لماذا تتراجع الثقة بالاقتصاد البريطاني؟
10:41 - 26 يناير 2026تتآكل ثقة البريطانيين في اقتصاد بلادهم على نحو تدريجي لكن عميق، في وقت تتزامن فيه الأزمات الاقتصادية مع الاضطرابات السياسية، لتفرض واقعًا ضاغطًا على معيشة الأسر وتوقعاتها للمستقبل.
تعكس المؤشرات الاقتصادية، وفي مقدمتها ثقة المستهلك، حجم القلق السائد داخل المجتمع البريطاني، بعدما ظلت المعنويات عالقة في المنطقة السلبية لسنوات طويلة، متأثرة بتداعيات "بريكست"، وجائحة كورونا، وأزمة تكلفة المعيشة التي لم تنحسر آثارها بعد.
تطرح هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول قدرة الاقتصاد البريطاني على استعادة زخمه، في ظل نمو ضعيف، وسياسات اقتصادية متقلبة، وضغوط معيشية متصاعدة، ما يجعل أزمة الثقة واحدة من أخطر التحديات التي تواجه البلاد في المرحلة الراهنة.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى استطلاع حديث يُظهر أن ثقة المستهلك في المملكة المتحدة كانت سلبية أو ثابتة لمدة 10 سنوات، مما يؤكد تأثير جائحة كوفيد-19 والاضطرابات السياسية وأزمة تكلفة المعيشة على معنويات البريطانيين.
- مؤشر ثقة المستهلك GfK - وهو مقياس لكيفية نظر الناس إلى أوضاعهم المالية الشخصية وآفاقهم الاقتصادية الأوسع - ارتفع بمقدار نقطة واحدة إلى -16 في يناير.
- بحسب مدير رؤى المستهلكين في شركة GfK نيل بيلامي، يأتي شهر يناير 2026 بذكرى غير مرغوب فيها، حيث يصادف مرور 10 سنوات على آخر مرة كانت فيها ثقة المستهلك في المنطقة الإيجابية.
- ويضيف: "حتى مع زيادة نقطة واحدة، ما زلنا بعيدين كل البعد عن شعور المستهلكين بأن الأيام الأفضل باتت قريبة".
- ارتفع الرقم المسجل في شهر يناير، استناداً إلى استطلاع أجري في الأسبوعين الأولين من العام، من أدنى مستوى له عند -23 في أبريل 2025.
- مع ذلك، ظلّ هذا الرقم أدنى من أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات تقريبًا، والذي بلغ -13 نقطة في يوليو 2024، عندما عزز فوز حزب العمال في الانتخابات العامة الروح المعنوية. وسرعان ما أعقب ذلك تراجع في المعنويات وسط شائعات عن ميزانية "مؤلمة" ستُعلن في خريف ذلك العام، لا سيما بين كبار السن.
تُراقب ثقة المستهلك عن كثب كمؤشر مبكر للإنفاق الأسري، والذي كان ضعيفاً للغاية في المملكة المتحدة منذ الجائحة.
كان المؤشر قد سجل آخر مرة مستوى إيجابياً في يناير 2016 عندما بلغ أربعة، لكنه انخفض إلى خانة العشرات السلبية عقب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو من ذلك العام. وتأثرت معنويات الأسر بشأن الاقتصاد وآفاقه سلباً بشكل أكبر جراء جائحة كوفيد-19.
أدت أزمة تكلفة المعيشة إلى انخفاض حاد آخر في تقييم وتوقعات الشؤون المالية الشخصية، والتي سجلت جميعها مستويات قياسية منخفضة في عامي 2022 و2023.
تآكل الثقة
يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الثقة الاقتصادية في المملكة المتحدة تآكلت بشكل ملحوظ نتيجة تعرض الأسر لسلسلة من الصدمات المتلاحقة، في ظل غياب رؤية واضحة ومقنعة لمسار التعافي الاقتصادي.
- الصدمة الأولى تمثلت في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست).
