بعد تقلبات الحرب: هل يصبح الذهب الملاذ الآمن الوحيد؟
07:26 - 16 أبريل 2026
تشير التحركات الأخيرة في المحافظ الاستثمارية لبنك "اتحاد البنوك الخاصة" (UBP) السويسري إلى تحول في التعامل مع الذهب كأصل استراتيجي، حيث بدأ البنك عملية إعادة بناء لحيازاته التي تراجعت سابقاً إلى حدود 3 بالمئة نتيجة ضغوط السيولة المرتبطة بالنزاعات الجيوسياسية.
وتستند هذه العودة إلى تقديرات تحليلية ترى أن العوامل الهيكلية، مثل مشتريات البنوك المركزية وتفاقم العجز المالي، تمثل محركات دفع أقوى من التذبذبات السعرية الناتجة عن تقلبات أسعار الفائدة.
ومع وصول نسبة الذهب في المحافظ المدارة حالياً إلى نحو 6 بالمئة، تبرز هذه الخطوات كقراءة عملية لمستقبل السوق في ظل غياب الوضوح السياسي، مما يطرح تساؤلات حول مآلات هذا التوجه: هل يقود بنك الاتحاد السويسري الذهب نحو قمة الستة آلاف؟ ومع عودة بنك (UBP) للذهب، هل اقتربت ساعة الارتفاع السعري الكبير؟ وبعد تقلبات الحرب، هل يصبح الذهب الملاذ الآمن الوحيد حالياً؟
إعادة بناء مراكز الذهب
بدأ بنك "اتحاد البنوك الخاصة" (UBP) السويسري في إضافة السبائك تدريجياً إلى محافظ العملاء الاستثمارية (المحافظ المدارة)، وذلك بعد خفض نسبة التعرض للذهب من حوالي 10بالمئة إلى 3 بالمئة، بحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" واطلعت عليه سكاي نيوز عربية. و
أوضح باراس غوبتا، رئيس إدارة المحافظ الاستثمارية في آسيا لدى البنك، أن المؤسسة اتخذت الخطوات الأولى لإعادة بناء هذه المحافظ بعد التخلص من "المراكز أحادية الجانب"، مؤكداً أن حيازات المستثمرين من المؤسسات والأفراد أصبحت الآن متوازنة تماماً.
وذكر التقرير أن البنك، الذي كان يدير أصولاً بقيمة 184.5 مليار فرنك سويسري (233 مليار دولار) بنهاية العام الماضي، يسعى إلى تعزيز مراكزه في الذهب المتمثلة في صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالسبائك، لتصل حالياً إلى 6 بالمئة من المحافظ المدارة.
ويتمسك (UBP) بتوقعاته التي تشير إلى وصول الأسعار لـ 6000 دولار للأوقية بنهاية العام، استناداً إلى استمرار الطلب الهيكلي الذي يشمل مشتريات البنوك المركزية، والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي، بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية القائمة.
ضغوط الحرب وأزمات السيولة
وعلى الرغم من ارتفاع الذهب بنسبة تقارب 80 بالمئة منذ بداية عام 2025، إلا أنه واجه تراجعات ناتجة عن مخاوف ارتفاع أسعار الفائدة وأزمة سيولة دفعت المتداولين لبيع حيازاتهم لتغطية خسائر في قطاعات أخرى. ووفقاً للبيانات، فقد المعدن الثمين نحو عُشر قيمته منذ بدء حرب إيران، مما زاد من تركيز المستثمرين على مخاطر التضخم الناتجة عن قفزة أسعار الطاقة.
وتتوافق رؤية بنك (UBP) مع توجهات بنوك استثمارية كبرى مثل "غولدمان ساكس" ومجموعة "ANZ" التي أكدت على النظرة الإيجابية للمعدن على المدى الطويل. ويشير التقرير إلى عودة "صائدي الصفقات" للسوق، حيث زادت الحيازات العالمية لصناديق المؤشرات المتداولة بنحو 20 طناً في أبريل الماضي، بعد موجة نزوح كبرى في مارس.
مع ذلك، يرهن البنك السويسري عمليات الشراء الإضافية بوضوح أكثر في المشهد الجيوسياسي، معتبراً أن أحداث عطلة نهاية الأسبوع الماضي عززت الحاجة إلى رؤية أكثر دقة.
