هجرة العقول تهدد التفوق العلمي لأميركا.. ما أسباب تسارعها؟
14:58 - 20 فبراير 2026تتعرض الولايات المتحدة اليوم لضغوط غير مسبوقة تهدد مكانتها كقوة علمية عالمية، نتيجة موجة متسارعة من هجرة العقول التي تشمل أبرز الباحثين والعلماء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والصحة.
تشير البيانات إلى أن السياسات الحكومية الأخيرة، سواء في التمويل أو التوظيف أو المناخ المؤسسي، أسهمت في خلق بيئة غير مستقرة، دفعت العلماء الشباب والمتمرسين على حد سواء للبحث عن فرص أكثر أمانًا واستقرارًا خارج البلاد.
تسلط هذه الظاهرة الضوء على أزمة هيكلية حقيقية: فقدان الكفاءات العلمية لم يعد مجرد خطر مستقبلي، بل تحول إلى واقع ملموس يطال أهم القطاعات البحثية والابتكارية في البلاد، مع انعكاسات مباشرة على تنافسية الولايات المتحدة في الابتكار العالمي.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، إلى أن:
- إدارة ترامب الثانية سعت جاهدةً إلى التقليل من شأن العلماء وتشويه سمعتهم، بل وحتى فصلهم من العمل.
- إن ثمار حرب ترامب على العلم واضحة للعيان؛ فقد غادر أكثر من 10,000 عامل من حملة شهادات الدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والصحة، القوى العاملة الفيدرالية العام الماضي، إما بسبب الفصل من العمل أو التقاعد أو الاستقالة.
- يُظهر تحليل حديث نُشر في مجلة ساينس أن هذا العدد يُعادل ثلاثة أضعاف الخسائر التي حدثت في السنة الأخيرة من إدارة بايدن.
- شهدت بعض الوكالات تعيينات جديدة، لكن في 14 وكالة تعمل في قطاعات مثل الصحة والأرصاد الجوية والبيئة، كانت الصورة العامة هجرة صافية لأكثر من 4000 عامل من ذوي الكفاءات العالية.
- يتضح هذا التراجع في الخبرات العلمية في التصريحات الأخيرة: إلغاء قرار "الخطر" الذي ينص على أن غازات الاحتباس الحراري تهدد صحة الإنسان، والذي يُعدّ أساسًا لتشريعات المناخ؛ وتخفيض مستوى أبحاث التأهب للأوبئة من قِبل الوكالة الصحية المكلفة بالاستجابة للأمراض المعدية؛ ورفض الجهات التنظيمية هذا الشهر مراجعة لقاح الإنفلونزا الجديد من موديرنا بتقنية mRNA
ويضيف التقرير: يبدو أن هذه القرارات تستند إلى حجج ترامب أكثر من استنادها إلى العلم، مثل مزاعم تزوير المناخ والادعاءات الكاذبة بأن الأطفال يتلقون جرعات زائدة من اللقاحات.
ترتب على ذلك:
- هجرة الباحثين الأميركيين إلى الخارج في هجرة عكسية للعقول.
- شركات الأدوية تشكك علنًا في استثماراتها المستقبلية في البلاد.
- الولايات المتحدة الآن تسجل أعلى عدد من حالات الحصبة منذ القضاء على المرض فيها عام 2000.
ووفق التقرير، فإنه رغم أن التقاعد والاستقالة يُعتبران مغادرة طوعية، إلا أن الإجراءات الحكومية قد عجّلت بلا شكّ من هذه الهجرة الجماعية: من خلال خفض التكاليف بشكل مفرط وتعسفي، لا سيما من قِبل ما يُسمى بوزارة كفاءة الحكومة؛ وتعيين أصحاب الأيديولوجيات في مناصب قيادية.
وبناءً على ذلك، خصص الاتحاد الأوروبي 500 مليون يورو لاستقطاب العلماء إلى القارة، مقدماً ضمانات قانونية واضحة للحرية الأكاديمية والتزاماً بالتنوع والشمول.
