السوق تمر بمرحلة "بيع عشوائي" تخلط بين الشركات المتضررة فعلياً والشركات الدفاعية.
ويؤكد أن الشركات التي توفر "أنظمة سجلات" (Systems of Record) أو حلول الأمن السيبراني لا تزال تمتلك خنادق دفاعية قوية بسبب تأثير الشبكة (Network Effects) وصعوبة استبدالها ببرمجيات مولدة آنياً.
ومع ذلك، يرى جلال أن التراجعات في شركات الـ (Application Layer) مبررة إلى حد كبير، حيث يتجه المستقبل نحو برمجيات مخصصة يتم إنتاجها عند الطلب، مما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الاشتراكات السنوية الضخمة في برمجيات يمكن استبدالها ببدائل ذكية وشخصية.
تراجعات مبالغ فيها
لكن مورنينغ ستار تقول إن المخاوف مبالغ فيها إلى حد كبير، وأن موجة البيع الفوضوية تمثل فرصة مثالية للشراء عند انخفاض الأسعار.
وفي التصريحات التي نقلتها منصة "بيزنس إنسايدر" عن كبير محللي الأسهم في مورنينغ ستار، دان رومانوف، فإنه يقول:
- "لا نرى أدلة تُذكر على تحقق السيناريوهات السلبية".
- "معدلات الاحتفاظ بالعملاء ومؤشرات البرمجيات الأخرى تبدو قوية".
- "نحن نُقر بالمخاطر، لكننا نعتقد بأن المخاوف مُبالغ فيها".
ويضيف: "لا نعتقد بأن عملاء برامج المؤسسات سيُغيّرون حلولهم الداخلية بشكلٍ يُهدد نماذج مُورّدي التطبيقات بشكلٍ جماعي.. قد يكون هناك بعض الضغط على عدد المستخدمين، ولكن لا يوجد دليل يُشير إلى حدوث ذلك، والأتمتة ليست اتجاهاً جديداً".
على الرغم من المخاوف من أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على صناعة البرمجيات ، قال رومانوف إن المستثمرين ربما يمنحون التكنولوجيا الجديدة الكثير من الثقة، وأن الشركات صرحت علنًا بأنها لا تزال تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بشك كبير.
وأضاف رومانوف: "على الرغم من كل الضجة الإعلامية، لا تُدرّ منتجات الذكاء الاصطناعي إيرادات كبيرة لموردي البرمجيات، إذ تخشى فرق الإدارة من الهلوسة والأنظمة الخبيثة".
كما أشار إلى أوجه تشابه تاريخية مع حالات سابقة للأتمتة لم تتسبب في اضطرابات كبيرة في أسواق العمل.
قلق عام
بينما يشير خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بجامعة سان هوزه الحكومية – كاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، لدى حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إلى الضغوطات الأوسع التي تواجهها أسهم التكنولوجيا، وقطاع البرمجيات مؤخراً بصورة لافتة، مشدداً على أن:
- هذه التراجعات تعكس بالدرجة الأولى حالة قلق متزايدة لدى المستثمرين من التأثيرات المحتملة للتطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي على نماذج الأعمال التقليدية.
- أحد أبرز أسباب موجة البيع يتمثل في المخاوف من أن أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، خصوصًا في مجال الأتمتة، قد تقلل من الاعتماد على نماذج البرمجيات القائمة على الاشتراكات السنوية مثل SaaS، أو تجعل بعض وظائفها أقل جدوى مستقبلاً، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مستقبل هذه الشركات.
- الارتفاعات الكبيرة التي شهدها قطاع التكنولوجيا خلال السنوات الماضية، وخاصة أسهم البرمجيات، جعلت التقييمات عند مستويات مرتفعة، ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى المشهد، بدأ المستثمرون في مراجعة افتراضات النمو السابقة، ما أدى إلى خفض بعض المراكز الاستثمارية أو التحوط ضد المخاطر.
ويشير د. بانافع إلى أن العوامل النفسية والسلوكية لعبت دوراً واضحاً في تسريع وتيرة التراجع، موضحاً أن جزءاً من عمليات البيع لا يعكس تدهوراً فعلياً في الأداء المالي أو الأرباح، بل جاء كرد فعل سريع لحالة عدم اليقين والخوف من تغيرات مستقبلية محتملة، حتى في غياب أخبار سلبية جوهرية.
وحول ما إذا كانت هذه التراجعات مبالغاً فيها، يؤكد أن جزءاً كبيراً منها قد يكون بالفعل مبالغاً فيه، لافتاً إلى أن الأساسيات المالية لمعظم الشركات التكنولوجية ما زالت قوية، مع استمرار النمو والربحية، وأن المخاطر المرتبطة باستبدال نماذج الأعمال الحالية بالذكاء الاصطناعي ليست مؤكدة على المدى القصير أو المتوسط، وقد تستغرق سنوات قبل أن تتحقق.
ويتابع أن العديد من التحليلات ترى أن البيع السريع كان في جوهره رد فعل نفسي أكثر من كونه انعكاسًا لتغيرات جوهرية في الطلب أو الأرباح، وهو ما دفع بعض المؤسسات الاستثمارية إلى اعتبار هذه التراجعات فرص شراء انتقائية في قطاعات معينة.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن "ما يحدث حالياً يُنظر إليه في المجمل كتصحيح طبيعي بعد سنوات من الارتفاعات القوية، وليس بالضرورة بداية أزمة طويلة الأمد في قطاع التكنولوجيا، خاصة في ظل استمرار الابتكار وتكامل الذكاء الاصطناعي مع نماذج الأعمال القائمة بدلًا من استبدالها بالكامل".
تحول السوق
ولا تبدو التراجعات الراهنة في قطاع البرمجيات إعلاناً عن نهاية الصناعة بقدر ما تعكس لحظة فرز تاريخية تعيد رسم خريطة الرابحين والخاسرين؛ فالذكاء الاصطناعي يضغط عليى القطاع ليعيد تعريف قيمته الحقيقية: من بيع الواجهات الجاهزة إلى بناء البنية العميقة، ومن الاشتراكات النمطية إلى الحلول الذكية المصممة حسب الطلب.
وبينما يطغى الضجيج والمخاوف قصيرة الأجل على حركة الأسواق، يبقى الحسم مرهونًا بقدرة الشركات على التحول من مجرد مستخدم للتقنية إلى صانع لها، ومن مزود أداة إلى شريك إنتاجية حقيقي في اقتصاد تقوده الخوارزميات.
ولطالما أكد كبار مديري الأصول على مدى أشهر أن ريادة السوق ستنتقل في مرحلة ما من المنتجين والمُمكّنين ومُقدّمي خدمات الذكاء الاصطناعي العملاقة إلى الشركات التي ستستفيد بشكل ملموس من تحسينات الإنتاجية التي تعد بها هذه التقنية. وتشير الأحداث التي شهدتها الأسواق الأسبوع الماضي إلى أن تلك اللحظة قد حانت أبكر مما كانوا يتوقعون، وفق تقرير فايننشال تايمز.
وينقل التقرير عن المحلل في دويتشه بنك، جيم ريد، قوله في مذكرة لعملائه: "خلال الأشهر القليلة الماضية، تحوّلت السوق بشكل واضح من عقلية (كل أسهم التكنولوجيا رابحة) إلى شيء أكثر قسوة: سوقٌ فيه رابحون وخاسرون حقيقيون". وأضاف: "يبدو الآن أن قطاع التكنولوجيا يلتهم نفسه".









