ما هي استراتيجية باول لحماية الفيدرالي من ضغوط ترامب؟
09:23 - 23 فبراير 2026
يُجسّد جيروم باول نموذجاً لرئيس بنك مركزي يخوض معركة مزدوجة؛ ضبط إيقاع الاقتصاد الأميركي من جهة، والدفاع عن استقلالية القرار النقدي من جهة أخرى.
منذ توليه رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وجد نفسه في قلب عواصف تضخمية وأزمات مالية وضغوط سياسية غير مسبوقة.
قاد باول المؤسسة النقدية الأهم عالمياً في مرحلة تبزغ فيها الحسابات الاقتصادية والاعتبارات الانتخابية، حيث تحوّلت قرارات أسعار الفائدة إلى محور سجال علني مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبين مطالب بخفض الفائدة وانتقادات مباشرة، أصبح الحفاظ على استقلالية الفيدرالي جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار.
يعتمد باول في أداء هذا الدور على مزيج من الصرامة المؤسسية والمرونة التكتيكية؛ متمسكاً بمنهج يستند إلى البيانات، ومؤكداً أن السياسة النقدية لا تُدار من منطلقات سياسية، بل وفق اعتبارات اقتصادية بحتة، في مسعى لحماية مصداقية الفيدرالي داخلياً وخارجياً.
دور باول
تحت عنوان "كيف يحمي جيروم باول الاحتياطي الفيدرالي من ترامب؟"، يشير تقرير لـ "بلومبيرغ" إلى أن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي يُطبق استراتيجيات للمساعدة في تعزيز استقلالية المؤسسة التي يبلغ عمرها 112 عاماً.
يلفت التقرير إلى حدث "غير مألوف" قبل بضعة أشهر، في مجلس الاحتياطي الفيدرالي (..)، ففي اجتماع ديسمبر بشأن أسعار الفائدة، انقسمت الأصوات بنتيجة 9-3. إذ اختار تسعة أعضاء من لجنة تحديد أسعار الفائدة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي (بمن فيهم الرئيس جيروم باول) خفض سعر الفائدة القياسي بمقدار ربع نقطة مئوية، بينما عارض عضوان آخران هذا القرار، مفضلين عدم إجراء أي تخفيضات. كما عارض ستيفن ميران، الذي عينه الرئيس دونالد ترامب، هذا القرار، لاعتقاده أن الظروف الاقتصادية تستدعي خفضًا أكبر بكثير.
يُعدّ هذا النوع من الخلاف نادرًا في البنك المركزي، الذي يسعى جاهدًا لتحقيق الإجماع في قراراته السياسية. وكانت هذه المرة الأولى منذ عام 2019 التي يصوّت فيها ثلاثة مسؤولين في لجنة الأسواق المفتوحة الفيدرالية ضد قرار سياسي. إلا أن الخبر الأهم لم يكن انقسام الأصوات بحد ذاته، بل الطريقة التي تناول بها باول الأمر؛ ففي مؤتمر صحافي لاحق، وبدلًا من تجاهل المعارضة، أشاد بالنقاش المثمر الذي دار في اللجنة ، قائلًا: "إن المناقشات التي نجريها لا تقل جودة عن أي مناقشات أخرى خضناها خلال 14 عامًا قضيتها في الاحتياطي الفيدرالي".
ويشير التقرير إلى أن التسامح مع المعارضة، بل وتشجيعها، داخل البنك المركزي، هي أحد الإجراءات العديدة التي اتخذها باول والتي قد تُعزّز مكانة هذه المؤسسة العريقة التي يبلغ عمرها 112 عامًا في مواجهة مساعي إدارة ترامب الحثيثة للسيطرة على السياسة النقدية .
ينقل التقرير عن المدير الإداري في شركة الأبحاث "تي إس لومبارد"، داريو بيركنز، قوله إنّ نظرة باول الإيجابية إلى نقاش أسعار الفائدة تُعدّ خروجاً لافتاً عن نهج الاحتياطي الفيدرالي المعتاد القائم على مبدأ "التعددية والوحدة". ويضيف بيركنز، الذي درس البنوك المركزية لسنوات، أن التصويت بالإجماع أصبح هو القاعدة في الولايات المتحدة، ويُعتبر سمةً مميزةً لرئيس قوي.
