الاقتصاد العالمي يترنح تحت وطأة حرب إيران
15:34 - 11 مارس 2026
تضيف الحرب مع إيران المزيد من الأضرار الواسعة للاقتصاد العالمي، حيث يدفع الصراع أسعار الطاقة والأسمدة إلى الارتفاع، ويهدد بحدوث نقص في الغذاء بالدول الفقيرة، ويزعزع استقرار دول هشة مثل باكستان، كما يُعقّد الخيارات المتاحة أمام البنوك المركزية التي تكافح التضخم، مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي).
ويعود جزء كبير من هذه التداعيات إلى تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز فعليا، حيث يمر نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية.
السيناريو الكابوسي
وقال موريس أوبستفيلد، الزميل البارز لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي وكبير خبراء الاقتصاد سابقا في صندوق النقد الدولي: "لفترة طويلة، كان السيناريو الكابوسي الذي ردع الولايات المتحدة حتى عن التفكير في مهاجمة إيران ودفعها إلى حث إسرائيل على ضبط النفس هو أن يقوم الإيرانيون بإغلاق مضيق هرمز... نحن نعيش هذا السيناريو الكابوسي الآن."ومع تعطل أحد أهم طرق الشحن في العالم، قفزت أسعار النفط من أقل من 70 دولارا للبرميل في 27 فبراير إلى ذروة قاربت 120 دولارا في وقت مبكر من يوم الاثنين قبل أن تستقر على نحو 90 دولارا. وارتفعت، تبعا لذلك أسعار البنزين.
وفي الهند، بدأت مطاعم بالفعل تحذر من احتمال الإغلاق مع إعطاء الحكومة الأولوية لإمدادات الغاز للأسر.
وفي تايلاند، جرى تعليق السفر الخارجي لموظفي الدولة وحثهم على استخدام السلالم بدلا من المصاعد.
كما اعتمدت الفلبين أسبوع عمل مؤقتا من أربعة أيام لبعض الهيئات الحكومية، في حين تشجع فيتنام الموظفين على العمل من المنزل.
فقدان 20 مليون برميل نفط يوميا
وتقول المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن كل زيادة بنسبة 10 بالمئة في أسعار النفط – إذا استمرت معظم العام – سترفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية، وتخفض الناتج الاقتصادي العالمي بما يصل إلى 0.2 بالمئة.
ويقول الخبير الاقتصادي سيمون جونسون، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والحائز على جائزة نوبل التذكارية في الاقتصاد لعام 2024، "يجب إعادة فتح مضيق هرمز... يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، ولا توجد طاقة فائضة في أي مكان في العالم يمكن أن تعوض هذا النقص."
وأظهر الاقتصاد العالمي قدرته على الصمود أمام الصدمات، بعد أن استوعب تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات، وكذلك الرسوم الجمركية الواسعة، وغير المتوقعة، التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عام 2025.ويعرب كثير من خبراء الاقتصاد عن أملهم في أن يتمكن الاقتصاد العالمي من تجاوز الأزمة الحالية.
ويقول إيسوار براساد، أستاذ سياسات التجارة في جامعة كورنيل، بنيويورك: "أظهر الاقتصاد العالمي قدرة على تجاوز صدمات كبيرة مثل الرسوم الجمركية الأمريكية الواسعة، لذلك هناك مجال للتفاؤل بأنه سوف يستطيع الصمود أمام تداعيات الحرب مع إيران."
التوقيت عامل حاسم
ويرى الخبير الاقتصادي نيل شيرينج، من مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس"، أنه إذا تمكنت أسعار النفط من العودة إلى نطاق يتراوح بين 70 و80 دولارا للبرميل، فإن "الاقتصاد العالمي قد يتمكن من امتصاص الصدمة مع اضطرابات أقل مما يخشاه كثيرون."
ويقول جونسون: "السؤال هو: كم من الوقت سوف يستمرذلك؟"، مضيفا أن من الصعب تصور تراجع إيران الآن بعد إعلانها عن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، والذي يُعتقد أنه أكثر تشددا من والده.
كما يزداد الغموض بشأن ما تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه من تعقيد فرص إنهاء الأزمة.الرابحون والخاسرون في الاقتصادوفي الوقت الحالي، من المرجح أن تسفر الحرب عن رابحين وخاسرين في الاقتصاد، فالدول المستوردة للطاقة – مثل معظم دول أوروبا وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان والهند والصين – سوف تتضرر بشدة من ارتفاع الأسعار، بحسب تحليل نشره شيرينج لصالح معهد "تشاتام هاوس" البحثي في لندن.
