القطب الشمالي.. من هامش الخرائط إلى قلب الاقتصاد العالمي
07:39 - 16 يناير 2026لم يعد القطب الشمالي ذلك الهامش الجغرافي البعيد الذي اعتادت الخرائط وضعه في أعلى العالم، بل بات، وفق ما أكده رئيس الدائرة القطبية الشمالية أولافور راغنار غريمسون، عنصراً محورياً في معادلة الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية للقرن الحادي والعشرين.
ففي حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، على هامش فعاليات أسبوع أبوظبي للاستدامة 2026، قدّم غريمسون قراءة معمّقة لتحول القطب الشمالي من منطقة نائية إلى ركيزة أساسية لمستقبل الطاقة والمناخ والتجارة والأمن والفضاء.
القطب الشمالي.. من منطقة نائية إلى قلب الاستراتيجيات العالمية
اعتبر أولافور راغنار غريمسون"، خلال حديثه أن النظرة التقليدية إلى القطب الشمالي بوصفه منطقة نائية ومعزولة لم تعد صحيحة. وأوضح أن العالم بدأ يعي اليوم أهمية هذه المنطقة، ليس فقط من منظور البيئة والمناخ، بل كمحور استراتيجي شامل يؤثر على مستقبل كل دولة وقارة.
وأشار غريمسون إلى أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي له تأثير مباشر على ارتفاع مستويات البحار واختلال نظم الرياح الموسمية في آسيا، وهو ما يجعل القطب الشمالي عنصرًا حاسمًا في استقرار الطقس والغذاء والطاقة عالمياً.
وأضاف أن التحولات الأخيرة في السياسة الأمريكية أبرزت الدور الجيوسياسي للقطب الشمالي، إذ تسعى دول كبرى لتعزيز وجودها في المنطقة بطرق مختلفة، سواء عبر البحث العلمي أو الموارد الطبيعية أو الأمن والدفاع.
سباق الفضاء والطاقة.. أبعاد جديدة للقطب الشمالي
وأكد غريمسون أن السباق الجديد بين الدول الكبرى في مجال الفضاء، من التعدين في الفضاء إلى الطاقة والاتصالات الفضائية، يعزز من أهمية القطب الشمالي كأفضل موقع لإقامة محطات فضائية، مما يجعله جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجيات المستقبلية للدول.
وأضاف أن القطب الشمالي أصبح محوراً أساسياً لإنتاج الغذاء، ومراقبة الطقس، واستغلال الموارد البحرية والمعادن، بما في ذلك الغاز والطاقة، فضلاً عن دوره في الشبكات التجارية بين روسيا وآسيا، بما يشمل الصين والهند وباكستان.
وشدد على أن هذه الموارد والخدمات تجعل من المستحيل تصور مستقبل الطاقة في الدول الآسيوية الكبرى دون الوصول إلى القطب الشمالي، مشيرًا إلى الممرات البحرية الجديدة الناتجة عن ذوبان الجليد، والفرص التجارية والاقتصادية الكبيرة المرتبطة بها.
غرينلاند.. ملف شائك بين السياسة والعقارات
وعن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول غرينلاند، أوضح غريمسون أن المقصود غير واضح تمامًا، فقد يكون محاولة للاستحواذ على الإقليم كعقار، أو لمصلحة الهياكل الأمنية والتعدين. ورأى أن طرح هذا المطلب أثار اهتمام الإعلام ومجتمع الأعمال والقيادات السياسية، مؤكدًا أن غرينلاند جزء أساسي من القطب الشمالي، وأن الاجتماعات المرتقبة بين المسؤولين الأمريكيين وممثلي حكومة غرينلاند ومملكة الدنمارك ستحدد مستقبل هذا الملف.
وأشار غريمسون إلى أن المحيطات المحيطة بغرينلاند صعبة الإبحار بسبب الجليد، وأن أي توسع أمريكي يتطلب تطوير البنية التحتية، بما في ذلك بناء ميناء عالمي وكاسحات جليد، إذ لا تمتلك الولايات المتحدة حاليًا القدرات الكافية في هذا المجال مقارنة بروسيا أو الصين أو حتى فنلندا.
القوى الكبرى واستثمارات البحث العلمي
لفت غريمسون خلال حديثه إلى أن جميع الدول الكبرى، بما فيها أوروبا، وأمريكا، وروسيا، والصين، والهند، وكوريا، واليابان، تنشط في البحث العلمي في القطب الشمالي، حيث توجد محطات أبحاث في كوريا، واليابان، والصين، وألمانيا، وإيطاليا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وروسيا.
وأضاف أن المنطقة تحتوي على موارد طاقة ومعادن بحرية هائلة، ما يجعلها عنصرًا استراتيجيًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي، ويعزز من أهمية الربط التجاري بين القطب الشمالي الروسي والدول الآسيوية الكبرى عبر خطوط أنابيب الغاز.
وشدد غريمسون على أن حجم القطب الشمالي يقترب من حجم قارة أفريقيا، وهو ما يفرض على البشرية لأول مرة رسم خريطة لكيفية إدارة هذا الجزء الهائل من الكوكب وحمايته واستخدام موارده بشكل مستدام.
القطب الشمالي على الخريطة الأميركية: الفرص والتحديات
يشدد رئيس الدائرة القطبية الشمالية، أولافور راغنار غريمسون، على أهمية تعزيز القدرات الأميركية في القطب الشمالي من الداخل قبل التفكير في أي تحركات خارجية. ويشير غريمسون إلى أن الولايات المتحدة لا تمتلك حتى الآن ميناءً عالميًا في الجزء القطبي الشمالي، ما يجعلها متأخرة في مجالات الشحن والنقل وكاسحات الجليد مقارنة بدول مثل فنلندا وروسيا والصين. وقد وقع مؤخرًا اتفاقًا مع رئيس فنلندا لبناء كاسحات جليد للولايات المتحدة، في مؤشر على التأخر الأميركي في هذا المجال الحيوي.
ترامب والمشهد العالمي: دراما السياسة الدولية
في السياق ذاته، يرى غريمسون أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمثل حالة سياسية فريدة، لا يمكن توقع مساراتها بسهولة، مع تحقيقه انتصارات سياسية داخلية معتبرة رغم الجدل حول سياساته. ويشير إلى أن مفتاح فهم ترامب يكمن في خلفيته كرجل عقارات، حيث ينظر إلى المواقع الاستراتيجية – مثل فنزويلا وغرينلاند وكندا – من منظور جغرافي واقتصادي بحت.
القطب الشمالي: مسرح عالمي بلا تاريخ طويل
ويؤكد غريمسون أن القطب الشمالي، بحجمه الذي يعادل أفريقيا، أصبح عنصرًا أساسيًا في الجغرافيا السياسية الحديثة، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق دولي واضح حوله إلا في العقود الأخيرة. ويعتبر أن التحديات والفرص هناك تمثل لعبة عالمية جديدة تتطلب حضورًا استراتيجيًا لكل القوى الكبرى للحفاظ على مكانتها في القرن الحادي والعشرين.