لكن تصريحات باول في ديسمبر تُشير إلى استراتيجية جديدة تهدف إلى "حماية استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي"، كما يقول بيركنز،الذي يضيف: "أعتقد بأن باول كان قلقًا من أن اللجنة لن تكون معتادة على الاعتراض ومعارضة الرئيس". وينبه إلى أن باول "يُهيئ مناخًا يسمح بمزيد من الاعتراض". ويبدو أن هذه الاستراتيجية ناجحة؛ ففي أول 61 اجتماعًا له كرئيس، لم يشهد سوى 16 اعتراضًا؛ وفي اجتماعاته الخمسة الأخيرة، بلغ عدد الاعتراضات 10.
تغيرات بالفيدرالي
وبحسب ما نقلته "بلومبيرغ" عن الخبير الاقتصادي بجامعة ميشيغان، جاستن وولفرز، فإن لجنة تحديد أسعار الفائدة لطالما اتبعت توجيهات الرئيس في الماضي، لكنه يقول إن ذلك "لا يعني أنه سيكون صحيحًا في المستقبل"، مضيفًا أن "الادعاء بأن ترامب يستطيع السيطرة على السياسة النقدية من خلال تعيين الرئيس هو ادعاء خاطئ".
ولهذا السبب، كما يشير وولفرز، اتخذت إدارة ترامب خطواتها الخاصة، ساعيةً إلى خلق شواغر إضافية في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، لتملأها بمرشحين يرجحون كفة الميزان لصالح خفض أسعار الفائدة. (وقد صرّح ترامب بضرورة خفض سعر الفائدة المرجعي إلى 1 بالمئة أو أقل؛ وهو حاليًا يتراوح بين 3.5 و3.75 بالمئة).
اختبار الاستقلالية
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro ، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ترافقت مع ضغوط غير مسبوقة على استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي؛ سواء من خلال المطالبة المتكررة بخفض أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد أو عبر الانتقادات العلنية الحادة التي طالت قيادة البنك المركزي.
- رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول تعرض لهجوم سياسي وإعلامي واسع، وصل إلى استخدام أوصاف قاسية بحقه، إلى جانب محاولات ضغط مختلفة وحتى مسارات قانونية أثارت جدلاً واسعاً حول استقلالية السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
- باول تمكن إلى حد كبير من حماية استقرار المؤسسة النقدية عبر التمسك باستقلالية قرارات الفائدة، مؤكداً أن الاحتياطي الفيدرالي لا يخضع لضغوط سياسية، وهو ما انعكس في إبقاء أسعار الفائدة مستقرة خلال عدة اجتماعات في عام 2025 بدلاً من خفضها بمستويات أكبر تماشياً مع رغبة الإدارة الأميركية.
ويضيف صليبي أن هذا الموقف شكل دليلاً واضحاً على عدم انصياع الفيدرالي للمطالب السياسية، إذ اعتمد البنك المركزي قراراته استناداً إلى المعطيات الاقتصادية والنقدية فقط، ما عزز مصداقيته أمام الأسواق العالمية.
لكنه يؤكد أن:
- الصراع بين الإدارة الأميركية والاحتياطي الفيدرالي لم يُحسم بشكل كامل.
- شهدت الفترة الماضية محاولات ضغط إضافية، بما في ذلك تحركات قانونية أثارت مخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي وسيادة قرارات السياسة النقدية بعيداً عن التأثيرات السياسية.
- هذا الجدل انعكس بالفعل على تحركات الأسواق المالية، حيث تأثرت معنويات المستثمرين وشهدت أدوات مثل الدولار والذهب وعوائد سندات الخزانة تقلبات ملحوظة، في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بمستقبل استقلالية الفيدرالي.
ويختتم صليبي حديثه بالتأكيد على أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي نجح في حماية المؤسسة من السيطرة السياسية المباشرة، لا سيما في ما يتعلق بالقرارات النقدية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن التوتر بين السياسة النقدية والسلطة التنفيذية ما زال قائماً، ومن المرجح أن يظل عاملاً مؤثراً في الأسواق خلال الفترة المقبلة.
الضغوط السياسية
من جانبه، يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
إن فترة رئاسة جيروم باول للاحتياطي الفيدرالي تُعد واحدة من أعقد المراحل في التاريخ الاقتصادي الحديث.
تزامنت تلك الفترة مع أزمات اقتصادية حادة وصراع سياسي غير مسبوق حول استقلالية البنك المركزي.
