هل تبدو الصين "قوة عظمى غير مكتملة"؟
10:20 - 19 مايو 2026
تظل الصين واحدة من أبرز القوى الاقتصادية الصاعدة في العالم، لكنها وفق توصيف متزايد في التحليلات الاقتصادية لا تزال تُعامل باعتبارها "قوة عظمى غير مكتملة"، في ظل استمرار الفجوة بينها وبين الولايات المتحدة على مستوى الهيمنة المالية العالمية.
رغم ما حققته بكين من توسع صناعي وتجاري غير مسبوق، وتصدرها المشهد في سلاسل الإمداد العالمية، فإن مركز الثقل في النظام الاقتصادي الدولي ما يزال متمركزاً حول الدولار والأسواق المالية الأميركية، التي تمنح واشنطن نفوذاً يتجاوز حجم اقتصادها الفعلي.
في المقابل، يواجه اليوان الصيني قيوداً واضحة في مسار تدويله، رغم تسارع نموه، بفعل محدودية انفتاح الحساب الرأسمالي، وضعف عمق الأسواق المالية مقارنة بنظيرتها الأميركية، ما يقلص قدرة الصين على تحويل قوتها الإنتاجية إلى نفوذ مالي موازٍ.
وبينما تواصل بكين توسيع أدواتها المالية البديلة وتعزيز حضورها التجاري العالمي، تبقى معادلة القوة غير مكتملة، ما لم تنجح في اللحاق بالبنية المالية التي ما تزال تمنح الولايات المتحدة موقع الصدارة في النظام الاقتصادي الدولي.
في هذا السياق، يُبرز تقرير حديث لصحيفة "فايننشال تايمز" الهوة بين الولايات المتحدة والصين فيما يتعلق بـ "المنافسة المالية"، مشيراً إلى أن "الصين تشهد حالة من الجمود، ما يسمح للولايات المتحدة بفرض هيمنتها تلقائياً".
تاريخياً، لم يكن الفارق في القوة المالية بين أكبر اقتصادين في العالم بهذا الاتساع من قبل، وفق التقرير، الذي يشير إلى أنه بتتبع قائمة الإمبراطوريات، من الولايات المتحدة مروراً ببريطانيا وفرنسا وهولندا وصولاً إلى القرن الخامس عشر، يظهر أن "القوة الصاعدة عادة ما كانت تبني تفوقاً شاملاً يمتد من الجيش إلى التجارة"، بينما الصين تبدو نموذجية في كل شيء تقريباً باستثناء الجانب المالي.
فعلى عكس العملات المنافسة قديماً وحديثاً، لا يزال اليوان بعيداً عن قابلية التحويل الكاملة، ولم يحقق انتشاراً يُذكر كعملة دولية.
وعادةً، عندما تكتسب إمبراطورية ما ثقلاً اقتصادياً، تبدأ عملتها في الاستحواذ على حصة متزايدة من احتياطيات البنوك المركزية. لكن رغم أن الصين تمثل 17 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فإن اليوان لا يشكل سوى نحو 2 بالمئة فقط من احتياطيات البنوك المركزية، ما يعني أن الصين تتأخر بنحو 30 إلى 40 عاماً مقارنة بالقوى العظمى السابقة التي كانت في مرحلة مماثلة من صعودها.
ويضيف التقرير أن الأمر ذاته ينطبق على التجارة، فعندما تتقدم قوة صاعدة، يبدأ العالم في قبول المزيد من المدفوعات بعملتها، حتى في الصفقات التي لا تكون تلك القوة طرفاً مباشراً فيها. فبريطانيا، في ذروة نفوذها، كانت تستحوذ على 40 بالمئة من التجارة العالمية، بينما كانت 60 بالمئة من مدفوعات التجارة تتم بالجنيه الإسترليني. أما الصين، فعلى الرغم من امتلاكها حصة قيادية تبلغ 15 بالمئة من التجارة العالمية، فإن 2 بالمئة فقط من فواتير التجارة يتم تسعيرها باليوان.