- بمعزل عن الأبعاد السياسية، أدى هذا الخروج إلى احتكاكات تجارية مستمرة وانخفاض في الإنتاجية.
- المملكة المتحدة تُعد اليوم الاقتصاد الوحيد ضمن دول مجموعة السبع الذي لا تزال أحجام تجارته أقل من مستويات ما قبل عام 2019، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار وفرص العمل ويشعر به المواطنون في حياتهم اليومية.
ويشير إلى أن الصدمة الثانية جاءت عبر موجة التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة، لافتًا إلى أن أسعار الطاقة قفزت بشكل حاد عقب الحرب في أوكرانيا، إلا أن تأثيرها كان أشد وطأة في بريطانيا بسبب الاعتماد الكبير على الغاز وضعف كفاءة عزل المباني. ونتيجة لذلك، تراجعت الأجور الحقيقية لعدة سنوات متتالية، في ظاهرة لم يشهدها البريطانيون بهذا الاتساع منذ سبعينيات القرن الماضي.
أما الصدمة الثالثة، بحسب الرفاعي، فتمثلت في عدم استقرار السياسات الاقتصادية، موضحًا أن “الميزانية المصغرة” عام 2022 في عهد رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس تسببت في أزمة حادة بسوق السندات الحكومية، ما اضطر بنك إنجلترا إلى التدخل، وألحق ضررًا بالغًا بمصداقية الإدارة الاقتصادية.
ويختم الرفاعي بالقول إن تراكم الضرائب المرتفعة، وضعف النمو الاقتصادي، وتدهور الخدمات العامة، إلى جانب الارتفاع الكبير في تكاليف الرهن العقاري، أدى إلى شعور عام متزايد بأن الاقتصاد لم يعد يعمل لصالح الأسر العادية، وهو ما يفسر عمق أزمة الثقة الراهنة.
علامات تحسن
في سياق متصل، تتوقع أبحاث غولدمان ساكس:
- أن يرتفع معدل البطالة في المملكة المتحدة إلى 5.3% بحلول مارس 2026، ولكنه سيستقر لبقية العام مع انتعاش النمو الاقتصادي.
- من المتوقع أن يتباطأ التضخم هذا العام، ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يقوم بنك إنجلترا بخفض أسعار الفائدة ثلاث مرات إلى 3 بالمئة.
- تبدو المملكة المتحدة أقل عرضة للمخاطر المالية مقارنة ببعض الاقتصادات الأوروبية الأخرى، لكن قسم الأبحاث في غولدمان ساكس لا يزال يتوقع أن يركز المستثمرون وصناع السياسات على المسار المالي والجهود المبذولة لتعزيز النمو هذا العام.
أزمة عميقة
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي أنور القاسم لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"أن
- الاقتصاد البريطاني يقرّ للمرة الأولى بدخوله حالة مزدوجة من الركود والانكماش، في ظل تراجع واضح في إجمالي الناتج المحلي، ما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
- هذه التطورات تعود إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها أزمة ارتفاع تكلفة المعيشة، وتداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى المستويات القياسية للديون العامة التي تجاوزت الناتج المحلي الإجمالي، لتصل إلى نحو 4 تريليونات دولار، مع أعباء سنوية مرتفعة لخدمة الدين.
- البيانات الاقتصادية تشير إلى أن ديون الشركات والأسر البريطانية تبلغ نحو 4.7 تريليونات دولار، ما يرفع إجمالي الالتزامات المالية في الاقتصاد البريطاني إلى أكثر من 8.6 تريليونات دولار، وهو ما يشكل ضغطًا كبيرًا على الاستقرار المالي والنمو المستقبلي.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يشير القاسم إلى فقدان نحو 250 ألف بريطاني لوظائفهم، وإغلاق ما يقارب 14,500 شركة خلال الفترة الأخيرة، في وقت شهد فيه العقد الماضي هجرة نحو 138.5 ألف مليونير من بريطانيا، ما يمثل تراجعًا بنسبة 20 بالمئة في عدد الأثرياء الذين شكّلوا ركيزة أساسية لجاذبية لندن كمركز مالي عالمي.
