كيف أعادت الشركات الصينية صياغة قواعد النجاح خارج الحدود؟
08:45 - 28 يناير 2026
قبل سنوات قليلة، بدت فكرة نجاح العلامات التجارية الصينية في الأسواق العالمية، ولا سيما في الولايات المتحدة، أمراً بعيد المنال. غير أنّ المشهد تغيّر جذرياً اليوم، فمع مرور الأعوام تعمّق حضور الشركات الصينية على الصعيد العالمي، لتترسخ مكانتها في الأسواق المتقدمة والناشئة على حد سواء، ويمتد تأثيرها عبر قطاعات إنتاجية وتكنولوجية متنوعة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "ذي إيكونوميست"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن الموجة الأخيرة من التوسع العالمي للشركات الصينية تميّزت بسرعتها ونطاقها الواسع، فقد حققت الشركات الصينية المدرجة في بورصة الصين مبيعات خارجية بلغت 15 تريليون يوان (2.1 تريليون دولار أميركي) في عام 2024، مقارنةً بـ 11.6 تريليون يوان (1.6 تريليون دولار) في عام 2021.
نهج جديد في التعامل
وما كان ملفتاً للنظر، هو التغيّرات الحاصلة في كيفية تعامل الشركات الصينية مع التوسع الخارجي، فلتحقيق النجاح في الخارج، أدركت الشركات الصينية أنها مضطرة لإعادة النظر في أساليب عملها، وهي بدأت بإنشاء متاجر في الخارج بشكل متزايد لزيادة الوعي بعلاماتها التجارية، فشركة مينيسو، وهي شركة تجزئة من قوانغتشو تبيع الأدوات المكتبية والهدايا التذكارية، لديها الآن أكثر من 3300 منفذ بيع في الخارج، وذلك من تكساس إلى تايلاند، فيما تخطط شركة شاومي، التي تصنع كل شيء من الهواتف الذكية إلى الدراجات البخارية، لافتتاح 10000 متجر في الخارج خلال السنوات الخمس المقبلة.
كما اتبعت الشركات الصينية نهجاً جديداً في التوظيف، ففي السابق، كانت الشركات الصينية ذات العمليات الخارجية تميل إلى نقل موظفيها من الصين إلى الخارج، بدلاً من توظيف اشخاص من البلد نفسه، وقد أثار ذلك أحياناً استياءً في الدول المضيفة. وأيضاً كانت الشركات الصينية في الخارج تميل في كثير من الأحيان إلى الاعتماد بشكل كبير على مورّدين من داخل الصين.
ولكن هذا الوضع تغير الآن، حيث باتت الشركات الصينية في الخارج تُوظّف المزيد من مواطني الدول المضيفة، وذلك في مجالات مثل المبيعات وخدمة العملاء والعلاقات العامة وحتى الإدارة، وينطبق هذا التغيير أيضاً على المورّدين.
محاكاة "النجاح" الغربي
وأيضاً بدأت الشركات الصينية التي تعمل في الخارج، باللجوء للخدمات التي تقدمها مكاتب المحاماة والمحاسبة وغيرها من الشركات الاستشارية، لدعم مسيرتها نحو العولمة، فبعد مراقبتها للشركات الأجنبية التي تعمل في الأسواق الصينية عن كثب، تعلمت الشركات الصينية ما يجب فعله، وقد أظهرت شركات رائدة مثل بايت دانس المالكة لتطبيق تيك توك، وشين المتخصصة بالأزياء فائقة السرعة، أن الصين قادرة على الابتكار.
وفي الوقت الراهن، وبعد اكتسحها للأسواق في الأشهر الأخيرة، تحتفي وسائل الإعلام الصينية الرسمية بدمى "لابوبو"، وهي دمى من إنتاج شركة "بوب مارت" الصينية، كدليل على تنامي القوة الثقافية الصينية، ما قد يساهم في دفع الحكومة المركزية الصينية، على تخفيف شروط الموافقة على الاستثمارات الخارجية، والتي تُعدّ صارمة للغاية.
فرغم أن العديد من الشركات الصينية الراغبة في التوسع عالمياً تلقى دعماً حكومياً، لا سيما تلك التي لا تُعتبر أنشطتها حساسة، إلا أن المسؤولين الصينيين يعبّرون عن قلقهم إزاء تعقيد الهياكل التنظيمية للشركات العابرة للحدود، حيث لا تخضع سوى أجزاء محدودة من هذه الشركات للرقابة المباشرة داخل الصين. كما تنبّهت السلطات الضريبية الصينية إلى أنّ بعض الشركات التي تبدو متعثّرة محلياً وتدفع ضرائب متواضعة، تحقق في المقابل أداءً قوياً في الأسواق الخارجية، وتحتفظ بجزء كبير من أرباحها الأجنبية في ملاذات ضريبية.
3 موجات من التوسّع
وقد مرّت الشركات الصينية بفترات من العولمة سابقاً، فبدءاً من تسعينيات القرن الماضي، وتسارعاً مع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، بدأت شركات مثل هاير، الشركة المصنعة للأجهزة المنزلية، وهواوي، الشركة المنتجة لمعدات الاتصالات، ببيع منتجاتها المصنعة محلياً في الخارج.
وظهرت موجة أخرى في منتصف العقد الثاني من الألفية الثانية، عندما أنفقت مجموعة من التكتلات الصينية، من بينها أنبانغ وفوسون ومجموعة إتش إن إيه، عشرات المليارات من الدولارات على بنوك وفنادق وشركات أجنبية. ولكن هذه التجربة لم تدم طويلاً، إذ بدأت الحكومات الغربية، التي ازداد حذرها من الصين، بعرقلة الصفقات، وانهار عدد من الشركات المستحوذة المثقلة بالديون لاحقاً.