تقليص النفوذ الأميركي
من جانبه، يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الصين لا تبدو قادرة في الوقت الراهن على انتزاع الهيمنة العالمية بالكامل من الولايات المتحدة الأميركية.
- لكن بكين تملك القدرة على تقليص النفوذ الاقتصادي الأميركي والدفع تدريجياً نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب.
- الصين تمتلك نقاط قوة ضخمة؛ أبرزها كونها أكبر قاعدة صناعية في العالم، إضافة إلى شبكة تجارية واسعة، وتفوّق متزايد في سلاسل التوريد، والطاقة النظيفة، والبطاريات، والمعادن النادرة، فضلاً عن الحجم الكبير لاقتصادها، الذي يتجاوز الاقتصاد الأميركي في بعض المقاييس المرتبطة بالقوة الشرائية.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بالتفوّق من حيث القيمة الاسمية للناتج المحلي (..) مؤكداً أن قوة الولايات المتحدة لا تعتمد فقط على حجم الاقتصاد، بل أيضاً على قوة الدولار الأميركي، وعمق أسواق المال والأسهم والسندات الأميركية، إلى جانب التفوق التكنولوجي، والجامعات، والتحالفات الجيوسياسية.
ويضيف أن الدولار الأميركي لا يزال يهيمن على الاحتياطات العالمية (..) في حين تبقى حصة اليوان الصيني محدودة، وهو ما يعكس استمرار النفوذ المالي الأميركي عالمياً.
ويختتم صليبي حديثه بالقول:
- الصين قادرة على تحدي النفوذ الأميركي في مجالات التجارة والصناعة والتكنولوجيا، وربما تخفيف مستوى الهيمنة الأميركية، إلا أن انتزاعها بالكامل يبقى سيناريو مستبعداً حالياً.
- من المرجح استمرار الولايات المتحدة في قيادة النظام العالمي، مقابل قيادة الصين لجزء كبير من التصنيع والتجارة، مع سعي القوى الكبرى إلى تحقيق توازن بين الطرفين.
الدولار واليوان
وبحسب مؤشر للاحتياطي الفيدرالي بشأن استخدام العالم للعملات الرئيسية في التجارة والعملات والديون وغيرها من المعاملات الكبرى، فإنه منذ العام 2000، ارتفعت حصة اليوان في هذا المؤشر تدريجياً من الصفر إلى 2.5 بالمئة فقط.
ويشار إلى أن الانتشار الواسع للدولار يمنح الولايات المتحدة القدرة على إدارة النظام العالمي بأكثر من طريقة؛ فالطلب المرتفع على الدولار يخفض تكاليف الاقتراض الأميركية، ويسمح لواشنطن بالحفاظ على عجز مزدوج ضخم بشكل مستمر. ولا تتمتع أي دولة أخرى بهذا الامتياز أو بالنفوذ الجيوسياسي الذي يوفره. وبما أن الولايات المتحدة تسيطر على النظام المالي القائم على هيمنة الدولار، فقد تمكنت مراراً من الضغط على دول عبر قطع وصولها إلى الشبكة المالية العالمية.
لكن على الجانب الآخر، فإن تقارير صينية تشير إلى توسع اليوان بسرعة، وبحسب " ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، فإن:
- اليوان يتوسع بسرعة كمصدر تمويل عالمي.
- أصبح صندوق الثروة السيادي الكازاخستاني، أول مؤسسة مالية من آسيا الوسطى تصدر سندات دين مقومة باليوان - بقيمة 3 مليارات يوان (440 مليون دولار أميركي) - في السوق الصينية المحلية.
- في غضون ذلك، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في دول منطقة اليورو، باعت البرتغال سندات دين لأجل ثماني سنوات بقيمة 1.99 مليار يوان في سوق سندات اليوان الخارجية. وأوضحت وكالة الدين البرتغالية أن هذه السندات، التي تُعرف باسم "سندات ديم سوم"، تهدف إلى تنويع مصادر تمويلها وخفض تكاليف أسعار الفائدة. ويأتي سعي البرتغال للاستفادة من سوق سندات اليوان الخارجية عقب إصدارها سندات اليوان المحلية في عام 2019، والمعروفة أيضاً باسم "سندات الباندا".
