جنون الذهب: الفوضى السياسية تمهد الطريق نحو 5000 دولار
08:04 - 21 يناير 2026
في تصعيد غير مسبوق بين ضفتي الأطلسي، تدخل العلاقات الأوروبية–الأميركية مرحلة اختبار اقتصادي حاد، على وقع تهديدات مباشرة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية، أو المضي في سيناريو التخلي عن غرينلاند وضمّها إلى الولايات المتحدة.
الاتحاد الأوروبي، الذي دعا إلى اجتماع عاجل في بروكسل الخميس المقبل، أعدّ حزمة خيارات ردّ تتراوح بين فرض رسوم جمركية مضادة، وتشديد القيود على الشركات والبنوك الأميركية، وصولًا إلى مراجعة اتفاقيات التجارة الثنائية.
هذا التوتر انعكس سريعًا على الأسواق العالمية، إذ تجاوزت أسعار الذهب مستوى 4700 دولار للأونصة، وقفزت أسعار الفضة بنسبة 5 بالمئة لتلامس 95 دولارًا، فيما كان الدولار أول الخاسرين متراجعًا أمام سلة من العملات الرئيسية، في مؤشر واضح على حساسية الأسواق تجاه حرب التصريحات بين أهم حليفين اقتصاديين.
الأسواق وعدم الاستقرار السياسي: أزمة ثقة لا أزمة ركود
أوضح رئيس قسم أبحاث السوق في MH Markets مازن سلهب خلال حديثه الى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، أن الأسواق العالمية أثبتت تاريخياً أنها لا تتعامل بإيجابية مع الفوضى السياسية أو حالات عدم الاستقرار، سواء كانت اقتصادية أو سياسية، مؤكداً أن الحرب التجارية كانت عنصراً أساسياً في تعميق هذا القلق. ورغم أن الاقتصاد العالمي لم يدخل في مرحلة ركود أو تراجع حاد كما كانت تشير بعض التوقعات لعام 2025، إلا أن ذلك لم يكن مؤشراً على الاستقرار. فقد أظهرت تحركات الأسواق تراجعاً واضحاً في مؤشرات الأسهم، بالتوازي مع ضعف مؤشر الدولار الأميركي، في دلالة مباشرة على تآكل الثقة.
وأشار إلى أن العامل الحاسم في المرحلة الراهنة تمثل في الثقة، معتبراً أن استمرار عدم الاستقرار السياسي سيقود إلى نزيف متواصل في أسواق الأسهم، مقابل بقاء الذهب عند مستويات مرتفعة، فيما سيكون الدولار الأميركي الخاسر الأكبر، حتى في ظل مستويات فائدة مرتفعة نسبياً.
وبيّن أن المستثمرين اتجهوا إلى بيع الأصول المرتبطة بالدولار بسبب غياب الثقة، والبحث عن ملاذات أكثر استقراراً مثل اليورو، والفرنك السويسري، والين الياباني.
الذهب والفضة: ارتفاعات مبررة ومسار مفتوح
وفي ما يتعلق بأسواق المعادن النفيسة، رأى سلهب أن الارتفاعات المسجلة في أسعار الذهب كانت مبررة في ضوء مستويات التضخم العالمية "العنيدة"، إلى جانب التدفقات النقدية القوية إلى صناديق الاستثمار المتداولة (ETF)، ومشاركة المستثمرين الأفراد.
ولفت إلى أن نسبة الذهب إلى الفضة تراوحت عند مستويات قريبة من 49 إلى 50، وهي مستويات لا تزال بعيدة عن المناطق المقلقة تاريخياً.
وأوضح أن هذه النسبة كانت تاريخياً تتحرك بين 40 و80، مشيراً إلى أنها بلغت 100 قبل أكثر من ستة أشهر خلال عام 2025، قبل أن تعود للتراجع نتيجة ارتفاع الفضة بوتيرة أسرع من الذهب. وبناءً على ذلك، اعتبر أن الارتفاعات الحالية لا تزال مبررة، وأن هناك مجالاً لمزيد من الصعود، معتبراً أن المسألة مرتبطة بالوقت.