رهان على المدى الطويل
في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة أن بنك الاتحاد السويسري يمثل أحد أهم القوى الاستثمارية والمحتفظة بالذهب عالمياً، مشيراً إلى أن التحول في تقديرات القمة السعرية للأونصة يأتي استجابة مباشرة للتحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وأشار إلى أن لجوء المستثمرين مجدداً لاكتناز الذهب جاء بعد فترة من التقلبات بداية العام، حيث دفع صعود النفط والعملات المشفرة البعض للتريث، قبل أن يعود المعدن الأصفر كخيار أول لتجنب الخسائر الناتجة عن التداعيات الاقتصادية الراهنة.
واقعية مستهدف الـ 6000 دولار
ويرى الخبير الاقتصادي بدرة أن الوصول إلى مستوى 6000 دولار للأونصة هو احتمال قائم ضمن رسم الاستراتيجية الكبرى لسوق الذهب على المدى الزمني البعيد، خاصة مع استمرار الصين في الاستحواذ على نسب كبيرة من الذهب عالمياً، واقتراب الأسعار من قمم تاريخية بشكل متكرر.
وأكد الدكتور بدرة أن التقلبات الناتجة عن حرب إيران تظل عاملاً جوهرياً في تحريك الأسواق، فبينما يمكن احتواء ضغوط التضخم على المدى القصير، فإن التوقعات الإيجابية تظل قائمة حتى نهاية عام 2026، بشرط ثبات العوامل الحالية وعدم دخول الحرب في تعقيدات أعمق قد تفرض إعادة تقييم شاملة للمشهد السعري.
وأشار بدرة إلى وجود تحركات استراتيجية يقودها كبار المستثمرين والمصارف المركزية العالمية لإعادة موازنة احتياطياتها، من خلال زيادة حصص الاستحواذ على الذهب وتقليص الاعتماد على الأصول الأخرى، مما أحدث تغييرات ملموسة في مستويات الأسعار العالمية. ويرى أن هذا التوجه نحو "سيادة الأصول" وإعادة توطين الاحتياطيات الذهبية يعزز من ثبات المراكز السعرية فوق مستويات تاريخية جديدة.
إجماع المؤسسات: الذهب وتحدي الدولار
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي علي حمودي، في تصريحات خاصة لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن موقف بنك الاتحاد السويسري المتفائل لا يعد تحركاً منفرداً، بل يتماشى مع إجماع أوسع نطاقاً بين المؤسسات المالية الكبرى، التي تتوقع أن يصل سعر الذهب إلى 6000 دولا وقال: "حقيقة رأينا منذ أوائل عام 2026 تفائلاً تجاه الذهب، فتوقع البنك السويسري ومؤسسات أخرى ارتفاعات كبيرة في أسعار الذهب يستند إلى تحولات هيكلية في السوق".
وأوضح حمودي أن هناك العديد من بيوت الاستثمار وصناديق التحوط رفعت توقعاتها لسعر الذهب إلى ما يزيد عن 6000 دولار ليصل إلى 6200 دولار للأونصة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2026، مشيرةً إلى قوة الطلب الاستثماري، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وزيادة مشتريات البنوك المركزية.
وأرجع الخبير الاقتصادي حمودي توقعات ارتفاع الذهب إلى عدة عوامل أبرزها:
- طلب البنوك المركزية: عمليات شراء قوية وغير مسبوقة من قبل البنوك المركزية في إطار تنويع محافظها الاستثمارية بعيداً عن الدولار الأميركي.
- المخاطر الجيوسياسية: عززت التوترات المتزايدة، لا سيما في الشرق الأوسط ومناطق التجارة المحيطة به، مكانة الذهب كملاذ آمن.
- البيئة الاقتصادية الكلية: توقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي وارتفاع العجز الأمريكي، مما يقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدرّ عائدًا.
وخلص حمودي إلى أن "بنك الاتحاد السويسري يلعب دوراً داعماً، ومشترياً نشطًا في الاتجاه نحو 6000 دولار أمريكي للذهب. ومع ذلك، فإن هذا التحرك مدفوع بإعادة تخصيص هيكلية ضخمة لرأس المال بعيداً عن الدولار الأميركي من قبل البنوك المركزية والمستثمرين المؤسسيين، وليس بفعل بنك واحد فقط".









