ما حجم الخسائر الأميركية جراء حرب إيران؟
07:48 - 10 أبريل 2026
تكشف حرب إيران عن وجهٍ اقتصاديٍّ موازٍ للعمليات العسكرية، حيث تتكبد الولايات المتحدة كلفة مزدوجة، مباشرة وغير مباشرة، تمتد من نفقات العمليات والعتاد إلى تداعيات أوسع ربما تؤثر بدورها على مفاصل الاقتصاد الكلي.
ورغم متانة الاقتصاد الأميركي بوصفه الأكبر عالمياً، فإن هذه الحرب أظهرت أن حتى القوى الاقتصادية الكبرى ليست بمنأى عن فواتير الصراعات المفتوحة.
وفي حين منح الاكتفاء النسبي من الطاقة واشنطن هامشاً من الطمأنينة وقلّص من حدة الصدمة مقارنة بدول أخرى، فإن التداعيات الأوسع للحرب سرعان ما انعكست على الأسعار، لتصل آثارها إلى المستهلك الأميركي بشكل ملموس.
ومع إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، تبرز نافذة مؤقتة تتيح قراءة أولية لحجم الخسائر وتفكيك أبعادها، في محاولة لتقدير كلفة المواجهة على الاقتصاد الأميركي، وما إذا كانت هذه التداعيات ظرفية أم مرشحة لترك بصمات أعمق على المدى الطويل.
في هذا الإطار، وبحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، فإن:
- حرب إيران تكلف الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات يومياً، ونحو عُشر ذلك هو ثمن المعدات العسكرية التي دُمرت في القتال، وفقاً لتحليل حديث.
- فيما يقول خبراء الدفاع إن خسائر الولايات المتحدة من الجنود والمعدات ضئيلة بمعايير الحروب التي يكون فيها الجانبان متكافئين إلى حد كبير، لكن تدمير إيران لأنظمة الرادار الأميركية باهظة الثمن جعل واشنطن أكثر عرضة للخطر في حالة نشوب صراعات مستقبلية في مسارح أخرى مثل الصين.
- أسفرت الغارات على القواعد الأميركية منذ 28 فبراير عن مقتل 13 أميركياً. وأصيب أكثر من 300 جندي أميركي بجروح.
تقدر إيلين ماكوسكر، وهي زميلة بارزة في معهد أميركان إنتربرايز ومسؤولة سابقة في ميزانية البنتاغون، تكلفة الحملة ضد إيران بما يتراوح بين 22.3 مليار دولار و31 مليار دولار على مدى الأسابيع الخمسة منذ أن أمر ترامب القوات الأميركية بالهجوم في أواخر فبراير.
تشمل حساباتها تكلفة نشر أصول أميركية إضافية في الشرق الأوسط منذ أواخر ديسمبر، لكنها لا تشمل تقييمًا كاملاً لأضرار المعركة، والذي من غير المرجح أن يكون واضحًا قبل انتهاء الأعمال العدائية.
تشمل هذه الأرقام ما بين 2.1 مليار دولار و3.6 مليار دولار أميركي لأضرار المعارك واستبدال المعدات. ويشمل الحد الأعلى لهذا النطاق تكلفة إصلاح حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس غيرالد آر فورد"، التي تم سحبها للصيانة بعد حريق في غرفة الغسيل، وتكلفة إصلاح نظام الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية المتضرر من طائرة مسيرة.
الاقتصاد الأميركي
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الاقتصاد الأميركي تكبّد خسائر مباشرة نتيجة الحرب.
- الكلفة التقديرية خلال نحو أربعين يوماً تصل إلى نحو 30 مليار دولار، وهو ما يمثل عبئاً مالياً إضافياً على الاقتصاد.
- التداعيات لا تقتصر على الكلفة المباشرة، بل تمتد إلى ارتفاع متوقع في معدلات التضخم خلال الأشهر المقبلة، الأمر الذي سيضغط على وتيرة النمو الاقتصادي، حيث يُرجّح أن يلتهم التضخم جزءاً من هذا النمو.
ويضيف أن مسار التأثير سيظل مرهوناً بمدى تجذّر التضخم داخل الاقتصاد الأميركي، وما إذا كان تأثيره سيبقى قصير الأجل أو يمتد إلى المدى الطويل، لافتاً إلى أن المشهد لا يزال غير محسوم بالكامل.
كما يشير إلى تفاوت تأثيرات الحرب على القطاعات الاقتصادية، إذ استفاد كل من قطاعي الطاقة والتسلح (الدفاع) من التطورات الجيوسياسية، في حين يُتوقع أن يتضرر القطاع الاستهلاكي نتيجة تراجع القدرة الشرائية للمستهلك الأمريكي، إلى جانب الضغوط التي يواجهها قطاع الطيران.