ويلفت إلى أن السياسات الضريبية القياسية التي فرضتها الحكومة الحالية أسهمت في إضعاف النمو الاقتصادي، في حين زادت الحرب بين روسيا وأوكرانيا من حدة الأزمة عبر الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة داخل البلاد.
ويتابع أن تضافر هذه العوامل، إلى جانب الارتفاع الحاد في تكلفة المعيشة، حوّل بريطانيا إلى دولة أكثر فقرًا وقلقًا، خاصة مع تسجيل معدلات تضخم تجاوزت الأعلى بين دول مجموعة السبع.
ويختم القاسم بالقول إن بريطانيا تقف اليوم أمام مفترق طرق صعب، ما يفرض عليها إعادة النظر في استراتيجيتها الاقتصادية، وعدم الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة، مع ضرورة تنويع الشراكات الاقتصادية عالميًا، والعودة إلى أوروبا من بوابة الاقتصاد عبر توقيع اتفاقيات جديدة، إلى جانب إدخال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة في مفاصل الاقتصاد لتعزيز القدرة التنافسية والنمو المستدام.
أزمات متراكمة
بدوره، يقول خبير العلاقات الدولية الاقتصادية محمد الخفاجي لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إلى أن:
- فقدان البريطانيين الثقة في اقتصاد بلادهم لم يأتِ بشكل مفاجئ، بل تشكّل تدريجياً نتيجة تراكم أزمات انعكست بشكل مباشر على حياتهم اليومية.
- مستوى المعيشة كان أبرز نقاط التضرر، مع ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الأجور على مدى عدة سنوات متتالية، ما أدى إلى تراجع الدخل الحقيقي للأسر.
- شريحة واسعة من البريطانيين باتت تشعر اليوم بأن الرواتب لم تعد كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية كما في السابق، وأن القدرة على الادخار أو تحسين مستوى المعيشة أصبحت شبه معدومة، وهو ما عزز الإحساس العام بالضغوط الاقتصادية.
- الاقتصاد البريطاني يعاني من نمو ضعيف ومزمن، حيث تسجل بريطانيا معدلات نمو أدنى من متوسط الاقتصادات المتقدمة، مع تباطؤ واضح في الاستثمار الخاص وتردد الشركات في التوسع أو خلق وظائف جديد.
- هذا الأداء الهش يغذي المخاوف من ركود طويل الأمد ويعمّق حالة التشاؤم تجاه فرص العمل والاستقرار الوظيفي.
ويضيف الخفاجي أن العامل السياسي والهيكلي لعب دوراً محورياً في تآكل الثقة، لافتاً إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يحقق الوعود التي رُوّج لها على نطاق واسع، بل أدى إلى تعقيدات تجارية وتراجع في الصادرات ونقص في العمالة بعدد من القطاعات، ما انعكس سلباً على النمو وارتفاع التكاليف، ومع غياب مكاسب ملموسة تحوّل “بريكست” في نظر كثير من البريطانيين من مشروع سيادي إلى عبء اقتصادي.
كما يتابع أن الأزمات العالمية، من جائحة كورونا إلى أزمة الطاقة والحرب في أوكرانيا، كشفت هشاشة الاقتصاد البريطاني أمام الصدمات الخارجية، إذ أدى ارتفاع فواتير الطاقة والضرائب، إلى جانب تشديد السياسة النقدية وارتفاع أسعار الفائدة، إلى زيادة أعباء القروض وتكاليف الإسكان، وضغط بشكل خاص على الطبقة الوسطى.
ويختم الخفاجي حديثه بالقول إن المشكلة لم تعد مرتبطة برقم تضخم أو مؤشر نمو بعينه، بل بشعور عام بأن الاقتصاد البريطاني فقد بوصلته، وأن السياسات الاقتصادية لم تنجح في حماية القوة الشرائية أو في رسم أفق واضح للمستقبل، مؤكداً أن هذا الإحساس المتراكم هو جوهر فقدان الثقة لدى الشارع البريطاني.