آفاق الأسعار القياسية للمعادن
توقع سلهب أن تصل الفضة إلى مستوى 100 دولار، مؤكداً أن ذلك مسألة وقت، في ظل ارتفاعات تراوحت بين 7 و10 في المئة. أما الذهب، فأشار إلى أنه بعد تجاوزه مستوى 4730 دولاراً، قد يتجه نحو 4800 دولار، مع بقاء الباب مفتوحاً للوصول إلى 5000 دولار في حال استمرت التوترات، واستمرت الحرب التجارية، وواصل التضخم مساره التصاعدي.
وأكد أن الحرب التجارية ستكون العامل الأبرز في دعم أسعار الذهب، من خلال الضغط على الدولار الأميركي، أكثر من التوترات السياسية بحد ذاتها، التي رأى أنها قد تكون مؤقتة، بما في ذلك التوترات بين الأوروبيين والأميركيين.
أوروبا والولايات المتحدة: تشابك المصالح وحدود التصعيد
استبعد سلهب لجوء الأوروبيين إلى استخدام "سلاح الأصول" ضد الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن حجم التشابك الكبير بين الأصول والاستثمارات المتبادلة يجعل هذا الخيار بالغ الصعوبة.
وأوضح أن الولايات المتحدة تُعد أكبر اقتصاد في العالم، وتستثمر بشكل واسع في أوروبا، فيما يشكل الأوروبيون شركاء اقتصاديين رئيسيين للأميركيين، ما يجعل أي تصعيد من هذا النوع مكلفاً للطرفين.
وفي المقابل، أشار إلى أن هذا السيناريو يختلف عن الحالة الروسية، حيث كان غياب التشابك الاقتصادي يسمح للأوروبيين بالتصرف بشكل مختلف. وأكد أن أوروبا لا ترغب في دفع صراعها السياسي مع واشنطن إلى مستوى القطيعة أو التصعيد الشامل.
الشراكات البديلة والخسائر المحتملة
رجّح سلهب استمرار الشراكة بين أوروبا والولايات المتحدة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الأوروبيين بدأوا البحث عن بدائل وشراكات قائمة على المصالح الأوروبية، خصوصاً مع الصين، وهو ما تجلّى في اتفاقات ثنائية رغم معارضة واشنطن. واعتبر أن تعمّق الخلاف مع الولايات المتحدة يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي أوسع مع أطراف أخرى.
وفي ما يتعلق بالخسائر، رأى أنها ستبقى مرتبطة بمدى تطور الأزمة السياسية والاقتصادية، مؤكداً أن الضغوط الحالية على الأسواق ناتجة أساساً عن اللغة السياسية، وليس عن تغيّر في الأساسيات الاقتصادية. وحذّر من أن استمرار فرض الرسوم الجمركية قد يعيد التضخم إلى الواجهة، ويدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة قد تدفع البنوك المركزية لاحقاً إلى خفض الفائدة أو مواجهة مخاطر ركود محتمل.
العملات والأسهم الأوروبية: بين المخاطر والفرص
تطرق سلهب إلى أداء اليورو، موضحاً أن ارتفاعه بأكثر من 0.7 في المئة جاء نتيجة تراجع الدولار الأميركي، باعتبار أن اليورو يشكل الوزن الأكبر في مؤشر الدولار. وأشار إلى أن اليورو قد يحقق مكاسب إضافية في حال التوصل إلى اتفاق سياسي، رغم بقاء الأصول الأوروبية تحت ضغط مزدوج ناجم عن الحرب الروسية الأوكرانية والحرب التجارية مع واشنطن.
وختم بالإشارة إلى أن التقييمات لا تزال داعمة للأسهم الأوروبية، مع إمكانية تحقيق ارتفاعات قياسية في حال انتهاء الأزمات القائمة، مؤكداً أن الأسواق تحتسب هذه المخاطر ضمن معادلاتها، وأن التراجعات الحالية لا تعني بالضرورة الدخول في مرحلة الانهيار بل تعكس مرحلة إعادة تسعير مؤقتة في ظل مشهد سياسي واقتصادي شديد التعقيد.