باول الذي تولى منصبه في عام 2018 بخلفية قانونية وانتماء جمهوري وجد نفسه في مواجهة تقلبات عنيفة بدأت بمحاولة تطبيع السياسة النقدية، قبل أن تصطدم بالجائحة مع أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة.
- خلال ذروة أزمة كورونا تدخل باول بسرعة قياسية، حيث تم خفض أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر وضخ سيولة ضخمة في الأسواق لتفادي انهيار مالي واسع.
- رغم وقوع الفيدرالي لاحقاً في خطأ تقدير التضخم باعتباره مؤقتاً، فإن باول تدارك الموقف سريعاً وقاد واحدة من أقوى دورات التشديد النقدي منذ الثمانينيات.
ويؤكد أن هذا التشديد العنيف نجح إلى حد كبير في كبح التضخم دون دفع الاقتصاد إلى ركود عميق، وهو ما يعرف بالهبوط الناعم، الأمر الذي سمح للفيدرالي بالبدء في خفض الفائدة تدريجياً أواخر عام 2025 استجابةً لتباطؤ سوق العمل وليس لأي اعتبارات سياسية.
ويرى سعيد أن الاختبار الحقيقي لباول لم يكن اقتصادياً بقدر ما كان سياسياً، حيث خاض مواجهة مفتوحة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ دفاعاً عن استقلالية الفيدرالي. ويوضح أن هذا الصراع بدأ مبكراً عندما اعتبر ترامب أن رفع الفائدة يضر بخطط النمو، ووصل الأمر إلى انتقادات حادة وغير مسبوقة لرئيس البنك المركزي.
ويتابع أن عودة ترامب إلى السلطة عام 2025 أعادت الصراع بصورة أكثر حدة، حيث تجاوزت الضغوط التصريحات السياسية إلى استخدام أدوات تنفيذية وقضائية، بما في ذلك تحقيقات مرتبطة بشهادة باول حول تكاليف تجديد مبنى الفيدرالي، وما تبعها من مذكرات استدعاء وتلميحات بتهم جنائية.
ويضيف أن باول لم يلتزم الصمت أمام هذا التصعيد، بل خرج في بيان مصور غير معتاد ليؤكد أن تلك التحقيقات تُستخدم كوسيلة ضغط للتأثير على السياسة النقدية وتوجيه قرارات البنك المركزي بما يخدم أهدافاً انتخابية.
ويشير خبير أسواق المال إلى أن:
- استراتيجية باول للدفاع عن استقلالية الفيدرالي اعتمدت على التحصين القانوني والمؤسسي، إذ يدرك أن القانون الأميركي لا يسمح بعزل رئيس الفيدرالي أو أعضاء مجلس الحكام إلا لأسباب تتعلق بالفساد أو الإهمال الجسيم، وليس بسبب الخلافات السياسية. لذلك رفض الاستقالة واتخذ خطوات استباقية لتعزيز استقلال المؤسسة، من بينها تمديد عقود عدد من رؤساء البنوك الإقليمية لتعزيز الاستقرار المؤسسي، إلى جانب دعم أعضاء المجلس في مواجهة محاولات الإقالة.
- هذه الاستراتيجية نجحت على المدى القصير في صد الضغوط والحفاظ على توجه الفيدرالي القائم على البيانات الاقتصادية فقط، وهو ما أكسب باول دعماً واسعاً من قادة البنوك المركزية العالمية وشخصيات مالية بارزة، إضافة إلى أعضاء في الكونغرس من الحزبين ممن اعتبروا التدخل السياسي خطراً على الاستقرار الاقتصادي.
ويستطرد قائلاً إن هذه الحماية ليست مطلقة، إذ بدأت بعض التصدعات تظهر مع تصويت بعض الأعضاء المعينين من الإدارة الأميركية ضد قرارات الفيدرالي بشكل متكرر، في سابقة نادرة، إلى جانب محاولات فرض رقابة على بعض البرامج الإدارية داخل البنك.
كما يوضح أن المشهد مرشح لمزيد من التعقيد مع اقتراب نهاية ولاية باول في مايو 2026، خاصة في ظل ترشيح كيفن وارش لخلافته، وهو مرشح معروف بمواقفه المتشددة تجاه التوسع النقدي، إلا أن مسار تعيينه لا يزال يواجه تعقيدات داخل مجلس الشيوخ بسبب التحقيقات الجارية.