تحول هيكلي
يقول خبير أسواق المال محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- ظاهرة هجرة العقول التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم لم تعد مجرد موجة عابرة، بل تمثل تحولًا هيكليًا خطيرًا يهدد مكانتها كقوة عظمى في مجالي العلوم والتكنولوجيا، بعد أن ظلت لعقود طويلة قبلة العلماء والمغناطيس الأول للمواهب حول العالم.
- السبب المباشر وراء هذا "النزيف المعرفي" يتمثل في مزيج معقد من السياسات المالية والقرارات الإدارية والمناخ العام، التي تضافرت معًا لخلق بيئة طاردة للعلماء والباحثين، خاصة الشباب منهم، مشيرًا إلى أن الأزمة تبدأ من "صنبور التمويل".
- ميزانيات البحث العلمي الفيدرالي تعرضت لتقليصات حادة وغير مسبوقة، شملت مؤسسات كبرى مثل المعاهد الوطنية للصحة ووكالة ناسا ومؤسسة العلوم الوطنية، وهو ما تُرجم على أرض الواقع إلى إلغاء آلاف المنح البحثية وتجميد التوظيف في المعامل، ما خلق حالة من عدم الأمان الوظيفي دفعت كثيرًا من الباحثين للشعور بأنهم "يسيرون على أرض هشة"، لا يعلمون ما إذا كانت مشروعاتهم ستستمر أم تتوقف فجأة.
ويضيف: هذا الواقع دفع أعدادًا متزايدة من العلماء إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا، سواء في القطاع الخاص أو في الخارج، حيث تستغل دول مثل الصين وعدد من الدول الأوروبية الفرصة عبر تقديم تمويلات ضخمة وبرامج استقطاب طويلة الأمد تستهدف الكفاءات الأميركية والأجنبية العاملة داخل الولايات المتحدة.
ويشير سعيد إلى أن الأزمة لا تتعلق بالتمويل فقط، بل تمتد إلى نمط الحياة والكرامة المهنية، موضحًا أن إجراءات الهجرة والتأشيرات مثل H1B والبطاقة الخضراء تحولت إلى مسار بيروقراطي معقد ومكلف، ما يجعل العلماء الأجانب - الذين يحملون على عاتقهم جزءًا كبيرًا من البحث العلمي الأميركي- يشعرون بعدم الترحيب أو بعدم الاستقرار.
ويتابع أن هذا المناخ تزامن مع حالة استقطاب سياسي داخلي وخطاب عدائي أحيانًا تجاه المهاجرين أو حتى تجاه العلم نفسه في قضايا جدلية مثل التغير المناخي والأوبئة، الأمر الذي دفع كفاءات نادرة للتفكير بجدية في العودة إلى بلدانها الأصلية أو الانتقال إلى دول مثل كندا وفرنسا وأستراليا، التي توفر برامج إقامة سريعة وبيئة عمل مستقرة اجتماعيًا، إلى جانب خدمات صحية ومعيشية أفضل مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة في مدن تكنولوجية أمريكية كبرى مثل سان فرانسيسكو ونيويورك.
أبرز القطاعات المتأثرة
ويبيّن سعيد أن:
- القطاعات الأكثر تضررًا من هذا التحول هي التكنولوجيا الحيوية والأدوية والطب، نظرًا لاعتمادها شبه الكلي على المنح الحكومية والبحث الأكاديمي.
- توقف التمويل قد يعني تباطؤًا أو توقفًا في اكتشافات حيوية لعلاج السرطان والأمراض المستعصية.
- قطاع الذكاء الاصطناعي والبرمجيات يأتي في المرتبة التالية من حيث التأثر، لاعتماده الأساسي على عقول المبرمجين والمهندسين المهاجرين، الذين أصبحوا هدفًا مباشرًا للمنافسين الدوليين عبر حزم رواتب وتسهيلات جذابة.
- التأثير يمتد كذلك إلى قطاعات استراتيجية حساسة مثل أشباه الموصلات، وفيزياء الكم، والطاقة النظيفة، فضلًا عن المؤسسات الأكاديمية العريقة التي بدأت تواجه تراجعًا في طلبات الالتحاق ببرامج الدكتوراه من الطلاب الدوليين، الذين شكّلوا لعقود وقود الابتكار الأميركي.
