كيف تعيق الحرب في إيران أولويات ترامب الاقتصادية؟
15:02 - 10 مارس 2026تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط بعد اندلاع الهجمات على إيران، ما يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام اختبار صعب لمصداقيته السياسية والاقتصادية قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي؛ فالوعود التي قدّمها لتحقيق الاستقرار الاقتصادي كانت من أبرز العوامل التي ساعدته في جذب دعم الناخبين، لكن الحرب المفتوحة تهدد بقلب هذا المعادلة على نحو سريع وواضح.
التصعيد العسكري في المنطقة يتجاوز البعد السياسي ليطال الاقتصاد الأميركي بشكل مباشر، إذ ارتفعت أسعار البنزين وظهرت تقلبات في أسواق المال وسندات الخزانة، بما يعكس صعوبة الموازنة بين الضغوط الدولية والحاجة إلى استقرار داخلي يضمن خفض التضخم والحفاظ على قوة الشراء للمستهلكين، وهو الهدف المركزي لاستراتيجية ترامب الاقتصادية.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن وعد الرئيس ترامب بتحقيق الاستقرار الاقتصادي ساعده في كسب أصوات الناخبين في عام 2024، بينما قد يؤدي الهجوم على إيران إلى تقويض هذا الدعم، قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي.
وبحسب التقرير "تتسبب الحرب مع إيران في تحديات اقتصادية داخلية للرئيس ترامب، بما في ذلك ارتفاع أسعار البنزين وعدم استقرار السوق، وذلك قبل الانتخابات المرتقبة".
ونقل عن الاستراتيجي الجمهوري ماثيو بارتليت، الذي عيّنه ترامب في ولايته الأولى بوزارة الخارجية، قوله: "كلما طال هذا الوضع، ازداد الأمر سوءاً من الناحية السياسية، بلا شك.. ترامب يركز بشدة على الشؤون الدولية على حساب الاستراتيجية السياسية الداخلية، بما في ذلك الاقتصاد"، مضيفاً: "لقد تحوّل شعار "أميركا أولًا" الآن إلى شعار "أميركا تضرب أولًا".
وشهد الاقتصاد الأميركي وسوق العمل تباطؤاً العام الماضي بعد صدمات كبيرة، بما في ذلك تعريفات ترامب الجمركية وإغلاق الحكومة.
لكن الأشهر الأخيرة حملت بوادر أمل؛ فقد أسهم انخفاض أسعار البنزين في خفض معدل التضخم السنوي إلى 2.4 بالمئة في يناير، بعد أن كان 2.7% في ديسمبر. كما انتعش التوظيف في يناير.
وبعد أقل من أسبوع على اندلاع الصراع، بدأت تظهر بوادر الخلاف. ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة، بينما تراجعت الأسواق. وقد أدت الهجمات على إيران إلى توقف موجة صعود استمرت لأسابيع في سندات الخزانة الأميركية، مما رفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات، والتي تلعب دوراً كبيراً في تحديد أسعار الرهن العقاري وتكاليف الاقتراض الأخرى على مستوى البلاد، وفق التقرير.
تعارض
يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الحرب مع إيران تتعارض مع أولويات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعدة أسباب اقتصادية رئيسية.
- الاستراتيجية الاقتصادية التي تتبناها الإدارة الأميركية تقوم أساساً على خفض التكاليف ودعم النمو والحفاظ على استقرار الأسواق، وهو ما يتطلب العمل على خفض أسعار الفائدة ومحاربة التضخم بمختلف الوسائل.
- لكن التصعيد العسكري في المنطقة يهدد هذه الأهداف، خصوصاً مع التقلبات الحالية في أسعار النفط والطاقة، بعدما تجاوز الأسعار حاجز 100 دولار للبرميل قبل أن تتراجع لاحقاً.
ويشير إلى أن أي توتر عسكري مرتبط بـمضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة عالمياً، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة والعالم، وهو ما يتعارض مع هدف الإدارة الأميركية المتمثل في خفض الأسعار وتعزيز القوة الشرائية للمستهلكين.
