زغلول: خروج الإمارات من "أوبك" يدعم مرونة الاقتصاد الوطني
16:42 - 01 مايو 2026لم يكن قرار الإمارات الخروج من منظمة أوبك مجرد خبر سياسي عابر، بل كان في نظر كثيرين إشارة البدء لمرحلة اقتصادية مختلفة جذرياً. فبينما تتساءل الأسواق عن تداعيات هذا القرار، ثمة من كان قد أعدّ إجاباته مسبقاً.
الدكتور ياسر زغلول، الرئيس التنفيذي لمجموعة "إن إم دي سي"، لا يرى في هذا التحول تهديداً يستوجب الحذر، بل فرصة تاريخية تستدعي التسارع. يتحدث عن محفظة مشاريع تتجاوز 55 مليار درهم، وخط أعمال مستقبلي يلامس المائة مليار، وتوسع متسارع في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والأعمال البحرية. لكن ما يجعل حديثه لافتاً حقاً ليس الأرقام وحدها، بل المنطق الاستراتيجي الذي يربطها: مجموعة تقول إن الأزمات علّمتها ما لا تستطيع المدارس تعليمه، وإن المرونة ليست شعاراً بل نظاماً مؤسسياً تراكم على مدى عقدين. فهل تُصدّق الأرقام هذه الرواية؟
قرار أوبك: باب يُفتح على فرص استثنائية
وصف الدكتور زغلول قرار الإمارات الخروج من منظمة أوبك بأنه "قرار مهم في فترة حساسة لبيئة جيوسياسية متغيرة"، مؤكداً أن تداعياته ستكون "إيجابية بشكل كبير جداً" على المجموعة. ويرى أن هذا القرار سيُعزّز استقلالية الاقتصاد الوطني ومرونته، وهو ما سيُفضي بدوره إلى فرص استثمارية واسعة في السوق المحلية الإماراتية، ولا سيما في قطاعَي الطاقة والبنية التحتية، القطاعَين اللذين تُركّز عليهما المجموعة جُلّ نشاطها.
ويربط زغلول هذا التحول بصورة أشمل، إذ يُشير إلى "نقص واضح في إمداد الطاقة للعالم بأسره"، مما يعني موجة من مشاريع البنية التحتية التي تقع في صميم عمل ذراع "إن إم دي سي إنرجي" المتخصصة في تطوير بنية النفط والغاز وإنتاج الطاقة، حتى إن الرئيس التنفيذي لا يتردد في توقع "قفزة نمو كبيرة جداً" لهذه الوحدة في المرحلة المقبلة.
عقدان من الأزمات: مدرسة صنعت مرونة استثنائية
لا يُخفي زغلول أن الاضطرابات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما ما وصفه بـ"العدوان الواضح على المنطقة ودولة الإمارات من قِبَل إيران"، أحدثت أثراً مباشراً على مشاريع المجموعة. غير أنه يُسارع إلى التأكيد على أن "استمرار العمليات التشغيلية أثناء الأزمات لا يكون وليد اللحظة"، مستنداً إلى تاريخ مؤسسي حافل بالاختبارات الصعبة.
فعلى مدى أكثر من عقدين، اجتازت المجموعة تحولات جيوسياسية حادة في منطقة الشرق الأوسط قبل عام 2010، وموجات ركود اقتصادي عالمية، ثم أزمة كوفيد-19 التي وصفها زغلول بأنها "كانت من أخطر المخاطر التي تخطيناها بنجاح". هذه التجارب المتراكمة هي التي شيّدت ما يسمّيه "مرونة الشركة"، وهيّأت منظومتها التشغيلية لمواجهة الأزمات الراهنة.
وتُعدّ لجنة إدارة المخاطر، المُفعَّلة داخل المجموعة منذ أكثر من عشرين عاماً، ركيزةً محورية في هذه المنظومة، إذ تعمل وفق محورَين ثابتَين: المحافظة على سلامة العنصر البشري أولاً، والحفاظ على استمرارية الأعمال بأقصى كفاءة ممكنة ثانياً. ويروي زغلول أن الإدارة العليا نزلت بنفسها إلى مواقع العمل في خضمّ شهر رمضان، في حين تواصلت عن كثب مع أكثر من 52,000 عامل وموظف، مُشيراً إلى التزام يتخطى حدود الشركة ليصل إلى الوطن.