وتجد باكستان نفسها في وضع صعب بشكل خاص، فتلك البلاد التي تقع جنوبي آسيا تستورد نحو 40 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة وتعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال من قطر، وقد تأثرت هذه الإمدادات بسبب الصراع.
وبدلا من خفض أسعار الفائدة لتخفيف الضغوط، من المرجح أن يضطر البنك المركزي في البلاد إلى رفعها، وفقا لما ذكره الاقتصاديان جاريث ليذر ومارك ويليامز، من "كابيتال إيكونوميكس".
ويعود ذلك جزئيا إلى أن التضخم لا يزال عند مستويات مرتفعة ومثيرة للقلق في باكستان، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يهدد بتفاقم الوضع.وفي المقابل، سوف تستفيد الدول المنتجة للنفط من خارج منطقة الحرب – مثل النرويج وروسيا وكندا – من ارتفاع الأسعار دون أن تواجه مخاطر الهجمات الصاروخية أو المُسيرات.
ولا تقتصر التداعيات على الطاقة فحسب، حيث أشار جوزيف جلوبر، من المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، إلى أنه يمر عبر مضيق هرمز ما يصل إلى 30 بالمئة من صادرات الأسمدة في العالم، بما في ذلك اليوريا والأمونيا والفوسفات والكبريت.
وأدى اضطراب الملاحة في المضيق بالفعل إلى تعطيل شحنات الأسمدة، مما رفع تكاليفها على المزارعين ومن المرجح أن يدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع.
وقال أوبستفيلد (معهد بيترسون للاقتصاد الدولي): "أي دولة لديها قطاع زراعي كبير، بما في ذلك أميركا، سوف تكون عرضة للتأثر... ولكن التأثيرات ستكون أكثر تدميرا في الدول ذات الدخل المنخفض، حيث تواجه الإنتاجية الزراعية في الأساس تحديات، ومع إضافة هذه التكاليف قد نشهد نقصا كبيرا في الغذاء.".
ومن المتوقع أن تحقق أميركا- التي صارت الآن تصدر طاقة أكثر مما تستورد – مكاسب محدودة من ارتفاع أسعار النفط والغاز. لكن الأسر الأمريكية ستشعر بوطأة ارتفاع الأسعار في وقت يتصاعد فيه غضب الأمريكيين من ارتفاع تكاليف المعيشة قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل.
وقال مارك ماثيوز، كبير الاقتصاديين لدى الاتحاد الوطني لتجار التجزئة، إن الأسر الأمريكية تنفق نحو 2500 دولار سنويا، أي ما يقرب من 50 دولارا أسبوعيا، لملء خزانات سياراتها بالوقود. وأضاف أن ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 20 بالمئة يعني إنفاق نحو 10 دولارات إضافية كل أسبوع، ما يضطر الأسر إلى تقليص نفقات أخرى، وتابع: "إذا اضطررت لدفع المزيد مقابل سلعة أساسية، فسأقلل الإنفاق على الكماليات".
كما تضع أزمة إيران البنوك المركزية في موقف صعب، حيث إن ارتفاع أسعار الطاقة يغذي التضخم، لكنه في الوقت نفسه يضعف النشاط الاقتصادي.
وبالتالي يواجه صناع السياسة النقدية معضلة: هل يرفعون أسعار الفائدة لكبح التضخم أم يخفضونها لدعم الاقتصاد؟
ويشهد مجلس الاحتياطي الفيدرالي بالفعل انقساما بين مسؤولين يرون أن سوق العمل الضعيف في أميركا بحاجة لخفض الفائدة، وآخرين ما زالوا قلقين من بقاء التضخم أعلى من هدف البنك المركزي، البالغ 2 بالمئة.
وقال جونسون إن صناع السياسة النقدية "سوف يتذكرون بسهولة تجربة السبعينيات"، عندما أدت الصراعات في الشرق الأوسط وحظر تصدير النفط العربي إلى قفزة حادة في أسعار النفط، وما تزال تطاردهم ذكريات أن سابقيهم "لم يتعاملوا مع الأمر بالشكل الصائب في السبعينيات، إذ اعتبروا الأمر صدمة مؤقتة، وظنوا أنه يمكن احتواؤها عبر خفض أسعار الفائدة، لكنهم انتهوا إلى الندم لأن التضخم ارتفع إلى مستويات أعلى بكثير."
وتوقع جونسون أن تؤدي زيادة أسعار الطاقة الناجمة عن حرب إيران إلى "تصعيد واسع للنقاش داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي"، وأن تجعل خفض أسعار الفائدة في أميركا أقل احتمالا .