أما الموجة الأخيرة، التي بدأت مع إعادة فتح الصين لاقتصادها بعد جائحة كوفيد-19، فكانت نتاجاً جزئياً للظروف الاقتصادية المتردية محلياً، إذ تباطأ النمو في الصين، وأصبحت حروب الأسعار الشرسة أمراً شائعاً في السوق المحلية.
فصل السياسة عن السوق
ويقول المحلل الاقتصادي محمد سعد، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الشركات الصينية لم تعد تنافس على السعر فقط، بل أيضاً على قدرتها في التكيّف مع الأسواق المحلية في كل دولة، على اعتبار أنها تُشكل مساحات نمو مستقلة ذات أولويات مختلفة عن السوق الصينية، حيث انعكس هذا التحول في تصميم المنتجات وفي سياسات التسعير، وحتى في اختيار سلاسل التوريد، فلم يعد المورد الصيني هو الخيار الافتراضي، لافتاً إلى أن العامل الحاسم في نجاح هذه الموجة يتمثل بالبراغماتية المؤسسية التي طوّرتها الشركات الصينية، فعلى عكس موجات التوسع السابقة التي كانت مدفوعة باعتبارات قومية أو بدعم حكومي مباشر، فإن الجيل الجديد من الشركات الصينية يتصرف بالمنطق الذي تتصرف به الشركات متعددة الجنسيات الغربية، التي تفصل بين الاعتبارات السياسية ومتطلبات السوق.
اختراق الأذواق المحلية
وبحسب سعد فإن العالم لم يعد يتحرك وفق نموذج تدفقات أحادية من الشرق إلى الغرب، بل ضمن شبكات إنتاج واستهلاك متعددة الأقطاب، وبعض الشركات الصينية استفادت من هذا التحول عبر إنشاء قواعد إنتاجية في الأسواق الرئيسية، والدول الناشئة على حد سواء لتقليل المخاطر الجيوسياسية واللوجستية، وهذا ما منح أعمالها مرونة كبيرة في الاستجابة للتقلبات العالمية، مشدداً على أن الجيل الجديد من الشركات الصينية لم يغفل الجانب الثقافي والتسويقي، فتبنّى استراتيجيات مرتبطة بكل سوق على حدة لتعزيز العلامة التجارية، بما في ذلك التعاون مع مؤثرين محليين، واستحداث منتجات موجهة بحسب أذواق السوق، ما ساعد على اختراق شرائح المستهلكين بشكل أوسع وأسرع.
ويُحذّر سعد من أن هذا النموذج التوسعي قد يواجه حدوداً، فكلما تعمّق حضور الشركات الصينية في الخارج، ازدادت حساسيتها للتغيّرات التنظيمية وردود الفعل الحمائية، ومع غياب مظلة سياسية موحّدة تحمي مصالحها عالمياً، قد تجد هذه الشركات نفسها مضطرة إلى بناء شبكات حماية ذاتية، ما يرفع الكلفة ويضغط على استدامة هذا التوسع على المدى الطويل، لافتاً إلى أن الشركات الصينية العاملة في الخارج تعلمت اللجوء إلى استشارات قانونية ومالية متخصصة لإدارة المخاطر والالتزام بالقوانين المحلية، وهو ما يوضح أن نجاحها الدولي لم يعد يعتمد فقط على القدرة الإنتاجية أو التمويلية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرتها على التكيف الذكي مع بيئات العمل المعقدة والمتغيرة.
الشركات الصينية استوعبت الدرس
من جانبها تقول خبيرة التسويق ساندرا ملحم، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ما تغيّر فعلياً في سلوك الشركات الصينية، هو فهمها المتأخر ولكن العميق لطبيعة المنافسة العالمية، فهذه الشركات أدركت أن النجاح خارج الصين لا يتحقق بتكرار النموذج المحلي، بل عبر إعادة هندسة الشركة نفسها لتلائم بيئات تنظيمية وثقافية واقتصادية متباينة، وهو درس استوعبته الشركات الصينية بعد سنوات من الإخفاقات، معتبرةً أن أحد العوامل المفصلية في هذا التحول، هو تشبّع السوق الصينية المحلية، فمع تزايد المنافسة المحلية وتراجع معدلات النمو، أصبح انتقال الشركات إلى الخارج ضرورة وجودية.
علامات تجارية محايدة
وتضيف ملحم إن الكثير من الشركات الصينية العاملة في الخارج، تمكنت من فصل الهوية التجارية عن الهوية الوطنية، وهي باتت حريصة على تقديم نفسها كعلامات "محايدة" تفادياً للحساسيات السياسية، وهذا النهج يختلف جذرياً عن المراحل السابقة التي كانت فيها الهوية الصينية جزءاً من سردية التوسع للشركات، محذرةً من أن هذا المسار قد يخلق توتراً متزايداً مع الدولة الصينية نفسها، فكلما زادت عولمة الشركات الصينية، تراجعت قدرة بكين على ضبط تدفق الأرباح والتحكم في القرارات الاستراتيجية، ما يفتح نقاشاً داخلياً حول حدود السماح للشركات بالتحول إلى كيانات "ما بعد وطنية".
وتشدد ملحم على أن التوسع الحالي للشركات الصينية ليس موجة عابرة، غير أن نجاحه النهائي يعتمد على قدرة هذه الشركات في موازنة ثلاثة عناصر متناقضة هي، التكيف مع الخارج، الانضباط التنظيمي، والحفاظ على علاقة مستقرة مع الدولة الأم.