الأرقام تتحدث: نمو الإيرادات يكشف القصة الحقيقية
على الصعيد المالي، يُقرّ زغلول بأن أرباح الربع الأول من العام شهدت انخفاضاً، لكنه يرفض أن يُقرأ هذا الانخفاض بمعزل عن السياق الكامل. فنموّ الإيرادات الذي تحقّق في الوقت ذاته يدلّ، في رأيه، على غياب أي ضعف تشغيلي حقيقي، "مؤكداً أن الضغط على الأرباح 'ضغط مرحلي مؤقت' ناجم عن اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف، وأن نمو الإيرادات يؤكد غياب أي ضعف تشغيلي، ومتوقعاً تعويض هذا التراجع خلال الأرباع الثلاثة المتبقية من العام."
الميزة التنافسية: كيف تتفوق "إن إم دي سي" على السوق العالمي حتى في الأزمة؟
هنا يكمن ربما أكثر ما قاله زغلول دلالةً وعمقاً في آنٍ واحد. فحين تراجع هامش الأرباح، لم يقتصر الرئيس التنفيذي على الإقرار بالتأثر وتوصيفه بالمؤقت، بل ذهب إلى مقارنة أكثر حدةً وجرأة: "مقارنةً بالسوق العالمي، حتى في الأحوال العادية أو في الأوقات الطبيعية، إحنا ما عليناش عنه حتى في ظل الأزمة الحالية". بمعنى أن هامش أرباح المجموعة في ذروة الأزمة لا يزال يُضاهي أو يتخطى ما يُحقّقه المنافسون في أوقات الاستقرار، وهو ما يصفه زغلول صراحةً بأنه "دليل على كفاءة الأنظمة التشغيلية للشركة".
"وقد أشار زغلول إلى وجود برنامج كفء لإدارة التكاليف، وبرنامج بديل لسلاسل الإمداد، مع توظيف الذكاء الاصطناعي للتعامل مع اضطرابات الملاحة البحرية. كما أكد أن الشركة لم تخسر، وأن أرباح الربع الأول انخفضت مع نمو الإيرادات، واصفاً الضغط على الأرباح بأنه 'مرحلي مؤقت'."
استحواذات وشراكات: التوسع يأخذ شكله المؤسسي
لا تقتصر رؤية المجموعة على إدارة الأزمات، بل تمتد إلى بناء محفظة أعمال متنوعة. فضمن "إن إم دي سي إنفرا"، تأسّست شراكة مع شركة CCC أفرزت كياناً باسم "إن إم دي سي CCC"، فيما جاء الاستحواذ على شركة "لانتانيا"، التي باتت تعمل تحت اسم "إن إم دي سي لانتانيا"، ليُضيف تخصصاً في قطاع المياه الذي يصفه زغلول بأنه "قطاع حيوي جداً". وتتجاوز محفظة مشاريع هذه الوحدة حتى الآن ملياري درهم، فيما تتهيأ المجموعة لتوقيع عقد ضخم في إطار مبادرة "اصنع في الإمارات".
وعلى صعيد الأعمال اللوجستية، عزّزت المجموعة حضورها باستحواذها على شركة "إمداد" ضمن منظومة "إن إم دي سي LTS"، في حين تتطلع "إن إم دي سي للحفر والأعمال البحرية" إلى انتهاز الفرص الكبيرة المرتقبة في أعقاب فتح المضائق الملاحية.
المحفظة والأفق: أرقام تُترجم طموحاً استراتيجياً
يختتم زغلول بأرقام تُعبّر عن حجم الطموح أكثر مما تعكس الوضع الراهن: محفظة مشاريع حالية تتجاوز 55 مليار درهم، وخط أعمال مستقبلي يقترب من 100 مليار درهم. غير أنه يُؤطّر هذه الأرقام برؤية قوامها "نمو قوي ولكن منضبط"، أي توسع يُقابله حفاظ على كفاءة تشغيلية رفيعة. وفي استشراف المشهد الإماراتي تحديداً، يرى أن الفرص "ستكون أكبر بكثير"، مدفوعةً بالنمو السكاني المتزايد عالمياً والطلب المتصاعد على الطاقة والبنية التحتية. وتبقى العبارة الأكثر دلالةً في حديثه ختاماً لمسيرة تمتد لأكثر من خمسين عاماً: "إن إم دي سي ملتزمة لدولة الإمارات، أمس واليوم وغداً".