كما يشدد على أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل يفاقم الضغوط التضخمية، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يتعارض مع توجهات ترامب الذي كان يضغط في الفترة الأخيرة على رئيس الفيدرالي جيروم باول من أجل خفض أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد.
ويلفت أيضاً إلى أن اتساع نطاق الصراعات العسكرية يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، ما يؤدي عادة إلى تراجع أسواق الأسهم وارتفاع مستويات التقلب، موضحاً أن أداء سوق الأسهم يمثل أحد المؤشرات الأساسية التي يعتمد عليها ترامب في تقييم نجاح السياسات الاقتصادية، وبالتالي فإن زيادة التقلبات في الأسواق تتعارض مع هذا الهدف.
ويتابع صليبي أن أي مواجهة عسكرية واسعة ستؤدي أيضاً إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي، ما يزيد الضغوط على الموازنة الأميركية ويرفع مستويات العجز المالي، في وقت كانت إدارة ترامب تسعى إلى تقليص فجوة العجز عبر سياسات مالية وتجارية مختلفة، من بينها استخدام الرسوم الجمركية كأداة لإعادة التوازن التجاري.
رأي الأميركيين
أظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إيبسوس أن نحو ربع البالغين الأميركيين أيدوا الحملة العسكرية ضد إيران بعد وقت قصير من الهجمات.
وكشف الاستطلاع أن 45 بالمئة من البالغين الأميركيين قالوا إن تأييدهم سيتراجع إذا شهدت الولايات المتحدة ارتفاعاً في أسعار البنزين أو النفط.
تُظهر هذه المعطيات حجم التحدي الذي يواجه صانع القرار الأميركي، إذ يتعين عليه الموازنة بين الدعم الشعبي للإجراءات العسكرية من جهة، والخطر الاقتصادي المحتمل من ارتفاع الأسعار الوقود الذي قد يقوض الاستقرار المالي والسياسي من جهة أخرى.
في هذا السياق، ينبه تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية، إلى أنه في الوقت الذي يصر فيه الرئيس دونالد ترامب على أن التضخم في حالة ركود ، فإن الحرب التي تشمل إيران تهدد بحدوث ارتفاع آخر في الأسعار قد يقوض حجته الأساسية لخفض أسعار الفائدة.
ظلال وخيمة
بدورها، توضح خبيرة أسواق المال حنان رمسيس، لدى حديثها مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:
- اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ألقى بظلاله بشكل مباشر على أولويات الرئيس الأميركي الاقتصادية داخل الولايات المتحدة.
- هذه التطورات وضعت الإدارة الأميركية أمام تحديات معقدة تتعلق بتحقيق الوعود التي قُدمت للمواطن الأميركي.
- ترامب كان قد تعهد خلال حملته بالعمل على خفض الأسعار، إلى جانب التركيز على جذب الاستثمارات وتحسين الأداء الاقتصادي ورفع معدلات النمو.
وتضيف رمسيس أن من بين أبرز الملفات التي تأثرت بالأحداث مسألة استقرار أسعار الوقود، إذ كانت الإدارة الأميركية تسعى للحفاظ على أسعار منخفضة للطاقة لدعم القوة الشرائية للمواطنين وتقليل الضغوط التضخمية. إلا أن تصاعد التوترات في المنطقة يهدد ذلك.
كما تشير إلى أن تداعيات الحرب امتدت إلى الأسواق المالية التي شهدت تراجعات ملحوظة (قبل أن ترتد في تعاملات الاثنين).
وترى رمسيس أن هذه التطورات تجعل من الصعب تحقيق الطموحات التي تم الترويج لها بشأن رفع مستوى المعيشة للأميركيين في المدى القريب، في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة. فيما تلفت إلى أن واشنطن قد تحاول في المرحلة المقبلة الاستفادة اقتصادياً من الأزمة عبر تعزيز صادرات الأسلحة وجذب استثمارات خارجية، إلى جانب محاولة تقليل انخراطها المباشر في الصراع.