ويرى أن هذه التداعيات تُعد انعكاساً طبيعياً لتكلفة الحروب على الاقتصادات الكبرى، إلا أنه يرجّح أن تكون الخسائر مرحلية، مدعومة بدور الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والسياسات المالية التوسعية.
ويختم يرق بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة استطاعت في المقابل تعزيز موقعها في أسواق الطاقة العالمية، حيث أصبحت من كبار منتجي النفط ومصدري الغاز، ما يمنحها فرصة لإعادة توجيه سلاسل التوريد العالمية وتعزيز حضورها في معادلة الطاقة الدولية.
تقديرات متفاوتة
في سياق متصل، وبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن:
- الولايات المتحدة تكبدت خسائر قتالية وأضراراً في البنية التحتية بقيمة لا تقل عن 1.4 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى من القتال.
- بعد ذلك انخفض عدد عمليات إطلاق الصواريخ الإيرانية.
- تختلف التقديرات باختلاف المنهجية المستخدمة والمعايير المشمولة في الإحصاءات المختلفة.
ووفق كبير مستشاري الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية،مارك كانسيان، فإنه يقدر أن الحملة تكلف الولايات المتحدة حوالي نصف مليار دولار كل يوم، فيما "لا تزال التفاصيل محدودة للغاية. وقد تكون التكلفة أعلى بكثير اعتمادًا على المعدات الموجودة داخل المنشآت التي تعرضت للهجوم".
خسائر منوعة
ولدى حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، يقول خبير أسواق المال محمد سعيد:
- الخسائر الاقتصادية الأميركية الناتجة عن التصعيد العسكري تتوزع على عدة طبقات، تبدأ من التكلفة المباشرة للعمليات القتالية وصولًا إلى تداعيات هيكلية عميقة على الاقتصاد الكلي.
- الفاتورة العسكرية المباشرة كانت الأعلى في الأيام الأولى، حيث كانت آلة الحرب تستهلك نحو نصف مليار دولار يومياً، فيما تجاوزت تكلفة الأسبوعين الأولين 12 مليار دولار مخصصة للذخائر والعمليات التشغيلية فقط، دون احتساب خسائر الأصول العسكرية في بعض التقديرات.
كما يشير إلى الخسائر المرتبطة بالخسائر في المعدات، مثل الغواصات والسفن وأنظمة الرادار، لافتاً إلى أنه مع احتساب تكاليف الإحلال وإعادة التسليح، من المتوقع أن تتجاوز التكلفة العسكرية الإجمالية حاجز 45 مليار دولار.
كما يوضح أن التأثير الأخطر بدأ مع إغلاق مضيق هرمز في الأسبوع الأول من مارس، مؤكدًا أن "تعطل نحو 15 مليون برميل يوميًا من الإمدادات العالمية تسبب في صدمة طاقة هي الأكبر في التاريخ الحديث، ودفع أسعار خام برنت لتجاوز 100 دولار للبرميل وسط مخاوف من تسجيل مستويات قياسية جديدة"، وهو ما انعكس بشكل غير مباشر على المواطن الأميركي.
ويضيف: "المواطن الأميركي كان أول المتضررين، حيث قفزت أسعار البنزين بشكل ملحوظ لتتجاوز 4 دولارات للغالون على المستوى الوطني، وتخطت 5 دولارات في ولايات مثل كاليفورنيا، فيما ارتفعت أسعار وقود الطائرات بنحو 70 بالمئة، ما انعكس مباشرة على تكاليف الشحن والسفر". ويلفت إلى أن هذه التطورات "فرضت ما يشبه ضريبة حرب غير مباشرة، رفعت الأعباء الشهرية على الأسر الأميركية بأكثر من 150 دولارًا نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة".
ويؤكد سعيد أن هذه الصدمة تنعكس سريعاً على مؤشرات الاقتصاد الكلي وتوقعات التضخم ومعدلات النمو.
يؤكد ذلك تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" يشير إلى أنه "قد يتفاقم الأثر الاقتصادي للحرب على الأميركيين"، وأنه "حتى لو تم حل النزاع في الأسابيع القليلة المقبلة، ستستمر بعض التداعيات الاقتصادية لأشهر".
لكن سعيد يشير في الوقت نفسه إلى أن "قدرة الولايات المتحدة على إنتاج جزء كبير من احتياجاتها النفطية أسهمت في تخفيف حدة الصدمة مقارنة بدول أخرى، لكن الخطر الحقيقي يكمن في التداعيات طويلة الأجل". ويحذر من أن "استمرار الأزمة قد يدفع الاقتصاد إلى حالة ركود تضخمي شبيهة بأزمات السبعينيات، مع أعباء إضافية ضخمة على الدين العام".












