كيف تواجه التجارة الدولية نقطة ضعفها المزمنة؟
11:31 - 09 أبريل 2026
أعادت حرب إيران تسليط الضوء على نقطة ضعف مزمنة في بنية التجارة الدولية، لطالما جرى التغاضي عنها في ظل عقود من الاستقرار النسبي، فمع أول اختبار حقيقي، لم تعد سلاسل الإمداد العالمية تبدو بالصلابة التي افترضها العالم، إنما ظهرت هشاشتها أمام صدمات جيوسياسية مركّزة في نقاط ضيقة شديدة الحساسية.
في قلب هذا المشهد، يتكشّف سؤال أكبر من مجرد اضطراب مؤقت في تدفقات الطاقة أو السلع: هل كان نموذج التجارة العالمي، القائم على الكفاءة القصوى وتقليل التكاليف، يُخفي في طياته مخاطر تراكمت تباعاً؟ وما إذا كانت هذه الحرب قد كشفت حدود هذا النموذج، ودفعته إلى مفترق طرق استراتيجي؟
وبينما تتسارع التحركات لإعادة رسم مسارات التجارة وتحصينها، تتبلور ملامح مرحلة جديدة، في وقت تفرض فيه الجغرافيا السياسية نفسها كعامل حاسم.
يشير مقال بصحيفة "فايننشال تايمز" إلى
- مستقبل التجارة العالمية لن يعتمد على مضيق هرمز.
- يجري بناء بنية تحتية جديدة بسرعة لتجنب نقطة الاختناق الاستراتيجية وضمان الأمن العالمي في مجال الطاقة والغذاء.
وبحسب المقال، فإن نموذج التجارة والبنية التحتية الذي دام خمسين عامًا يُعاد تشكيله في غضون أسابيع (..) لا سيما وأن 30 بالمئة من تدفقات النفط المنقولة بحراً عالمياً، وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، تمر عادةً عبر ممر مائي عرضه 21 ميلاً بحرياً. ويعتمد ثلث الأسمدة المتداولة بحراً، ونحو نصف صادرات الكبريت المنقولة بحراً في العالم، على الممر نفسه، مما يؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي العالمي. وينطبق الأمر نفسه على كميات كبيرة من الألومنيوم والهيليوم، الذي يُعدّ أساسياً في صناعة أشباه الموصلات وسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي العالمية.
تركيز هذا القدر الكبير من التجارة العالمية عبر ممر واحد متنازع عليه يُعدّ وضعاً شاذاً تغاضى عنه العالم لعقود. وقد انتهى هذا التغاضي الآن، وفق المقال.
وينبه المقال إلى أن الشرق الأوسط يزخر بإرثٍ لم يُستغلّ إلى حدٍ كبير: بنية تحتية لخطوط الأنابيب بُنيت خلال أزمات سابقة وظلّت مهملة لعقود، وممرات طرق وسكك حديدية، وشبكات كهرباء عابرة للحدود، وأنظمة مياه تمتدّ خارج الشبكات القائمة. ومع تجديد التعاون، يُمكن لهذه الأصول أن تُعمّق الترابط الإقليمي مع الأسواق العالمية. وتُحقق الأزمة ما عجزت عنه سنوات من القمم، ألا وهو تهيئة الظروف لتكامل اقتصادي إقليمي حقيقي. فالدول التي كانت علاقاتها متوترة قبل أسابيع قليلة فقط، تجد الآن أرضية مشتركة.
ويضيف المقال، الذي كتبه بدر جعفر، وهوالمبعوث الخاص لوزير الخارجية الإماراتية لشؤون الأعمال والأعمال الخيرية:
- إن تحويل مسار التجارة الأساسية بعيدًا عن نقطة اختناق واحدة لا يقلل المخاطر على اقتصادات المنطقة فحسب، بل على سلاسل التوريد العالمية أيضًا.
- بالنسبة لأوروبا وآسيا وأفريقيا، يعني هذا تقليل الصدمات في الإمدادات وضمان وصول أكثر موثوقية إلى الموارد الحيوية.
- أما بالنسبة للمستثمرين ومطوري البنية التحتية في القطاع الخاص، فيمثل ذلك فرصة تاريخية للمساهمة في بناء الممرات التي ستدعم التجارة العالمية خلال نصف القرن القادم.
مستقبل التجارة العالمية
من جانبه، يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- التجارة العالمية مرشحة لأن تصبح أكثر تكرارًا وإقليمية، فضلًا عن ارتفاع تكلفتها، دون أن يعني ذلك تغييرًا كاملًا في مسارها.
- مضيق هرمز يعالج نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، في حين لا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة الحالية سوى تعويض جزء محدود من هذه الكمية، ما يخلق فجوة هيكلية في قدرات الإمداد.
ويضيف أن الأسواق تتجه نحو ثلاثة تحولات رئيسية:
- تسريع الدول وتيرة إنشاء خطوط الأنابيب وشبكات السكك الحديدية والممرات البرية، بهدف تنويع مسارات النقل، خاصة باتجاه البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
- استمرار ارتفاع تكاليف الشحن وأقساط التأمين، وهو ما سينعكس في صورة تكاليف تجارية أعلى ضمن الأسعار العالمية.
- توجه الشركات إلى زيادة مستويات التخزين، مع إعادة هيكلة سلاسل التوريد لتصبح أكثر تركيزًا على المستوى الإقليمي.
ويشير إلى أن الحقيقة الأساسية تكمن في أن التنويع يعزز من مرونة سلاسل الإمداد، لكنه لا يلغي أهمية الموقع الجغرافي، مؤكدًا أنه لا يمكن استبدال الدور الحيوي لمضيق هرمز بالكامل على المدى القريب.
فيما نقل تقرير سابق لشبكة "إيه بي سي نيوز" عن خبراء بقطاع النفط، قولهم إنه "لا توجد خطة احتياطية عادلة لمضيق هرمز"، مشيراً إلى أن "الطرق البديلة لا تشكل سوى مساعدة ضئيلة".
هشاشة التجارة العالمية
من جانبه، يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد اضطراب جيوسياسي عابر، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة لهشاشة بنية التجارة العالمية، التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على عدد محدود من نقاط الاختناق الحيوية.
- المضيق، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية وقرابة 20 بالمئة من الغاز الطبيعي المسال، أثبت أن تعطّله ولو بشكل جزئي "كفيل بإرباك الاقتصاد الدولي بأكمله".
- الأزمة الأخيرة تعكس عمق الصدمة، مع تراجع حركة الشحن واضطراب الإمدادات.
ويؤكد أن ما يحدث لا يقتصر على كونه أزمة طاقة، بل يمثل صدمة نظامية تمتد إلى سلاسل الإمداد ومعدلات التضخم والأسواق المالية.
ويضيف أن هذه التطورات تُسرّع تحولًا استراتيجيًا في بنية التجارة العالمية، يتمثل في إعادة هندستها على أساس "الأمن" بدلًا من "الكفاءة"، موضحًا أن الدول بدأت بالفعل في تنويع مسارات الإمداد عبر خطوط أنابيب بديلة رغم محدوديتها، إلى جانب توطين سلاسل الإمداد، وبناء مخزونات استراتيجية، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
ويختتم الخفاجي حديثه بالتأكيد على أن العالم لا يتجه نحو نهاية العولمة (..) لكنه يتجه نحو نموذج جديد أكثر كلفة وأقل كفاءة، وأكثر خضوعًا لاعتبارات السياسة والجغرافيا، حيث لن تغيّر صدمة هرمز حجم التجارة بقدر ما ستُعيد تشكيلها.