يشير تقرير المنصة الصينية، إلى أنه منذ أزمة ديون منطقة اليورو الأخيرة، تعززت العلاقات الاقتصادية بين الصين والبرتغال. وتدرس دول أوروبية أخرى توثيق علاقاتها الاقتصادية مع الصين في ظل سياسات واشنطن التجارية والخارجية المتقلبة والعدوانية المتزايدة. وقد تكون سندات الديم سوم البرتغالية مؤشراً على المزيد من الخطوات المماثلة.
مقومات أميركية.. سياسية واقتصادية
وإلى ذلك، يقول خبير الشؤون الصينية الدكتور جعفر الحسيناوي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الصين، رغم صعودها الاقتصادي المتسارع، لا يمكنها انتزاع الهيمنة الاقتصادية العالمية من الولايات المتحدة الأميركية في المدى القريب، لاعتبارات استراتيجية واقتصادية وعسكرية معقدة ومتشابكة.
- الولايات المتحدة تمتلك قاعدة اقتصادية جبارة يصعب زحزحتها، إلى جانب ارتباط اقتصادي متين مع العديد من الاقتصادات الكبرى في العالم، لا سيما الاقتصادات الأوروبية، فضلاً عن العلاقات الوثيقة التي تربط واشنطن بعدد كبير من دول العالم الثالث الغنية بالخامات والموارد الاقتصادية المهمة.
- الولايات المتحدة تتمتع أيضاً بقاعدة صناعية ضخمة ومتقدمة يصعب مجاراتها، إضافة إلى امتلاكها جيشاً كبيراً وقوياً مزوداً بأحدث المعدات الحربية والتقنيات العسكرية والخبرات القتالية، الأمر الذي يضمن حماية مصالحها الاقتصادية حول العالم.
ويضيف الحسيناوي أن من أبرز عوامل قوة الولايات المتحدة امتلاكها مخزوناً كبيراً من الذهب، إلى جانب استمرار هيمنة الدولار على أسواق التداول النقدي العالمية، فضلاً عن سيطرتها الواسعة على أسواق المال والتبادل النقدي الدولي.
كما يلفت إلى أن الولايات المتحدة تمتلك ثروات معدنية هائلة، وفي مقدمتها النفط، إضافة إلى أراضٍ زراعية شاسعة تُزرع فيها أهم المحاصيل الغذائية الاستراتيجية مثل القمح والأرز، ما يعزز من مكانتها الاقتصادية والغذائية عالمياً.
ويُبيّن الحسيناوي أن هذه المعطيات مجتمعة تجعل من الولايات المتحدة قوة اقتصادية عظمى يصعب تحديها على المدى القصير، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن الصين تمثل "المارد الاقتصادي الناهض" القادر على تقليص الفجوة تدريجياً، خاصة مع بروز تكتلات اقتصادية دولية تسعى إلى تحدي الهيمنة الاقتصادية الأميركية، مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.
الدين الأميركية.. ومستقبل الدولار
على الجانب الآخر، لا تخلو "الهيمنة الأميركية" من التحديات القوية، فبينما كانت الحكومة الأميركية تضع خططاً للحفاظ على هيمنة الدولار، كانت الصين تتخذ خطواتها الخاصة لزيادة النفوذ العالمي لليوان.
ووفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" فإن المخاوف بشأن تزايد ديون الولايات المتحدة واستخدامها المفرط للعقوبات لعزل خصومها عن النظام المالي الغربي تثير شكوكاً حول سلامة الدولار كعملة احتياط عالمية. وقد أدت هذه المخاوف إلى تزايد الطلب على الذهب وارتفاع عدد معاملات النفط باستخدام العملات المشفرة أو عملة الصين، اليوان.