ويختتم خبير أسواق المال حديثه بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تخاطر اليوم بفقدان أهم ميزة تنافسية استراتيجية تمتلكها، وهي رأس المال البشري، محذرًا من أنه إذا استمر هذا المسار، فقد لا تكتفي الدول المنافسة باللحاق بها، بل قد تتجاوزها في سباق براءات الاختراع وصناعات المستقبل، بما قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي وموازين القوى العسكرية خلال السنوات القليلة المقبلة.
تكشف بيانات التوظيف الصادرة عن مكتب إدارة شؤون الموظفين بالبيت الأبيض أن المعاهد الوطنية للصحة تتصدر قائمة المؤسسات التي شهدت أكبر عدد من حالات المغادرة، حيث غادرها 1100 شخص في عام 2025 مقارنةً بـ 421 شخصًا في العام السابق.
كما تضررت بشدة كل من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ووكالة حماية البيئة، ودائرة الغابات الأميركية.
وشهدت المؤسسة الوطنية للعلوم انخفاضًا صافيًا بنسبة 40 بالمئة في عدد العاملين الحاصلين على درجة الدكتوراه. إنه نزيف هائل في الخبرات، مع ضياع ما يعادل 107 آلاف عام من الخبرة الجماعية.
موجة متسارعة
يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"
- الولايات المتحدة تواجه حالياً موجة متسارعة من هجرة العقول، في تطور يمثل تهديداً حقيقياً لقدرتها على الحفاظ على موقعها كقائد عالمي في البحث العلمي والابتكار.
- المؤشرات لم تعد نظرية بل أصبحت مدعومة ببيانات رقمية مقلقة.
- أبرز أسباب هذا النزيف العلمي تعود إلى سياسات حكومية مثيرة للجدل في ملف تمويل العلوم والبحوث، حيث قامت الإدارة الأميركية خلال السنوات الأخيرة بإلغاء عدد من المشاريع البحثية وتقليص ميزانيات فيدرالية، لا سيما في مؤسسات محورية مثل المعاهد الوطنية للصحة، ما أثر بشكل مباشر على الباحثين ومساراتهم المهنية داخل البلاد.
- هذه السياسات دفعت أعداداً متزايدة من العلماء إلى التفكير الجاد في المغادرة.
ويشير إلى بيانات تُظهر ارتفاع طلبات الوظائف الخارجية من العلماء الأميركيين (..) كما ارتفع عدد من يتصفحون فرص العمل خارج الولايات المتحدة ونسبة من يميلون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن مستقبل وظيفي أكثر استقراراً.
ويتابع الخفاجي أن النزيف لم يعد مقتصراً على النوايا، بل أصبح واقعاً رقمياً، إذ تشهد الوظائف الفيدرالية العلمية مغادرة الكثير من العلماء (..) وكانت قطاعات الصحة والبيئة والطقس من بين الأكثر تضرراً، مع تراجع ملحوظ في قوة العمل لدى المؤسسة الوطنية للعلوم.
ويوضح أن الآثار بدأت تنعكس على تباطؤ سياسات العلوم الحيوية وأبحاث المناخ والاستعداد للأوبئة، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن قدرة الولايات المتحدة على مواكبة المنافسة المتصاعدة في مجالات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية.
وفي سياق متصل، يشير الخفاجي إلى أن التقارير الدولية الحديثة تكشف أن أكثر الدول استقطاباً للعقول المهاجرة من الولايات المتحدة حالياً هي كندا، تليها ألمانيا، ثم المملكة المتحدة، وأستراليا، إضافة إلى الصين.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن هجرة العقول من أميركا لم تعد مجرد احتمال مستقبلي، بل تحولت إلى اتجاه متسارع يمس أهم قطاعات البحث العلمي، ما قد ينعكس سلباً على تنافسية البلاد العلمية والاقتصادية على المدى المتوسط والطويل إذا لم تُعالج الأسباب الجوهرية لهذه الظاهرة بسياسات تمويل واستقرار مؤسسي أكثر وضوحاً وجاذبية للكفاءات.