تراجع هيمنة الدولار سيشكل مشكلة للاقتصاد الأميركي، لكن الولايات المتحدة اتخذت في الأسابيع الأخيرة خطوات لتعزيز مكانة عملتها. تمحورت هذه الاستراتيجية حول مناقشات بين إدارة ترامب وعدد من دول الخليج وآسيا بشأن إمكانية تقديم الولايات المتحدة لخطوط مقايضة العملات. ومن شأن هذه الاتفاقيات، التي يمكن إدارتها إما من خلال وزارة الخزانة أو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أن تضمن بشكل أساسي حصول حلفاء الولايات المتحدة على إمدادات كافية من الدولار الأميركي، مما يقلل حاجتهم إلى التعامل باليوان الصيني أو غيره من العملات، وفق الصحيفة الأميركية.
التعددية والتوازن
بدورها، تقول الكاتبة الصحافية والمحللة الصينية، سعاد ياي شين هوا، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- في ظلّ استمرار نموّ الاقتصاد الصيني، وتعاظم قدراته في مجال الابتكار التكنولوجي، إضافةً إلى التحولات العميقة التي يشهدها هيكل سلاسل الصناعة والإمداد العالمية، أصبح سؤال "هل تستطيع الصين انتزاع الهيمنة الاقتصادية العالمية من الولايات المتحدة؟" محل اهتمام واسع على الساحة الدولية.
- الواقع يشير إلى أنّ العلاقة بين الصين والولايات المتحدة ليست علاقة "إحلال واستبدال" بالمعنى التقليدي، بل إنّ النظام الاقتصادي العالمي يتجه تدريجياً من هيمنة أحادية طويلة قادتها الولايات المتحدة نحو مشهد أكثر تعددية وتوازناً.
- الولايات المتحدة لا تزال تمتلك مزايا عميقة في مجالات النظام المالي العالمي، والابتكار العلمي والتكنولوجي، والصناعات المتقدمة، وصياغة القواعد الدولية، إضافةً إلى هيمنة الدولار باعتباره العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم.
- نفوذ الأسواق المالية الأميركية والشركات التكنولوجية العملاقة والدور الأميركي داخل المؤسسات المالية الدولية، كلها عوامل تجعل من الصعب استبدال الولايات المتحدة بالكامل في المدى القريب.
وفي المقابل، تؤكد أن مكانة الصين الاقتصادية تتصاعد بشكل متواصل، بعدما أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر دولة في حجم التجارة السلعية، مع استمرار مساهمتها الكبيرة في النمو الاقتصادي العالمي. كما تلفت إلى أن الصين أظهرت قدرة تنافسية قوية في مجالات الطاقة الجديدة، والقطارات فائقة السرعة، والتجارة الإلكترونية، والدفع الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية.
وتضيف أن مبادرة "الحزام والطريق"، إلى جانب توسّع استخدام اليوان الصيني دولياً، وتعميق التعاون الاقتصادي مع دول الجنوب العالمي، كلها عوامل تدفع النظام الاقتصادي الدولي نحو مزيد من التنوع والتعددية.
وتشدد سعاد ياي شين هوا على أن الصين تؤكد باستمرار أن هدفها ليس "استبدال" أي دولة أو السعي إلى الهيمنة، بل الدفع نحو بناء نظام اقتصادي دولي أكثر عدالة وتوازناً، موضحة أن بكين تكرر دائماً أن العالم يتسع لتنمية مشتركة بين الصين والولايات المتحدة، وأن التعاون والمنفعة المتبادلة أفضل من منطق الصراع الصفري.
وتختتم بالقول إن المشهد الاقتصادي العالمي في المستقبل قد لا يكون قائماً على إزاحة الولايات المتحدة بالكامل، بل على استمرار قوة الولايات المتحدة بالتوازي مع صعود الصين وتسارع الاتجاه نحو عالم متعدد الأقطاب، مؤكدة أن قيادة الاقتصاد العالمي لا تُقاس فقط بحجم الاقتصاد، بل أيضاً بقدرة الدولة على الابتكار، وجاذبية نموذجها التنموي، وقدرتها على تعزيز الاستقرار والتعاون والتنمية على المستوى الدولي.







